
الدين ..عودة الى الكبت/ حازم كويي
وجهة نظر الباحث الماركسي ستيوارت هول*
يرى ستيوارت هول مقتنعاً ،انه ومنذ اواسط سبعينات القرن الماضي ، ان الليبرالية الجديدة اخذت مواقع التقدم وباشكال عديدة ،فعلى المستوى الوطني بدأت في عهد رونالد ريغان ومارغريت تاتشر ،ثم اخذت بالتوسع ،ونحن نعرف جميعاً مالذي حدث بعد ذلك.
وهو يرى ان احداث سبتمبرعام 2001 لم تكن هي التي خلقت العالم الجديد ،لكنها وبلا شك قد أثرت في مجالين ،فهي اولاً ,وبكل وضوح تريد قيادة النظام العالمي الجديد ،ورغم ان ذلك ليس بحدث مفاجئ ،فمنذ ايام الحرب الباردة والمخابرات الاميركية CIAمشغولة بمراقبة العالم ،لكنها في هذه المرة تريد شكلاً آخر للقيادة والسيطرة .
ويعتقد هول ان احداث الحادي عشر من سبتمبر كان الانكسار الاول ،المعني بالنظام العالمي.
والوجه الثاني للتناقض الحقيقي بطرح السؤال ،من المسؤول عن ذلك؟
الماركسيون ،الماويون،العمال الثوريون،أم الفلاحون الثوريون !
ويجيب بالنفي :اللعنة، الدين هو المسؤول ،هذا الذي نسيناه ببساطة ،فقد انطلت علينا الخديعة وكذلك على السوسيولوجيون ، من ان العلمانية هي قضية لايمنعها مانع (من وجهة نظرهم) .
فكل التصورات عن التقدم والتحديث مرتبطة بالعلمانية وهو يعترف بانه لم يلتزم كثيرا بعلمانية كهذه ،فقد فهم شيئاً من الدين،كونه يحمل جذوراً عميقة ،وهو شخصياً ليس متديناً ولم يكن يوماً انسانياً مسلحاً ولا ملحداً مسلحاً، وكمثقفين (فلم نفكر بالدين كثيراً،وبشكل ملفت للنظر عاشت حالة انتعاش في بعض اجزاء من العالم ،التي تعاني من نقص في العلمانية واصبحت نقطة تجمع كريستاليةللمقاومة).
ويريد القول ان النظام العالمي عمل على خلق التوتر في الدول المتخلفة والدول الاقل تخلفاً وجعلها تعمل سوية بنظام واحد،والسبب الاساسي هو التطور اللامتكافئ ،هذا المفهوم الذي ُيعتمدُ عليه اصلاً في التقاليد الماركسية والتي علينا التفكير بها من جديد .
فالتطور غير المتكافئ موجود في نظام العولمة الجديد ،والحق مع ماركس عندما كتب ،انَّ الرأسمالية قامت على ان تبتلع دائماً اكبر جزء من العالم .
والحقيقة ان العالم يتكامل بشكل غير متكافئ ،وهذا يعني ان العالم الاول ،الثالث والرابع يجدون انفسهم جميعاً في الاول ،واصبحت ارباح الشركات من العالم الثالث تتقرر في اوزبكستان أو في اماكن لانستطيع تهجي حروفها لانها غير معروفة جغرافياً .
ويفكر المرء كيف ان القومية العربية ،الاشتراكية العربية او الليبرالية العربية قد أُستهلكت ومن ثم سقطت ودخلت في طريق معاكس ،ونقطة الرجوع الوحيدة في الدول العربية هي التحشيد للدين الاسلامي،وهذا الذي يحدث هي خطوات تراجع للوراء وفي نفس الوقت تصور متعرج عن التحديث.
والتعبير هنا ان المجتمع بتقاليده ولغته يحافظ على نفسه من خلال الدين،ويوضح هول انه في عالمنا(اي الغرب) ،ان الدين لايماسك او يحافظ مجتمعنا وظاهرة كهذه لايسمح بها في اميركا ،فالدين هنا هو جزء آخر من لغة قديمة .
ويطرح السؤال ،على ماذا يقف هذا النظام المعولم والذي يعني ان قوى المجتمع الذي يمثل هذا الشكل لايستطيع ان يتحد مع بعضه، لكن البديل من جانب آخر هو انه لايمكن ان يؤذي نفسه والقناعة ان هذا لايخدم باستمرارأحداً .
وليجري التفكير بالوضع المأساوي في فلسطين ،كيف ان الغرب يسمح بتصعيد التوتر هناك ،والتناقض هنا ان العرب في الشرق يدفعون ثمناً لما إقترفته اوربا الغربية واميركا عندما طاردت اليهود وقتلت قسماً منهم،وهذا شئ غريب والذي يفكر بإسرائيل يثبت لديه بأنها فقط ولاسباب عملية لا يجب أن تكون موجودة ،وتعتبر غير شرعية ،كونها دولة دينية أثنية ،وبدوره يأتي السؤال ،كيف تستطيع اميركا وبمساعدة اسرائيل تنفيذ تحقيق السيادة؟
هنا يلعب الدين دوراً مهماً ،ولم يكن هذا دائماً هكذا ،فهناك توجد حركات علمانية ايضاً ،والحل ان تكون هناك دولتان ،رغم التصورات الموجودة عن شكل الدولة هذه.
فلسطين هي كقطعة الجبن ،فيها الكثير من الثقوب،وطبيعي هنا ان الدين يلعب دوراً ،لنتذكر هنا (فرانز فانون ) الذي كان ذكياً جداً ،لكنه لم يفهم ابداً ،ان الثورة الجزائرية كان عليها ان تنسق مع الدين حتى لاتسمح لها او تترك المجال لتهدمها او تضعفها،لهذا يجب تحمل مسؤولية ثابتة لان الدين تشكيل ثقافي يتوجب في كل الاحوال فهم التعارضات ،كيف يكون الدين في نظام حكم مختلف والى أي حد تنجح في ابقاءهم في اللاوعي .
وهنا يكون الناس فاعلين في توظيف شخصيتهم عندما تعطي الفرصة لتصوراتهم في مجتمعهم الجمعي ،ولايعني هذا تأييد كل الاسس بل فهم النظام الثقافي .
فالاشكال الشاذة للقرن الحادي والعشرون فاعلة والتي اضاعت علينا الفرصة .
ان احداث 11 سبتمبر هي التي أطفأت الانوار علينا.
*ستيوارت هول ولد عام1932 في جامايكا وهو من اشهر الماركسيين المحللين في مجال الثقافة النظرية ،معروف عنه من معارضي الكولونيالية والامبريالية والعنصرية.وهو من مؤسسي اليسار الجديد .
توفي في شباط 2014 في لندن