
موقف المرجعية المتأخر....... جداً / تحسين المنذري
في البدء لابد من تأكيد قضية هامة وهي إن المرجعية الدينية العليا في النجف حينما قبلت لنفسها التدخل في الشأن السياسي عليها أن تقبل النقد في السياسة أيضا ، وإلا فإن قدسيتها الدينية لاتشمل بأية حال مشاركتها السياسية ، وأنا أحترم وجودها الديني مثلما أحترم مرجعيات كل الاديان والطوائف ومعتقدات كل الاشخاص على مختلف تلاوينهم ، وعليه فإن ما أثاره ممثل المرجع الاعلى بخطبة الجمعة7/8 في كربلاء من قضايا سياسية تستحق التوقف والمناقشة،فالسيد أراد أن يساند متظاهرين بحت أصواتهم من المطالبة بقضايا إنسانية بسيطة تتحقق في أقل المجتمعات تحضرا، لكنها في عراق المحاصصة الطائفية لم ينل منها عامة الشعب شيئ سوى الوعود الكاذبة من كتل سياسية وسياسيين دعمتهم المرجعية بكل ما أوتيت من وجاهة حتى تبوأوا مراكزاَ أتاحت لهم التلاعب بمقدرات الوطن، أرضا وشعبا،لكن بإتجاه التخريب وليس البناء،، مقابل نمو هائل لثرواتهم الشخصية والحزبية ووجاهة ما كانوا يحلمون في يوم ما ربما بعُشرِها ،وطيلة هذه المدة كانت المرجعية على علم بما آلت إليه أحوال الناس من تردي مريع في كل شيئ بدءأ من الوضع الامني مرورا بالخدمات وليس إنتهاءا بحاجيات الحياة المعيشية اليومية ، فكل شيئ كان من سيئ الى أسوأ، وإحتمت تلك الكتل والشخصيات السياسية بقدسية عباءة المرجعية وبعِلْم المرجعية وبرعايتها. ولم تكن المحاصصة الطائفية ــ الاثنية بمعزل عن دراية المرجعية، أو بعدم رضاها، ومنذ اللحظات الاولى لتلك التقسيمات كانت المرجعية مشارك رئيسي فيها من خلال رعايتها للبيت الشيعي الذي تشكل في النجف الاشرف مقر المرجعية وتحت رعايتها وربما توجيهاتها،فما الذي جعل المرجعية الان تتراجع عن المحاصصة الطائفية؟لقد أشار ممثل المرجعية بخطبته الى ضرورة إبعاد كل من تلوح حوله مؤشرات الفساد بغض النظر عن كتلته وحزبه ،وقد تكون المرجعية هنا راغبة فعلا بإستبدال المفسدين لكن بمن سوف يستبدلون؟ ولعل رغبتها الحقيقية هي بإاستبدال كل من لايواليها بأخرين موالين لها أو قل من الاتباع، عندها ستنتهي المحاصصة الطائفية أيضاَ!!!! أليس كذلك؟
لم تقل المرجعية سابقا مثلما قالت يوم الجمعة 7/8 ويبدو إنها إستهدفت أكثر من عصفور بهذا الحجر الذي رمته بتصويب دقيق فهي:
1- ربما أحست إن الجماهير سوف تهاجمها كراعية لوزراء مفسدين في الحكومة
2- أو إنها أرادت أن تظهر عدم دعمها للمحاصصة والفساد كي تمتص نقمة المنتفضين
3- وقد تكون رسالة للناس وللقوى والكتل السياسية ، بل وحتى القوى الاقليمية والدولية، على إنها مازالت تستطيع ركوب الموجه ، سيما وإن بعضا من أنصارها أعلنوا مشاركتهم في المظاهرات الاحتجاجية .
4- أو إنها أحست بأن هذه الاحتجاجات سوف تطيح برؤوس مواليها في السلطة وأرادت أن تحميهم وتعطيهم مبرراَ جديداَ للمناورة
5- ولعلها أرادت أن تقول إنها منحازة للفقراء وليس لدافعي الخمس فقط ، بعد ما صار الهمس صوتا عاليا بأن الاغنياء وأصحاب القرار هم المسموعين من قبل المراجع وليس المسحوقين والمعدمين ، الذين كبرت نسبتهم وصار الموقف محرجا للمرجعية العليا قبل غيرها
6- أو إنها أرادت أن تسبق تمرد الناس كي لا تصل الحالة لرفض حكم الاسلام السياسي بالمطلق وبالتالي فشل تجربة كانت تنتظرها المرجعية منذ زمن طويل
وقد يكون في حسابات المرجعية أشياءٌ أخرى ، لكن بجميع الاحوال فإن موقف المرجعية جاء متأخرا جدا،فالحال الذي وصل اليه الناس لم يأتِ بشكل مفاجيئ بل هو نتيجة لتراكمات كثيرة وإنهيارات في بنى الخدمات المتهالكة أصلا،دون أن تبادر الجهات الحكومية المدعومة من قبل المرجعية لترميم تلك البنى أو لاعادة بنائها وتجديدها ، لم تتحرك المرجعية وهي ترى شخوصاً جاءوا الى مراكز القرار من رصيف البطالة والعوز وأصبحوا مابين ليلة وضحاها مليارديريين ومن رؤوس أغنياء العالم ، لم تتحرك المرجعية وهي ترى الناس تتلوى جوعا وتنتهك حرماتها بإسم الدين والمرجعية نفسها ، لم تقل المرجعية شيئا وهي ترى وتسمع كذب ودجل السياسيين الذين دعمتهم وباركت قائمتهم الانتخابية ، لم تبادر المرجعية لفعل شيئ والبلد تنتهك حرماته وحدوده وتستباح أراضيه وثرواته،ولو عددنا من مثل هذه الحالات فالقائمة تطول ، لكن المرجعية تحركت اليوم لانها عرفت بحاستها السياسية إن الشعب بدأ يصحو من غيبوبة التنخدير الذي غذت إنتشاره على مدى 12عام. الكلمة الفصل للشعب وليس للمرجعية ، مصدر السلطات هو الشعب وليس المرجعية الدينية، من يشاء ومن لايشاء هو الشعب وليس المرجعية، ومن يريد أن يستمر في مسيرة الاصلاح فليلجأ للشعب وليس لغيره، فالمدى الذي ستسير فيه المرجعية قصير وقد تتوقف في أي لحظة خوفا من إنهيار كل ما أسست له من غيبوبة وتراجع وعي ولا مبالاة وإعتماد على الغيب في معالجة الامور. للشعب الكلمة ولقواه الحية أن تقود الصحوة الكبيرة هذه في سبيل الانتقال الى مرحلة بناء حقيقية وليس دونكيخوتية.