ما تبلور من المظاهرات ... والحبل عالجرار / د.علي الخالدي   

بلورت مظاهرات ساحة التحرير ومدن العراق شعارات وطنية عامة في السلوك ، وعمق في اﻹنتماء للعراق ، منبعها حكمة عقول المتظاهرين ، ونظافة أفكارهم المرتبطة بالدفاع عن مصالح الشعب والوطن . فعلى صعيد محاربة الفساد والنهوض بإصلاح حقيقي حتى يُلمس على أرض الواقع ، ربطوا محاسبتهم وخاصتٍَاالحيتان الكبار ،بإعادة ما سرقوه من المال العام ، وما إستولوا عليه من ممتلكات عائدة للشعب ، عبر المحاكم الوطنية والدولية ، لكون اﻷغلبية العظمى من سارقي قوت الشعب مزدوجي الجنسية ، وبعضهم يحمل عضوية أحزاب معادية لقضايانا الوطنية والقومية . ومع هذا فقد نصب البعض منهم في مواقع هامة لصنع القرار ، تحت حماية أحزابهم وطوائفهم . ومن هذا المنطلق فهم غير معنيين بحجم مأساة إنعدام متطلبات الحياة الحرة الكريمة ، ناهيك عن فسادهم وفشلهم في إدارة تلك المواقع التي أفلست على أيديهم ، ومواصلتهم خلق معوقات وأمور ثانوية تعرقل توجه الشعب وقواته المسلحة كليا ، لتحريراﻷرض التي دنستها داعش

لقد أدرك المتظاهرون إن معالجة المطبات التي وضعوها لعرقلة محاسبتهم ،و تحقيق اﻹصلاح الحقيقي   لا تعالج بالتسويف والتردد ، وإنما بتفعيل قانون من أين لك هذا الذي يمارس في أغلب دول العالم ، حيث به فحسب ، ستكتشف الملياردات المسروقة من الدولارات ، و لهذا فالمنتفضون لم ترضيهم محاسبة الفاسدين على أساس سوء إﻹدارة أو الشذ عن التعليمات ، يإصدار أحكام قضائية بحقهم دون ربطها  بإعادة ما نهبوه من المال العام ، وما إستملكوه من عقارات الشعب وهي في عهدة الحكومة . فما قيمة ست سنوات أو بضعة أشهر تقضى في السجن ، و بعدها يخرج منه ليتمتع وعائلته بما سرقه ،

إن إعادة ما نهب من ممتلكات الشعب ، يتطلب سعي حثيث نحو حكومات الدول التي جيئت بهم بعد إسقاط الصنم ، وخصوصا أمريكا التي تعرف عنهم الكثير وعن أصولهم المالية والسياسية ، بأن تلعب دورها في المساعدة على إعادة ما نهبوه  ، على أقل تقدير من باب تقليل الكره والعداء الذي تشرب به المجتمع العراقي وأصبح اللغة الوحيدة التي تعرفها كافة مكوناته عنها ، نتيجة افعالها المعادية لمصالح الوطن . فهو ( الشعب العراقي ) يحملها مسؤولية ما حل بالوطن من إنتكاسات وأزمات على كافة اﻷصعدة ، وهي وراء إحتلال العراق الصفوف اﻷمامية في الفساد ، وفقدان النزاهة على الصعيد الدولي   ، وتراجع الوطن ليحتل آخر الصف في التحضر والتقدم الحضاري

     ولطالما بقيت مبررات التظاهر قائمة ، فلن تتوقف إنتفاضة الجماهير حتى يتم تصفية حيتان الفساد  ، و تتوقف التصريحات والتلميحات ، التي ظاهرها حزم لفظي وباطنها تخدير المتظاهرين ، لثنيهم عن مواصلة التظاهر ، مع بقاء تواجد حيتان الفساد الكبار في مواقع القرار وقبادة اﻷحزاب والكتل الحاكمة ، دون محاسبة عما إقترفوه ، من عدم توفيرهم رغيف خبز نظيف وحياة حرة كريمة طيلة عقدين من حكمهم 

 لقد كشف المتظاهرون والمرجعيات الدينية حقيقة ما وراء عدم ضرب الفاسدين بيد من حديد . وما سيخلفه التردد في محاسبتهم ، ونوايا رهانهم الخاسر على عامل الزمن الذي يأملوا منه إضعاف حماس المتظاهرين ، وزرع الملل في نفوسهم . ومما زاد من عزيمتهم بالتظاهر ، إصدار تعليمات بشأن سلم الرواتب الجديد ، الذي سيحدث ضائقة إقتصادية ، لمن يعتمد على راتبه الشهري، من صغار الموظفين ، بينما لم يمس إﻻ بشكل بسيط مداخيل الرئاسات الثلاث ، مما سيبقي الفوارق بين المرتبات واسعة ، والهوة في التمايز الطبقي بين المواطنين سحيقة . ويأمل المتضررون من اﻹصلاح أن ذلك سيشكل عامل مساعد على إضعاف مواصلة حراك نضالهم المطلبي ، غير مدركين أن هذا سيراكم مبررات    المطالبة بإصلاحات أعمق جذريتا ، بما في ذلك إحلال ذوي اﻷيادي البيضاء من ذوي الكفاءة محل الفاشلين والفاسدين في أجهزة الدولة ، حتىﻻ تعود حليمة لعادتها القديمة  

وباﻹضافة لما تقدم إستطاع المتظاهرون على الصعيد الوطني ، أن يعيدوا الهوية الوطنية العراقية التي فقدت منه لعقود ، واﻹلتزام باﻹنتماء للعراق بروح وطنية عالية ، إستلهمت من النضال المطلبي لشعبنا ، فأغنوا فكرهم بمفاهيمه القيمة . وحققوا إنتصارا ملموسا على المحاصصة الطائفية واﻷثنية ، وعلى المتاجرين بهما من قادة التخلف الحضاري واﻹجتماعي ، وأوقفوا عربدة وتصريحات متبني هذا النهج المقيت ، حول خرق الدستور ، والتطاول على اﻹستحقاق في توزيع مناصب مواقع القرار ، على أساس طائفي ومحسوبية . وهم لم يدركوا بعد أن التظاهر، يحمل في طياته نفس اﻹصلاح السياسي ، سيما وأن المتظاهرين قد وحدوا رؤيتهم باﻷصلاح ، فلم يرفعوا شعارات تأخذ من عضد النظام ، بل ما يُعضده ويشد من أزره و تقوية أجهزهته ، سعيا وراء بناء الدولة المدنية على أنقاض نهج المحاصصة الطائفية واﻷثنية ، الذي بطمحون مواصلتة . كما أفلح المنتفظون في تحويل التهريج بالشعارات المذهبية ، ومفاهيم عاشوراء   وقيمه اﻹنسانية  القائمة على هيهات منا الذمة ، وإشاعة العدالة اﻹجتماعية ، الى سلاح بوجه الفاسدين