نهج المحاصصة وصفة للتجييش الطائفي و.. / د. علي الخالدي

أصيبت المجتمعات المتعددة اﻷعراق والديانات بداء مزمن ، وجد في تسمية المحاصصة الطائفية تعبير يسد حاجة من يسعى تطبيق سياسة فرق تسد ، التي وصفها اﻹستعمار البريطاني لحل المشاكل الطائفية والمذهبية في بلاد الهند ، مستحدثا في تطبيقها باكستان الشرقية ( بنعلادش )، وباكستان الغربية ، معتقدا بذلك انه قد حسم الخلافات القومية والطائفية بين الهندوس والمسلمين ، مبقيا على كشمير تعاني من ما يحدث فيها من تجييش طائفي ، يؤدي الى نزاعات دموية ، تُجدد ظهور أعراضها بين فترة وأخرى ، شأنها شأن الوباء الفايروسي المزمن ، الذي عصي علاجه عبر التفاوض بين المعنيين

لقد أعتمدت الدول اﻹستعمارية وصفة التجييش الطائفي في بقاع أخرى من العالم ﻹثارة النزعات القومية والمذهبية بين مكوناتها اﻹجتماعية ، التي كانت تتمتع بوقاية مستديمة ضد هذا الوباء ، لعدم تواجد الوسط الذي ينتقل بواسطته ، لكن عندما أجادت الدول اﻹستعمارية الضرب على الوتر الطائفي بداء هذا الداء يعرف طريق الوصول الى المجتمعات المتعددة المكونات العرقية لتفليشها وتقسيم بلدانها . ففرنسا نقلته الى لبنان ، ليكون نهج سياسي تتقاسم القوى الدينية السياسية كعكة الحكم فيها . وهذا بدوره شجع طائفة مذهبية ثالثة على دخلول معترك تقاسم السلطة ، بدعم مالي ولوجستي من قبل عامل خارجي ، إستطاعت به أن تفرض نفسها بما إستحدثته من مليشيا، ليكون لها نصيب من كعكة الحكم ، ولتكون لبنان بلد اﻷرز ، مستعد لخوض حروبا أهلية دموية ، ضحيتها الشعب اللبناني بكل طوائفة وأديانه .

وجد المستر بريمر الحاكم المطلق الذي نصبته أمريكا على العراق ، بعد إسقاطها الدكتاتورية مشكورة ، في نهج المحاصصة الطائفية ، وصفه مناسبة لتقسيم كعكعة الحكم بين اﻷحزاب اﻹسلامية المتنافرة مذهبيا وقوميا ، حظيت بقبول ومباركة أصدقاء وأعداء بلاده من جيران العراق ، لمعرفتها المسبقة أن هذ النهج سيؤدي الى خلق الفوضى الخلاقة التي كانت تريد تجربتها في العراق

لقد أطلق الشعب العراقي على هذه الوصفة نهج المحاصصة الطائفية واﻷثنية المقيت ، لمعرفته المسبقة ايضا ، بأنها ستكون وراء كل مآسيه وويلاته كما تشير معطيات وضعه المزري الراهن ، بينما الحكومات التي توالت بعد سقوط الصنم ، خففت من لهحة هذه التسمية ، فأطلقت عليها المشاركة الوطنية ، ومن ثم التوافقات السياسية . وكلها تعطي مصداقية لحدس قوى الشعب الوطنية من أن متبني هذا النهج سيضعوا الوطن على سكة تقوده و الوطن الى المجهول ، وسيشكل هذا النهج خيمة تقي سراق المال العام من المساءلة ، وبالرغم من أنفضاح حجتهم بنصرة الطائفة ، إلصقوا بكراسي مواقع القرار بشكل متواصل لما يزيد عن عقدين من الزمن ، فلا هم نصروا طائفتهم ، ولا هم كنسوا موروثات النظام الدكتاتوري خلالهما ، بل إستغلوا ما مهدت لهم مواقع مسؤولياتهم من سبل في تجيير مردودات إسقاط الصنم لصالحهم ولصالح أحزابهم وكتلهم ، مستعينين بمن أنسلخ عن هموم شعبه ، وعاش في دول اللجوء ، على الضمان اﻹجتماعي ، وعلى من أعتمد عليهم الدكتاتور في تسيير أمور نظامه ، ليسود نهج المحاصصة الطائفية واﻹثنية على كل المستويات اﻹدارية واﻷمنية . وبنفس الوقت يكونوا قد تصدوا لفكرة كان الشعب وقواه الوطنية تحلم بتحقيقها بعد إسقاط الصنم ، وهي أن توجه العملية السياسية نحو بناء دولة علمانية تضع لبنات مجتمع مدني ديمقراطي فدرالي موحد ، يزيل موروثات الدكتاتورية ، ويحقق العدالة اﻹجتماعية ، لكن هذا لم يرق لدول الجوار وصاحب إمتياز إسقاط النظام . شجعهم على موقفهم هذا . غياب التخطيط و إﻹستراتيجية الواضحة المعالم لبناء عراق الحضارة والتمدن ، من برامج وفكر قادة اﻷحزاب اﻹسلامية والقومية ، فدفعوا العملية السياسية بإتجاه آخر يعزز نهج المحاصصة ، ويفتح اﻷبواب أمام مطامع الدول القريبة والبعيدة ، ويواصل ضياع قيمة المواطن العراقي التي كانت تزن بما يعكسه سلوكه اليومي من مباديء وقيم إنسانية إمتزجت بصدق مشاعره الوطنية ، وشكلت أعتزازه في الداخل والخارج ، بتمييع روح اﻹنتماء الوطني ، مما هيأء مستلزمات إحتلال داعش لثلث أرض الوطن ، وإعلان دولة الخلافة عليها بعد تهديم الحدود مع سوريا

لم تكتفي اﻷحزاب اﻹسلامية من توسيع رقعة الفقر بين صفوف الشعب ، حتى أصبح الفقر والحرمان صفة من صفات المواطنة العراقية ( فلان فقير فلان غني) يحملها في معيشته اليومية ، ليصبح العراق معروفا ببلد ملايين الفقراء وآلاف اﻷغنياء ، من طبقة برجوازية هجينة إنسلخت من بين صفوف اﻷحزاب اﻹسلامية التي عُرفت بفقرها . واصلت وبدون فترة إستراحة ، حتى لم تأخذ إجازة من الركض وراء تراكم ثرواتهم . بينما المتعبون من نهج المحاصصة الطائفية المقيت ، لم يسكتوا بالمطالبة بإصلاح حقيقي يحقق العدل والمساواة بين الناس .، متحولين الى حالة تمرد مستمر ة ﻷكثر من 18 إسبوعا في طرق تحف به المعوقات ، من أجل تدوير عجلة اﻹصلاح الحقيقي ، التي تتطلب تواجد مقومات وشجاعة مطلقة تنبذ نهج المحاصصة الطائفية المقيت ،وتواجه الفاسدين بقانون من أين لك هذا    كخطوة أولى لتحقيق اﻹصلاح الحقيقي القادر على أيقاف عجلة الدمار والخراب والهوان الذي حل بعراقنا الحبيب