
فضيحة الرواتب التقاعدية.. / عزيز العراقي
منذ فتوى المرجعية الكريمة في النجف الاشرف , والتي حرّمت فيها الرواتب التقاعدية للرئاسات الثلاث وكبار المسؤولين , اخذ الصراع الشيعي شيعي وجهة الاستقطاب الحقيقي لطرفين رئيسيين , الاول يمثل المرجعية التي حرّمت هذه الرواتب , واعتبرت من صادق عليها من الوزراء والنواب هو خائن للأمانة الوطنية والدينية , والثاني هو الطرف الحكومي المتمثل برئاسة الحكومة والبرلمان وقوائمهم وأحزابهم ومن يدور في فلك الاستفادة من صراع التحاصص . اي ان الصراع انفتح على اتجاهين مختلفين وليس باتجاه واحد , وهو ما يعول عليه العراقيون لإنقاذ ما تبقى من وجودهم , وفي نفس الوقت هو الاكثر مصداقية للشيعة وللعراقيين , ومصداقيته من تجاوز صراع الاحزاب الشيعية فيما بينها حول المال والجاه والسلطة , والتي لم يتمكن اي حزب منها من ان يعّول عليه باتجاه انقاذ العراق من باقي سياسي الشيعة قبل غيرهم اولا , وثانيا وهو الاهم ارتفاع صوت المرجعية الكريمة التي سكتت طويلا على تجاوزات السياسيين الذين وصلوا باسم الشيعة ودعم المرجعية ذاتها . ومما لا شك فيه ان المرجعية الكريمة هي القوة الوحيدة حاليا في العراق القادرة والكفيلة لمعارضة النهج المدمر السائد وإعادة التوازن للحياة الطبيعية وليس السياسية فقط .
وفي عودة بسيطة لمراجعة ما حققته قائمة التحالف الوطني الشيعي داخل الساحة الشيعية , ودع عنك العلاقة مع الشركاء الآخرين , فما الذي فعلته او حققته غير ايجاد ( المبرر ) للحصول على رئاسة مجلس الوزراء ؟ وطيلة هذه السنوات لم نجد اي توافق سياسي بين جبهة المالكي المتمثلة بحزب الدعوة وقائمة دولة القانون التي استأثرت برئاسة الوزراء من جهة , وبين كتلتي التيار الصدري والمجلس الاعلى من جهة اخرى , وقد استدعت هذه الصراعات تدخل النظام الايراني عدة مرات لحلها قبل ان تتحول الى صراع يؤدي بوحدة القائمة , وان انسحاب السيد مقتدى الصدر الاخير من الحياة السياسية والذي اكده في كلمته الاخيرة , من ان ادارة الامور تجري من الخارج , وأكيد لم يقصد السعودية او تركيا بل ايران .
يتوجس البعض من تعمق الصراع خلال الفترة القادمة بين فاعلية عدالة الفتوى التي اصدرتها المرجعية الكريمة , وبين هذه القيادات التي استمرئت بالكامل السلطة والجاه والمال , وباتت تتعامل مع المرجعية مثل ما تتعامل مع بسطاء ابناء هذا الشعب المسحوق بالخداع والتظليل , وهي مصممة على الاستمرار في الاستحواذ على السلطة , ولن تعدم وسيلة مشروعة وغير مشروعة لكي تحقق هدفها , وفي المقدمة منها ( تبويش ) فتوى المرجعية . والدليل خطاب رئيس الوزراء السيد المالكي الاربعاء 19 / 2 / 2014 الذي اتهم فيه البرلمان فقط , وأنكر معرفته بالمادة التي منحت الرئاسات والوزراء والنواب الرواتب التقاعدية الخيالية وأثارت الضجة –الضجة ليست لحجم السرقة بقدر ما هي خيانة مكشوفة للقسم والأخلاق التي ادعت المساواة بين العراقيين – وطلب رئيس الوزراء ازالتها وإنهاء الموضوع بكل بساطة . وقد عرضت فضائية البغدادية , وبغض النظر عن الموقف منها , مواد القانون قبل ان تحول الى البرلمان من قبل الحكومة , والمالكي موقع عليه مرتين , الاولى بصفة رئيس مجلس الوزراء والثانية بصفة وزير الداخلية وكالة . والذي يدعي بهذا الشكل , فلا بد ان ( يستدمي ) في سبيل استمراره في السلطة .
لا يزال العراق ومن ( سيفوز ) برئاسته مرتبط بإرادة المشروعين الامريكي والإيراني , خاصة وأنهم الآن في مباحثات تفاهم , ويبدو انهما سيتفقان مثلما حدث في الدورة السابقة , من ان لا يوجد افضل من المالكي ومجموعته في استمرار فشل العراق , واستمرار تجريده من فاعلية مشروعه الوطني مقابل بقائه في السلطة فقط . والعراقيون ليس الشيعة فقط , بل الجميع , امام مفصل تاريخي يواجهوه لأول مرّة بعد ازاحة النظام المقبور في ازاحة من خلفوه , وانتخاب من هو مؤهل فعلا لخدمة العراق . وان حدث العكس , واستمر العراق بهذا الوضع , فلن يحطم آخر ما تبقى للعراقيين من مرجعيات تستطيع الوقوف بجانبه بقوة , وهي المرجعية الكريمة في النجف الاشرف , بل يقرأ الفاتحة على العراق برمته .