من يدافع عن العراق ؟ المليشيات ام الامريكان ؟! / عزيز العراقي

يعتقد البعض ان المليشيات التي وجدت المساحة التي توفر القناعة لادعاءاتها كونها العمود الفقري الذي يحقق التوازن , والاهم ( الحامي لسلامة الطائفة الشيعية ) , ارتكز اكثر بعد الانهيار الذي حصل للجيش العراقي وسيطرة داعش على الموصل وباقي المنطقة الغربية . يمكن ان تكون لهذه الفكرة بعض الوجاهة الطارئة في هذا الظرف الاستثنائي الذي يعاني من صعوبات كثيرة في اعادة تشكيل قطعات الجيش على اسس وطنية صحيحة . ولكي لا يغيب عن البال ان الطريق الاوضح بالوصول الى الاستقرار ليس في منح هذه المليشيات صفة او تعاطف ( شرعي ) في ادارة الصراع كما اراد لها المالكي وبعض مقربيه , عندما استغل فتوى المرجعية بالجهاد الكفائي لمنحها الدور الاكبر في محاربة داعش . وتبقى هذه المليشيات مهما امتلكت الآن من مصادر قوة اكبر من قوة الجيش العراقي والمؤسسات الامنية الاخرى , قوة طارئة وغير معترف بها قانونيا .

تحت عنوان " فصائل شيعية ترفض التدخل الامريكي في العراق وتهدد بالانسحاب من قتال داعش " . نشرت صحيفة " الشرق الاوسط " يوم 18 / 9 / 2014 تصريحات لقادة وممثلين بعض المليشيات الشيعية , ومن بينها بيان لهادي العامري الامين العام لمنظمة بدر الذي اكد فيه من ان " المشروع الامريكي يحاول الالتفاف على انتصارات القوات الامنية والحشد الشعبي " . وعد العامري ان " الشعب العراقي هو المتضرر الوحيد فيه " . وداعيا الى " رفض المشروع والاعتماد على الجيش العراقي والحشد الشعبي للتخلص من داعش ".

العراقيون يعرفون , وفي المقدمة منهم هادي العامري, ان الحشد الشعبي والجيش العراقي لم يتمكنا من تحرير مدينة واحدة لولا دعم الطيران الامريكي , ولو لم تضع اميركا ثقل اهتمامها الآن – لأسبابها الخاصة – بتحرير المناطق العراقية من سيطرة داعش , لما حصلنا على هذا الزخم النفسي والدعم اللوجستي والعسكري في تسليح البيشمركَة لوقف الانهيار المخزي بعد الهروب المتآمر للقادة العسكريين . المالكي والمسئولون عن الانهيار ومن بينهم العامري اصبحوا لا يأتون على ذكر الانهيار خوفا اشبه بخوف ذكر اسم السرطان لأنهم متهمون بحدوثه .

والسؤال هو : لماذا لم يرفض هادي العامري الدعم الامريكي قبل تحرير آمرلي ويتظاهر هو بلباسه العسكري امام الكاميرات كأحد القادة المحررين لها , متناسيا بطولة صمود اهل آمرلي , وتجاوزا على بطولات البيشمركَة الكوردية ومتهما اياها بالاستحواذ على آمرلي والدوز بعد تحريرهما . لماذا العامري يرفض التدخل الامريكي بعد ان عرف ان الامريكان لا يسمحون بتوزيره للداخلية او الدفاع , ولماذا جاء تصريحه بالتزامن مع تصريح الرئيس الايراني روحاني الذي يقول فيه قبل يومين ان " الخطة الامريكية لمحاربة داعش غير مجدية ما لم تكن قوات امريكية على الارض " كما ذكرت قناة العربية والحرة وقنوات اخرى . ظنا منه بأنه يستطيع بتصريحه هذا ان يورط الامريكان بنشر قواتهم على الارض , وتعود المقاومة لهم من قبل ما سمي سابقا بالصحوات , ومن خلالها سيضمن ايجاد ثقل للدور الايراني في المنطقة بعد ان استبعد من قبل الامريكان والغرب حتى من مشروع محاربة داعش .

العراقيون يعرفون دموية الامريكان قبل ان ينتهي الاتحاد السوفيتي وينفرد الامريكان بالعالم , يعرفون جيدا ان اول من خطط لتدمير العراق هم الامريكان , عندما جاء بقطارهم البعثيون كما قال رئيسهم في وقتها علي صالح السعدي يوم 8 شباط الاسود ليرتكبوا ابشع الجرائم في العصر الحديث , وهم ( الامريكان ) من خطط لإشعال الحرب العراقية الايرانية التي استمرت لثمان سنوات , وهم من اوهم صدام باحتلال الكويت , وهم من شن الحرب على العراق لإخراج صدام من الكويت واجبروه على توقيع اتفاقية صفوان التي انهت استقلال العراق ان كان مستقلا , وهم من ساعد صدام للقضاء على انتفاضة عام 1991 الجبارة , وهم من فرض العقوبات التي فككت نسيج المجتمع العراقي , وهم من ازاح صدام وفرض سياسة المحاصصة الطائفية والقومية التي دمرت وحدة العراقيين اكثر من الحصار وباقي جرائمهم الاخرى . الامريكان السبب الاساس بوصولنا الى هذا المنحدر الخطير .

يكتشف العامري بعبقرية استثنائية ان " الشعب العراقي هو المتضرر الوحيد " من تدخل الامريكان ( الآن ) لمقاتلة داعش . وتكاد ان تكون هي المساعدة الوحيدة التي نطلبها منهم وعلى لسان رئيس الوزراء السابق نوري المالكي الذي تاجر بإخراج الامريكان وعاد يتوسل دخولهم ومساعدة الجيش العراقي ليس بالطيران فحسب بل بكل وسيلة اخرى.

العامري رئيس منظمة بدر وهو سياسي ووزير ورئيس كتلة برلمانية كبيرة نسبيا , اي انه قريب من مركز القرار , ويعرف جيدا انه لولا الامريكان لم يتمكن العراق من المحافظة على وحدته الوطنية , والنكته الشائعة ان دولة احتلال تحافظ على وحدة التراب الوطني اكثر من زعاماته السياسية ( الوطنية ) , والعامري يعرف كيف ضغط الامريكان على الدكاكين الطائفية والقومية بعد ان شرفوها باسم ( المكونات ) العراقية في البقاء تحت راية واحدة , و ( الشرف ) يعود لهم في بقاء العراق موحدا رسميا , لا الى المليشيات والاحزاب الطائفية والقومية التي لو بقى القرار لها لأصبح البلد مئة عراق  وألف كانتون .

العامري يدعو العراقيين ولا يدعو طبقته السياسية لرفض المشروع الامريكي , علما ان طبقته هي التي فرضت على العراقيين كل السياسات الامريكية . وما لم يتبلور المشروع الوطني , ويشعر العراقيون بوحدة مصالحهم المشتركة , فلا مجال للحديث عن رفض الامريكان واستغلالهم لنا منذ عام 1963 والى مستقبل مجهول , ولا مجال ايضا لإزاحة الطبقة السياسية التي فرضها الامريكان علينا .