وماذا بعد ؟/عزيز العراقي

منذ الاشهر الاولى لإزاحة صدام ادرك الكثير من العراقيين ان لا فائدة ترجى للعراق لا من الامريكان ولا من النظام الايراني . وضاع هذا الادراك بين صيحات الاعجاب التي رافقت جلب الديمقراطية من قبل الاحتلال وإزاحة صدام الذي عجزنا عن ازاحته , وبين انفجار الكبت المتراكم لظلم الشيعة وحرمانهم من ممارستهم لطقوسهم الحسينية لعدة عقود , وارتفعت مشاعر الحرمان هذه بموجة وجدانية عالية استغلتها ايران في تنظيم قيادات المنظمات والأحزاب الشيعية السياسية تحت مظلة ( طائفية ) واحدة , دفعت بها للمعترك ( الديمقراطي ) وتقاسم النفوذ بالتراضي مع سلطة           الاحتلال . وهو التوافق الوحيد الذي تم بين الدولتين طيلة السنوات التي سبقت اتفاقية النووي .

لقد افلس العراق سواء بإمكانياته المادية ام البشرية , وتم تجريد كامل طبقته السياسية المتنفذة من اية نزعة وطنية بعد ان انساقت بعيدا وراء مصالحها الشخصية . وراوحت ان لم نقل تراجعت الاحتجاجات الشعبية المطالبة بالإصلاح بعد ان تكشفت هشاشة مقومات العملية السياسية برمتها , فالإصلاح لن يجدي , ولا تتواجد اية اداة لقلع هذه العملية السياسية واستبدالها , فلا دستور سوي , ولا قوانين وطنية نافذة , ولا سلطة قضائية عادلة , ولا انتخابات نزيهة ... الخ , ويمكن القول ان الاداة الوحيدة التي يمكن ان تفرض ارادتها من خلال استنهاض همم الجماهير بكل اطيافها هي المرجعية الدينية في النجف الاشرف . ويبدو انها لا تستطيع ان تقدم على عمل اكثر جذرية من التوجيه والتمني , وهذا لن ينتشل العراق من الهاوية التي سقط فيها .

مثلما جمعت اميركا المعارضة العراقية في مؤتمر لندن عندما حان وقت ازاحة صدام لمعرفة توجهات زعاماتها وتحديد وسائل عملها معهم , جمعت المعارضة ( السنية ) ومن بينها القتلة من البعثيين المطلوبين للعدالة واللصوص وكل المعترضين على ازاحة صدام في مؤتمر عمان منتصف 2014 , ومنذ ذلك التاريخ تحدث تفاصيل خططها واختياراتها للشخصيات التي ستتولى ادارة الاقليم السني الذي اقر قبل تصريح نائب الرئيس الامريكي به وقوبل بالرفض القاطع وقتها . وما الخبر الذي نشرته صحيفة " الحياة " يوم 2016 /1/ 29 الذي يقول ان الامريكان ابلغوا المسؤولين العراقيين بأنهم باتجاه تحويل العراق الى ثلاثة اقاليم كوردي وشيعي وسني لإنهاء ازمة الحكم , وسيحافظون على وحدة العراق , ويكون جزء من منظومة الامن القومي الامريكي وبموافقة ورعاية الامم المتحدة , إلا كونه اشارة واضحة لبدء الخطوات العملية . وقد سبق هذا الاعلان عودة مكثفة لقواتها العسكرية , ومساهمة فعالة في دحر داعش وتحرير الرمادي ومنع الحشد الشعبي ( الشيعي ) من المشاركة في القتال , وتدريب مجاميع كبيرة من افراد العشائر السنية . والزيارة الحالية لرئيس البرلمان الى اميركا بدون اشعار البرلمان الذي يرأسه , تبدو انها تأتي في ذات اتجاه تدارس تفاصيل الاخراج , ويبدو ايضا ان السيد سليم الجبوري اصبح احد المعتمدين للخيار الامريكي .

عندما صرح الامريكان عند ازاحة نظام صدام بمقترح انشاء ثلاثة اقاليم , قوبل الطرح برفض واسع من القوى الشعبية والقيادات السياسية , وعكس وحدة مشاعر وطنية مشتركة منع الامريكان في وقتها من الاستمرار في طرح الموضوع. اليوم ومع تعمق مشاعر العداء الطائفية , وبالذات لدى المتعصبين من الطرفين زاد الاعتقاد ان قيام الاقاليم سيعزز وحدتهم الطائفية , وينهي ( مشكلة الحكم ) كما يقول الامريكان , وليس كونه تقاتل جديد سيكون اكثر شراسة ودموية بين ابناء المذهب الواحد والعائلة الواحدة للاستحواذ على ما يمكن الاستحواذ عليه ما دامت الاقاليم اشبه بالعراق الذي حلت مؤسساته عند ازاحة صدام , وأعيد تشكيلها من الصفر وفق رغبات آنية متضاربة , والدستور الذي اصبح احد الاسباب الرئيسية لتمزقنا خير مثال على ذلك . واليوم بات اغلب العراقيين لا يعرفون غير السلطة والوظيفة الحكومية فقط هي مصدر العيش والرفاه .

من الصعوبة معرفة ما تخفي الايام القادمة , فالعراق محاصر بكل شئ سئ , وأمام كوارث سيكون انهيار سد الموصل ليس اكثرها سوادا . ومثلما اصبحت طبقتنا السياسية المتنفذة هي الاكثر فشلا وانحطاطا بين كل الطبقات السياسية في العالم , وحكوماتنا هي الاكثر لصوصية وفسادا بين كل حكومات الارض , سيكون العراقيون ومعهم كل مرجعياتهم الثقافية والسياسية والدينية في الدرك الاسفل من البنية الانسانية , ما لم يبادر الجميع متوحدين وفي المقدمة منهم مرجعيتنا الكريمة في النجف الاشرف لإنقاذ العراق والعراقيين بأسرع مما يخطط له الامريكان وجحوشهم من العراقيين والعرب وباقي وكلائهم في المنطقة .