التيار الصدري واحتجاج اللحظة الراهنة / عزيز العراقي  

اختلفت ردود الافعال على تظاهرات الكبيرة يوم الجمعة التي كانت استجابة لنداء السيد مقتدى الصدر , وقد غطت على التظاهرات الاسبوعية التي تعوّد العراقيون عليها للاحتجاج على التردي الذي وصل اليه العراق . ومن بين ردود الافعال هذه , التذكير بتاريخ وإمكانيات السيد مقتدى والأخطاء التي ارتكبها التيار , ونفض اليد المتأخر من منتسبي التيار الذين يشتركون في السلطة , وأين كان طيلة هذه السنين من مشاركة ممثليه في هذا الفساد وهذه اللصوصية ؟! والى اين يمضي الرفض الذي اعلنه في خطبته ؟

من المؤكد ان الكثير من هذه التساؤلات تأتي في خضم البحث عن الثقة في الطروحات التي جاءت بها خطبته , بعد ان شبع العراقيون من كثرة التطمينات والوعود الزائفة التي سمعوها من قيادات الكتل المتنفذة طيلة الفترة الماضية والتي تجاوزت العقد من السنين . ولا شك ايضا بان قسم من هذا التشكيك بجدية الروح الوطنية التي تبدت بشكل لا لبس فيه في خطابه , والحزم الذي اعلنه بوجه الانحدار الرهيب الذي اوصل العراق لهذا القاع , يأتي من موالي القوائم المتنفذة التي لن تفرط بامتيازاتها ولن تقبل بغير المحاصصة نظاما للحكم . والغريب في هذه الكتابات انها لا تأتي على طبيعة الحدث نفسه كونه اكبر تظاهرات احتجاج في تاريخ العراق منذ ازاحة صدام ولحد الآن , وهو احتجاج يحسب للتيار الصدري رغم مشاركة الكثيرين من خارج التيار . وقد دفع الحراك الجماهيري دفعة قوية الى الامام في هذه اللحظة الزمنية الفارقة , فقد كسر حاجز الخوف عند الجماهير وأوقف استهتار مليشيا الاحزاب المتنفذة التي طالما تدخلت لمنع التظاهر والتنكيل بالمحتجين . والاهم تصاغر جميع القيادات السياسية المتنفذة التي اعلنت ( تقية ) تأييدها للإصلاحات, وجعلها الخوف ان تطالب العبادي بالإسراع في انجاز بعض الخطوات في الساعات التي اعقبت التظاهرات مباشرة بعد ان وضعت امام العبادي في البداية شرط اخذ موافقتها على كل خطوة يخطوها العبادي .

ورغم كل المحاولات للانتقاص من الهبة الجماهيرية الحالية , والخوف من استمرارها في الاسابيع القادمة واقتحام المنطقة الخضراء كما كد السيد مقتدى الصدر , فإنها في ابسط الامور استدعت التعجيل في تقريب المواجهة , وتظهير الصورة بشكل اوضح بين ما يريده الشعب من تغيير جذري حقيقي , وبين ما تريده الطبقة السياسية التي وضعت الشروط والحواجز امام العبادي لمنعه من اجراء اية خطوات اصلاحية حتى وان كانت للترقيع فقط .

موقف مقتدى الصدر الاخير في تزعمه للتظاهرات , وطرحه شعارات وطنية صرفة بعيدا عن اية طائفية , وتوجيه التحذير الى الحكومة والطبقة السياسية , ازال الضرورة من تعليق الامل في معاودة النصح فقط من قبل المرجعية في النجف الاشرف , وأعاد للتذكير بالطروحات القديمة في الفرق بين المرجعية الناطقة والصامتة . ويبدو من حجم التظاهرات الاخيرة ان الكثير من الجماهير الشيعية امضها الجوع والحرمان , وقد طفح بها الكيل , وباتت على اهبة الاستعداد للإطاحة بالمفسدين واللصوص , ومعهم كل الاجراءات التي مهدت لاستهتارهم بحياة جميع العراقيين , وفي المقدمة منها نظام المحاصصة التي ( يسمونها ) طائفية , ويا ليتها كانت طائفية فقط , الا انها محاصصة للاستحواذ وتقاسم خيرات البلد وحرمان اهله منها . ولو توفرت لهذه الجماهير المنكوبة الارادة الصلبة والواضحة في التوجيه , لخلق هذا الزخم الكبير للدفاع عن وحدة المصالح الوطنية المشتركة منذ فترة طويلة وقبل ان تتمكن الطبقة السياسية المتنفذة في فرض ارادتها , وتم إنقاذ العراق والعراقيين من الكوارث التي حلت بهم قبل ان نصل الى هذا المفترق الذي لا نعرف الى اين سيصل .