مســعود "فلسفة"، حنين لمدينة .../ كمـال يلـدو

لقبوه اصدقائه بمسعود "فلسفة" لأنه كان كثير الفهم  والكلام في الأمور الفلسفية، ولأن عقله تفتق في زمن كان هناك سلم أهلي نوعا ما في اواسط السبعينات، فقد نشط بشكل لافت وجلب اليه الأنظار، فبيت له  جلاوزة

الأمن العامة سببا لأعتقاله، وجرى ذلك في العام 76 فأودع السجن لليلة واحدة، بعد ذلك اجبرته العائلة على مغادرة البلد، سافر لليونان، وعاش فيها فترة، وعاد لنشاطه الثوري، وقاد اضرابا عماليا في احد المصانع الذي كان يعج بالعمال العراقيين لمطالبتهم بأرجاع احد العمال المفصولين، فما كان من ادارة المعمل الا ان اتصلت بالسفارة العراقية والشرطة اليونانية، فأعيد مسعود مخفورا الى بغداد، وتعرض خلال التحقيق الى شتى صنوف التعذيب والأهانات. خدم الخدمة الأزامية بعد اخلاء سبيله، غادر بعدها مجددا ، ثم وصل الى الولايات المتحدة منذ العام 1991.

ولد مســعود خضرالقس يوحنان (ويلقبه اصدقائه روبرتو) بمدينة تلكيف التابعة لمحافظة نينوى، وبعمر 9 سنوات سكنت عائلته مدينة بعقوبة نتيجة تعين كلا شـقيقيه الكبار (بحـي و كوركيس) في سلك التدريس، فأقاموا في دارا بالقرب من مبنى المحافظة، بينما قام شقيقه الآخر (المرحوم جوري) بأفتتاح مطعما ســّماه (مطعم الشباب). نشأ "مسعود" في اجواء عائلة كانت متشربة بالوعي والفكر اليساري والشيوعي، فتتلمذ على يدهم، ونمى عنده الوعي وهو بسن مبكرة (11 سنة)، وفي ذلك العصر الذي يسميه البعض بالعصر الذهبي، اواسط السبعينات، تفتقت طموحات هذا الشاب، فقرأ الشعر والقصة، وأستذوق الأدب والفن، فيما عائلته تفخر بأن لديها اكبرمكتبة كانت تغص بما لايقل عن (3600) كتاب. بعد 3 سنوات من القرأة المتواصلة، تراكمت عنده الثقافة والمعلومة، فكان نشطا، ومحاورا جسورا، وعنيدا في معتقده الذي آمن به (وما يزال لليوم)، فتربص به بعض رجال الأمن بغية ارهابه او ارهاب عائلته، فلفقوا له تهمة ، بينما كان يقود الدراجة الهوائية ذات الصندوق والمخصصة للعمل، فأخذوه لمركزهم، وبعد الأهانات والضرب والوعيد والواسطة،  اطلق سراحه في اليوم التالي، الا ان الرسالة وصلت!

بعدها تعرض لمحاولة خطف ثانية، فقررت العائلة ابعاده عن هذا المشهد، فسافر لليونان، اقام هناك وعمل، وعاد لنشاطه الثوري، اذ كانت اليونان قلعة في ذلك الزمان ايضا. كان معمل "السا" في العاصمة اثينا، يضم اكبر تجمع للعراقين الهاربين من جحيم النظام او الحالمين بغد افضل، وكان مختصا بصناعة علب الألمنيوم المستخدمة في تعبئة الأغذية، للأستخدام داخل اليونان وخارجه، وكان العراق من ضمن البلدان التي تستلم العلب وخاصة معمل التعليب في كربلاء، فصار بعض العمال يكتبون الشعارات المناهضة للبعث ويضعوها في تلك الصناديق، وهكذا حتى تقدمت الحكومة العراقية بالشكوى لصاحب المعمل على هذا العمل، فبادر الى فصل احد العمال الذين اتهموا  بكتابة الشعارات، قاد بعدها "مسعود" اضرابا عماليا مطالبا ادارة المعمل بأعادة العامل المفصول، فما كان من الأدارة الا ان  اخبرت الشرطة والسفارة العراقية التي اتت على عجل، وقامت بتسفير "مسعود" الى بغداد. تعرض بعدها للأعتقال والأهانات، الا ان  (وساطة) الأهل هي التي انقذت رقبته من حبل المشنقة. خدم بعدها في الجيش، بعدها آثر الخروج، ولكن هذه المرة كان خروجه اصعب بكثير، اذ مر عبر الجبال، والكمائن، وكل انواع الظروف المناخية، لكنه في النهاية وصل الى محطة اوصلته للولايات المتحدة التي يقيم فيها منذ العام 1990.

اقترن بالسيدة (ماجدة  سـامي زنكلو) والتي تنحدر من عائلة لها ارثها الوطني ونصيبها من السجون والمطاردات ايضا، وهي ذاتها نشطة في مجال حقوق الأنسان والحزب الديمقراطي الكردستاني، وأنجبت له أميرة و أمير (  نهرين (ماكسين) و ماريو)، مارس الأعمال الحرة، ويعمل الآن مشرفا في احد المحال التجارية.

في حياة "مسعود" محطات حفرت خطوطها، وأخذت مكانها عبر السنين، فهود يتذكر الدور الذي اسـند اليه كطفل في مسرحية "النخلة والجيران" وتجربته مع العمالقة الفنانين الكباروهو لمّا يزل طفلا، وفي اليونان عام 1978 حينما امضى 40 يوما في المعتقل،  في تركيا  والموقف النبيل للسيد "سـهاد بابان وزوجته"، في علاقاته مع اللاجئين العراقيين القادمين لليونان ومساعدتهم بكل الأمكانيات، اما في مدينة البرتقال الغالية، فمازالت تلك الأسماء ترن وترسل صداها بعيدا في المدى الأنساني الذي يلامس الروح التائهة بين حنين الوطن، والعصابة التي تقبض عليه، وتحضره بعض الأسماء التي مازالت شاخصة بوجوهها الباسمة الواعدة والجميلة، الشاعر خليل المعاضيدي،الكاتب والمناضل ابراهيم الخياط، عبد العظيم الكرادي، جمال محمد سـفر، هشام مطر وشقيقه الراحل عامر مطر، ناظم متي  ومصطفى كلاز في المانيا والعشرات الذين لا تحضرني اسمائهم، رغم ان وجوههم الباسمة مائلة امامي مثلما يمثل البرتقال في عبير بعقوبة الجميلة.  

رغم السنين العجاف والرحلات الصعبة طوال 40 سنة، الا انه مازال  راسخا بوطنيته وأنتمائه الفكري الأيديولوجي، وهو متابع جيد للشأن العراقي والعالمي وملما به، كما وأنه يحرص ان يحضر معظم الفعاليات والنشاطات الوطنية التي تجري في ديترويت، وما زال يحتفظ بأحلى العلاقات مع اناس ارتبط بمحبتهم في بعقوبة او أثينا او محطات السفر الأخرى. قرأته للمشهد ليست متفائلة جدا خاصة مع تصاعد المد الديني الذي لا يعني الا مزيدا من التراجع وهدر الوقت والناس، لكن حينما ينظر للمستقبل فلا يرى امامه ســوى حصيلة واحدة جمعها من تجارب شعوب كثيرة مرت بما مر به العراق والمنطقة العربية، يحقق اليسار انتصار، فتهجم الرجعية بمؤازرة من اسيادها الأمريكان، يخسر الوطن، وتدمر الدول، يندحر المشروع الرجعي، فتتراجع قوى الظلام، فتترك الساحة بعدما دمرت البلد، وعلى الشرفاء والوطنيين اعادة بناء هذه الأوطان المحطمة.

يوجز السيد مسـعود "فلسفة" امنياته عن الذكرى العطرة للمسيرة الطويلة المكللة بالنجاح والفشل، بالبطولة والشهادة، بالفداء للوطن والحرمان والغربة، بأستذكار مآثر كل الأبطال ومرورا بكل الشهيدات والشهداء، بأن يضع الحزب نصب اعينه تحقيق اعلى النصاب للمشاركة بالسلطة من اجل تحقيق اماني العراقيين، وعدم تركها للآخرين، فما لم يكن هذا الحزب المكافح في السلطة، سيكون صعبا تحقيق شعاراته التي استشهد من اجلها الكثيرين.

آذار 2014