
لا إصلاح ولا هم يحزنون/ عدنان حسين
عنوان هذا العمود أظنه كان المانشيت الأنسب تماماً لتخرج به الصحف العراقية جميعاً أول من أمس، الأحد، غداة الاجتماع الذي عقده قادة الكتل الحكومية/ البرلمانية والقوى السياسية الرئيسة في البلاد بمشاركة رؤساء السلطات الثلاث، البرلمان والجمهورية والحكومة.
منذ ثمانية أشهر انطلقت التظاهرات الشعبية العارمة في العاصمة بغداد وفي تسع محافظات أخرى. ومنذ ذلك الوقت رفع المتظاهرون عالياً جداً لافتاتهم وأصواتهم معلنين مطالبهم. لم تبق ساحة في مدن المحافظات العشر لم تعرف هذه المطالب، ولم تبق صحيفة أو محطة إذاعة أو قناة تلفزيونية محلية وأجنبية أو موقع الكتروني أو صفحة فيسبوك أو تويتر لم تردّد هذه المطالب، وملخصها الشديد: إصلاح العملية السياسية بما ينطوي عليه من إلغاء نظام المحاصصة الطائفية والإثنية وإصلاح النظام الانتخابي، ومكافحة الفساد الإداري والمالي بما يتضمنه من ملاحقة كل المتهمين بهذا الفساد واستعادة الأموال التي نهبوها، وإصلاح نظام الخدمات العامة، فلا أحد من المتظاهرين/ المعتصمين قد طلب أن يُصبح وزيراً أو وكيل وزارة أو مديراً عاماً أو سفيراً، ولا أحد منهم رغب في الحصول على مقاولة فاسدة، ولا أحد أراد أن تتحمل الدولة كلفة علاجه في الخارج أو حجته أو عمرته، كما يحصل مع أعضاء مجلس النواب وسائر مسؤولي دوائر الدولة الكبار مثلاً.
أكثر من هذا أنه منذ سبعة أشهر ونصف الشهر أطلقت الحكومة والبرلمان حِزَماً "إصلاحية" تضمنت مطالب المتظاهرين/ المعتصمين مع التعهد المرة تلوة المرة بتحقيقها، ولم يتحقق منها شيء.
بعد هذا كله يتبيّن لنا كما لو أن دولتنا بقضّها وقضيضها كانت تغطّ في نومة عميقة تشبه نومة أهل الكهف، لم تعرف ولم تعلم ولم تسمع بمطالب المتظاهرين الذين اعتصموا أخيراً عند أبواب هذه الدولة النائمة لتتفاعل مع أصحابها، فشكّلت في اجتماع السبت لجنة لتقصي مطالب المتظاهرين/ المعتصمين والتفاعل معهم. هذه أول علامة على أن الطبقة السياسية غير جادة في إجراء الإصلاح المطلوب أو أي إصلاح. معنى تشكيل هذه اللجنة ان الطبقة السياسية لم تهتم كل هذا الوقت بمعرفة مطالب الملايين المتظاهرة على مدى ثمانية أشهر، ولم تكترث لأمر التفاعل معهم.
العلامة الأخرى على عدم جدية الطبقة السياسية أنها اكتفت بتسريب أسماء أعضاء هذه اللجنة فيما تكتّمت على أسماء أعضاء اللجنتين الأُخريين اللتين شكلهما اجتماع السبت الرئاسي، وهما اللجنة الخاصة بمراجعة وضع المناصب المسنودة بالوكالة، واللجنة الخاصة بمعاونة رئيس الوزراء في ما خصّ التشكيلة الحكومية الجديدة.
نعم، لا إصلاح ولا هم يحزنون.. هذه هي النتيجة الحقيقية للاجتماع الرئاسي الأخير.
مع هذا لا أظن أن من الصحيح التعامل بسلبية مع لجنة تقصي المطالب. الطبقة السياسية لا تريد الإصلاح. هذا أمر مؤكد، وسيسعدها كثيراً ألا يتعامل المتظاهرون/ المعتصمون مع لجنة التقصي لاتخاذ ذلك حجة وذريعة، خاصة وان اللجنة مؤلفة من ممثلي قوى سياسية منخرطة في الحركة الاحتجاجية أو مؤيدة لها. الصحيح، في ظني، يكون باستقبال اللجنة وتقديم المطالب بالتفاصيل المملة لها في مؤتمر صحافي مشترك، يعرب فيه ممثلو المتظاهرين/ المعتصمين عن شكوكهم العميقة في أن تحقق الطبقة السياسية هذه المطالب المعلنة والمعلومة للداني والقاصي منذ ثمانية أشهر، وإبلاغها أيضاً بمواصلة التظاهرات/ الاعتصامات حتى تحقيق المطالب كاملة وفق برنامج واضح وجدول زمني محدد.