رحيل الشيوعي الباسل .. حمودي عبد محسن / أبو كاظم

عرفته قبل أن ألتقيه، عرفت بسالته من تلك القصص التي كنت أسمعها من ابنته الكريمة ناهية، إذ كنت غالبا ما أزور صديقي منعم العطار الذي توفاه الأجل مبكرا بسبب مرض ألم به تاركا خلفه ذلك النبل العريق والسيرة الحسنة والتفاني والجهادية العالية من أجل قضايا آمن بها، وهو زوج السيدة ناهية، ذلك كان أثناء دراستنا في كيف، أجل، تلك القصص كانت ترويها السيدة ناهية عن طفولتها التي بها رافقت والدها، تلك القصص كانت تروى لنا متى سنحت الفرصة لأنها طويلة وذات خاصية معينة نابعة من تاريخ العراق الحديث الذي صنعه رجال أشداء قاوموا أشرس حكومات رجعية في البطش وملاحقة المناضلين، تلك القصص كانت تتحدث عن الباسل الشيوعي والأب الوديع الهادئ المحب للناس المنحدر من عائلة متدينة، المتمسك بتلك التقاليد الثورية التي ورثته أجيال من المناضلين، وهو بها يتطلع إلى عالم جميل مزدهر خال من الاستغلال والتبعية والقهر، لذلك قاوم سلطة الاستبداد وغطرستها وجبروتها القمع والاضطهاد، هذا الأب الشيوعي الذي رويت عنه قصص المجد والفخر والعزة سواء كانت تلك القصص عن البيوت السرية أو السجون والمعتقلات أو ساعات الاعداد للمظاهرات والانتفاضات الجماهيرية ليس إلا يكون صانع ملحمة، والقصص إلا أن تكون ملحمة نضالية بحد ذاتها، ملحمة تاريخ طويل من أجل الآخرين في ظل معاناة شديدة وشغف العيش والتخلص من مطاردة قوى الشر البوليسية المتلبسة بأزياء مختلفة، هذا الشيوعي الباسل هو أبو سرباز ـ أحمد باني خيلاني ـ الذي توفاه الأجل يوم 29 من هذا الشهر.

ثم التقيته في كردستان، وهو أحد قادة حركة الأنصار، فكان الحرص يتقطر من تلك الكلمات النبيلة التي كان يتفوه بها التي تتحول إلى ممارسة يومية نزيه خارجة من صدر دافئ وقلب نظيف وروح صافية، نعم ذلك كان حرصا متواصلا في أيام الشدة وغيرها لتدوم حركة الانصار التي جسدت عظمة آلاف المناضلين بمختلف انتماءاتهم العرقية وانحداراتهم الدينية لتشكل جسد العراق لهذا الاختلاف في حركة غرست جذورها في الأرض التي أحبوها وتعانقت أكف الدماء لشهيد عربي وكردي ويزيدي وكلداني ـ  آشوري وصابئي مندائي وأرمني وتركماني، هذا الجسد الموحد لم يشهده الوطن العراق بمثل هذا العمق والتفاني والاستعداد على التضحية في سمو كبير، لتجابه حركة الأنصار أشرس دكتاتورية شهدها التاريخ، فكان أبو سرباز سريع البديهية بحكم تجربته النضالية الطويلة، وبحكم الاخلاص لعمله كأحد قادة الحركة، وأيضا بحكم تفاؤله بغد مشرق، لذلك كان قريب من رفاقه دائما يتحسس مشاعرهم ويشاركهم الآراء كي يشد من عزمهم النضالي ومواصلة المسيرة الصعبة المحفوفة بالمخاطر.

فيا سيدة ناهية تقبلي مني مواساتي لفراق أب حنون، وهوحزننا جميعا، وما زلت أتذكر بعض من قصص المجد التي كنت ترويها لنا، وقد مضت عليها أربعين عاما.

لقد رحلت عنا يا أبو سرباز وقد دونت ملحمة خالدة باسمه

فالمجد لذكراك يا رفيقنا، والخلود لروحك الطاهرة

30 / 3 / 2013