
كذاب انت سوداني! / كريم حيدر
في صبيحة يوم الاثنين ال 13 من يناير من عام 1986 , وبينما كنت اقف كعادتي في شرفة المنزل الذي كنت اعيش فيه في حي التواهي في عدن . هذا المنزل الذي كان في السابق فندقا لمواطن هندي اسمه بيكاجي قهوجي, حيث تم تأميم الفندق بعد نجاح الثورة في جنوب اليمن عام 1967 وفر صاحبه قهوجي الى مسقط رأسه في الهند . كنت واقفا اتناول كعادتي كوبا من الشاي بعد الفطور مستعدا بذلك للذهاب الى مدرستي ( ثانوية سبأ في عدن الصغرى او البريقة كما يسميها اهلها ) . كانت الساعة تشير الى ال 10.15 نهارا انظر فيها وانا ممسك بسجارتي الى ميناء عدن الصاخب وحركة البواخر فيها ومستنشقا هواء البحر في ذلك الصباح الربيعي وفق المقاييس اليمنية . فجأة دوى صوت انفجار هائل في سماء التواهي معلنا بذلك بدء حرب اقتتال داخلي بين اخوة الفكر والسلاح في الحزب الاشتراكي اليمني التي ذهب ضحيتها الالاف من الكوادر السياسية والعسكرية والعلمية ورجالات دولة وجنود وقبليين وغيرهم ( يقال ان عدد القتلى كان بحدود ال 12000 قتيل).
اساس الخلاف بدأ عندما تزعم علي ناصر محمد انقلابا ( لربما على نفسه ) حيث كان حينها يحصر بيده ثلاث سلطات رئيسية, الامين العام اللجنة المركزية للحزب الاشتراكي اليمني ورئيس مجلس الوزراء ورئيس هيئة رئاسة مجلس الشعب الأعلى أي أنه كان يجمع كل السلطات التنفيذية والتشريعية والحزبية بيده .في المؤتمر الثالث للحزب الذي عقد في اكتوبر من عام 1985 تم الاتفاق على أن يختار علي ناصر محمد منصبا واحدا . بعد مماطلة لعدة اشهر عقد في يوم الخميس ال 9 من يناير المكتب السياسي للجنة المركزية للحزب الاشتراكي اليمني اجتماعا دام عدة ساعات دون ان يتوصل الى حسم موضوعة توزيع المناصب الحزبية والحكومية واتفق اعضاء المكتب السياسي على ان يتم استأناف الاجتماع في الساعة العاشرة من يوم الاثنين ال 13 منه للاستمرار في مناقشة القضايا العالقة.
كان صدى الخلاف بين رفاق الدرب قد وصل الى السوفيت والى والاحزاب الشيوعية العربية , لذلك طار على وجه السرعة الشهيد جورج حاوي الامين العام للحزب الشيوعي اللبناني والمرحوم جورج حبش الامين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين الى عدن لتقريب وجهات النظر بين الرفاق. يقال ان علي احمد ناصر عنتر نائب الرئيس اخبر جورج حاوي بنيته تصفية علي ناصر محمد بمسدسه الشخصي اذا لم تحل المشاكل في اجتماع 13 يناير الامر الذي دفع بجورج حاوي لتبليغ علي ناصر محمد بالامر لاتخاذ الاحتياطات اللازمة.
لم يحضر علي ناصر محمد هذا الاجتماع واكتفى بارسال سيارته التي يعرفها الجميع وبعض من حراسه المعروفين للايهام بانه موجود في المبنى ومن ان كل شئ على ما يرام بينما هو كان في حقيقة الامر متواجدا في محافظة ابين مسقط رأسه يتابع ويشرف على الانقلاب .
اذاعة عدن من جهتها وفي نشرة الساعة الثالثة عصرا اذاعت نبأ محاولة انقلابية مزعومة على الشرعية الحزبية ومن ان الانقلاب تم احباطه وتم تشكيل محكمة فورية اصدرت قرارا باعدام عدد من الخونة بينهم على احمد ناصرعنتر نائب الرئيس وعبد الفتاح اسماعيل وصالح مصلح قاسم وزير الدفاع وعلي شائع هادي وزير الداخلية بينما ما حصل هو كالاتي في حقيقة الامر وهو انه بعد اكتمال وصول اعضاء المكتب السياسي الى قاعة الاجتماع التي كانت تقع على مرتفع يبعد مئات الامتار عن بيتنا , وصل الجميع عدا علي ناصر وشلته لانهم كانوا على علم بالانقلاب . بعدها دخل احد حراس علي ناصر واسمه " حسان " من اهالي مدينة ردفان الى قاعة الاجتماع ومعه حقيبة علي ناصر ووضعها على الارض بجانب كرسي الاخ الرئيس ( هكذا كانوا يسمونه) , كما دخل حارس اخر اسمه " مبارك سالم " ووضع دبة الشاهي ( شاي بالحليب) على الطاولة واثناء خروج الحارس حسان من القاعة بادر باطلاق النار على علي عنتر وصالح مصلح وعلي شائع وارداهم قتلى في الحال بينما اختبأ الاخرين تحت الطاولات وتبادلوا النيران مع الحراس المهاجمين لان اعضاء المكتب السياسي كانوا حينها مسلحين بالمسدسات وعمت حالة من الهرج والمرج في القاعة ونجا باعجوبة من الموت كل من عبد الفتاح اسماعيل وعلي سالم البيض وسالم صالح محمد وحيدر ابو بكر العطاس. اعضاء المكتب السياسي الناجين استطاعوا تامين الاتصال الهاتفي بالخارج وببعض القطعات العسكرية والحزبية لتقديم المساعدة للمحاصرين واجلائهم وفعلا تم في السابعة من مساء 13 يناير ارسال مدرعتين لانقاذ علي سالم البيض وعبد الفتاح اسماعيل الذين فضلا التحرك منفصلين لكي لايتم استهدافهم سوية. نجا علي سالم البيض الذي اصبح سكرتير الحزب لاحقا وفقد عبد الفتاح اسماعيل حيث لازال اختفاءه وعدم العثور على جثته لغزا عصيا على الفهم. احدى الروايات تقول ان مدرعته اصيبت اصابة مباشرة وان جثته احترقت بالكامل ( المادة لاتفنى ولا تستحدث : قانون فيزيائي) بينما تقول الرواية الاخرى ان السوفيت اختطفوه واخذوه الى موسكو والله اعلم.
استمر اقتتال الاخوة لمدة اسبوع راح ضحيتها كما اسلفنا 12000 الفا من خيرة الكوادر الحزبية والعلمية الاكاديمية والعسكرية وغيرهم , كما ان القتل كان على الهوية حيث ان جماعة ابين وشبوة ( جماعة علي ناصر) كانت تقتل ( حضرموت ولحج ويافع وضالع وردفان ( جماعة علي عنتر وعبد الفتاح والبيض) والعكس هوه صحيح. الماء قطع منذ اليوم الاول وحول حياة الناس الى جحيم بينما الكهرباء استمرت بالعمل طوال مدة الاحتراب والمحال التجارية والاسواق اغلقت ابوابها منذ اليوم الاول.
لسوء حظنا كان يقع منزلنا ضمن المربع الامني الذي كان يحوي ابرز الوزارات والمرافق الحيوية المهمة من مثل مقر المكتب السياسي, بيوت الشخصيات المهمة, قيادة القوة البحرية, لجنة امن الدولة, وزارة الثقافة والاعلام, مبنى الاذاعة والتلفزيون, ميناء عدن ومقر اتحاد الشبيبة الديمقراطي اليمني اشيد. في حي التواهي ابتدأت الاحداث وفي حي التواهي انتهت بعد 7 ايام بعد ان تدخل لواء الدبابات والمدرعات لصالح جماعة عبد الفتاح وحسمت المعركة , حيث طوقت الميليشيات في اليوم السابع حي التواهي وطالبت عبر مكبرات الصوت المنصوبة في الجوامع وكذلك السماعات الراجلة المتمردين بالاستسلام والتوجه الى ساحة الباصات لتسليم اسلحتهم مقابل ضمان حياتهم ( ولربما هم لحد الان احياء ) وهكذا تنفسنا الصعداء وخرجنا للشوارع مبتهجين لان الحرب انتهت ونحن لازلنا احياء.
اول شئ فكرنا به بعد ان وضع الاقتتال الداخي اوزاره هو الذهاب الى حي خورمكسر وتقرأ ( خور مك سر) وحي المنصورة لتفقد احوال رفاقنا واصدقائنا الذين كانوا يسكنون هناك وهم كثر ( ابهذاك الوكت مجان اكو لا تويتر ولا فيسبوك).
كنا مجموعة لاتقل عن 6 رفاق توجهنا مشيا على الاقدام من حي التواهي مرورا بالقلوعة والمعلا والاستمرار بمحاذاة البحر الى ان وصلنا الى الدوار الذي يقع فيه فندق عدن – ميريديان. في الطريق شاهدنا عشرات الجثث منها المتعفنة ومنها المتفحمة داخل العربات العسكرية والمدنية التي اصيبت بقذائف مباشرة مرمية على قارعة الطريق . كما شاهدنا عسكريين وميليشيات كانوا يبحثون عن مطلوبين لاعتقالهم. بعد ان وصلنا الى مقربة من فندق عدن الذي هو الاخر كان قد اصيب بعدة قذائف مباشرة واصلنا مسيرنا باتجاه ساحة الاحتفالات في خورمكسر وكنا نسمع اصوات طلقات نارية تاتي من داخل خورمكسر ومن جهة المستشفى الجمهوري ولم تمر سوى دقائق قليلة حتى اصبحنا محاصرين من قبل مجموعة بحدود 7-8 من الميليشيات يتوسطهم شخص باللباس العسكري من غير رتبة عسكرية على اكتافه ووجهوا الى صدورنا بنادقهم مطالبيننا برفع الايدي وعدم الحركة وهذا فعلا ما قمنا به.
ابو يمن : من انتم ومن فين واگين ( جايين)
ابو عراق: يا اخي نحنه عرقيين وواگين من التواهي
ابو يمن: لفين رايحين
ابو عراق: نحنه رايحين لخورمكسر
ابو يمن: معاكم شي بطاگة ( هوية)
ابو عراق: ايوا معنا
ابو يمن : كي وروني البطاگات حگكم
ابو عراق: الكل وراه بطاقات مختلفة من مثل هوية عمل هوية نقابة, هوية معلمين ماعدا ابو حسين الذي اعطاه جواز سفره العراقي
ابو يمن: ايش هذا
ابو حسين: هذا گواز سفر عراقي
ابو يمن : بعد ان امعن النظر بالجواز العراقي وقلب صفحاته وصرخ باعلى صوته
كذاب , انت سوداني
ابو حسين: مين انا سوداني؟
ابو يمن: نعم انت سوداني ليش باتكذب علي واتقول انك عراقي
ابو حسين: يا اخي انت عمرك شفت سوداني ابيض؟
ابو يمن: ايش دراني هنا مكتوب سوداني وهو يؤشر في الجواز
ابو حسين: يا اخي ممكن توريني فين مكتوب سوداني .. وعندها اكتشف ابو حسين عبقرية الجندي الذي كان ينظر الى الصفحة التي مكتوب فيها " لون العين سوداوان"
وبعد ان اوضحت للاخ ابو يمن خطأه قال لي امشي من هنا من غير فلسفة
وهكذا وبعد ان نجوت من حصار قاتل دام 7 في التواهي كدت ان اقع لاحقا ضحية جهل وامية عسكري بالكاد يقرأ ويكتب.
نصيحة لكم لاتحملوا في الحروب جوازات سفركم معكم , خاصة اذا كانت عيونكم سود
استوكهولم اليمن
27\3\2016