
! / عبدالمنعم الاعسم
* آخر الدعوات المثيرة للعجب تقول ان علينا انْ نفتح صفحة جديدة مع مطلوبين للعدالة بجناية الفساد "غير المقصود" وان لانحاسب اولئك الذين نهبوا الاموال العامة ووزعوها على الفقراء، او سطوا على الاملاك غير المحسومة ملكيتها وأسكنوا فيها محرومين، أو كسبوا الملايين من التهريب واعمال النصب وصرفوها في الاحسان وولائم التقرب "الى الله" وتدخل هذه الدعوات في منطوقات الرافة وطي صفحات الماضي، بل انها تتحدث عن نهابين وحرامية صرفوا كل ما جمعوا ثروات السحت الحرام على عائلات متعففة ومحتاجة.
في اللاواقع المتخيّل قد نحصل على "اللصوص الطيبين" مثل الشخصية الخيالية من القرون الوسطى "روبن هود" الذي كان يعيش في غابة شيروود بانكلترا، ويغير منها على ضيعات الاثرياء لينهب منها الاموال لمساعدة المعوزين والجياع، وصارت موضوعا رومانسيا في دواوين الشعر وفي صالات السينما والمسرح وقاعات الاوبرا، أو اللص الظريف ارسين لوبين الذي اخترعه الكاتب الفرنسي موريس لبلان وصار مثار اعجاب المراهقين بالنظر لشجاعته وروح الفروسية والشفقة والوفاء التي تحلى بها على الرغم من شغفه بالسرقة وفنونها، الامر الذي لا وجود له إلا في الخيال والفرضيات، وفي الدعوات المغشوشة للنظر بعين العطف الى الحرامية.
حقا، ثمة حرامية، يقول علماء النفس، يرتكبون اعمال السرقة استمتاعا بها، او استجابة لانحراف في السايكولوجيا دون الاهتمام بعائدها (راسكولينوف بطل رواية دستويفسكي- الجريمة والعقاب) ويسمون هذا الانزلاق "داء السرقة" ويقال ان البعض من اولئك اللصوص يلقون ما يسرقون، مهما كان ثمينا، في اول منعطف على قارعة الطريق، ويدخل في اطار هذه المجموعة "الشريحة" من اللصوص اولئك الذين يسطون على جهود غيرهم، اعمالا ومؤلفات، ويضعون اسماءهم عليها، وحتى هذه، سـُجلت بالنسبة للقوانين الدولية في خانة الجرائم تحت الملاحقة والقصاص.
الغريب ان اصحاب الرأفة باللصوص الذين لطشوا الملايين من اموال الشعب وثروته ووزعوا منها فتات لاغراض الدعاية والوجاهة والزعامة يريدون منا ان نصدق بان الحرامية المعنيين تابوا "توبة نصوح" ولن يعودوا الى السرقة، لكن الاغرب يتمثل في الدعوة المبطنة الى مكافأة هؤلاء بشيء من المديح.. وهو اضعف الايمان.
*******
"مجرد كون كل شيء مختلف لا يعني أن شيئاً قد تغيّر".
ايرين بيتر
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*مقالي يوم غد في جريدة (الاتحاد)