
مملكة الكرستال/ علي جاسم شبيب (ابو بدر)
مملكة الكرستال مسرحية من اعداد حيدر ابو جيدر واخراج الفنان سلام الصكر ... قام بالتمثيل . الفنانة نضال عبد الكريم والفنان الممثل حيدر ابو حيدر .
العرض الثالث على قاعة النشاط المدرسي في مدينة الناصرية في محافظة ذي قار
سلام .... عندما يهبط طير المسرح على ارض الوطن الخصيبة
سلام عندما ترتفع الاجنحة، حاملة السرور وبقايا الحزن وقبضة من احلام ، في فضاء تحوطه سورات غبار و سديم....
مسرحية مملكة الكرستال ... وردة تفتحت في اوان كظيم وكان عطرها طرياً مثل شذى منسي ، هب وفاح دون توقع او ترقب .
المادة والاعداد
المسرحية .. من نصوص ورؤى عديدة ، اشتبكت خيوطها وهي نص قديم للشاعر الجميل موفق محمد ، كتبه قيل سقوط الدكتاتورية وهي ايظاً شذرات قصائد ووقائع حارة جرت على ارض بغداد...
اعد النص للمسرح الفنان حيدر ابو حيدر واخرجه سلام الصكر المعروف بتجربته وتنوع اعماله الاخراجية، وكان التشحيص وتجسيد الاحداث للمثلة المتمكنة نضال عبد الكريم والممثل الواعد الصبور والمثقف حيدر ابو حيدر ....
النص المسرحي تكامل عبر اعداد المادة الدرامية وعبر الحوار الذي اضاء مساحات الاحداث المتفرقة ، وحركة مسرحية صعبة ، ضمن شروط عمل غير مهيئة ... نص يعتمد الفكرة وجدل الاسئلة....
لقد شاهدت عرض المسرحية ثلاث مرات ... مرتان في بغداد في فندق السدير حيث امكانيات وشروط العرض متلاشية، والتجهيز والاعداد والتحضير ذابل... فلا مسرح ولا فضاء يمكن التجسيد عبره . والقائمون على هذا التحضير والاعداد لا يحسنون سوى ترتيب كراسي لفرقة غناء ، لكن اصرار كادر العمل تفوق على الهاجس وسوء الظن وعلى ريفية المهتمين ... فأذا كان المسرح هو الصوت المباشر للقاء الناس ، فأن اخرين لا يرون فيه سوى المتعة العابرة والزعيق الممل والرتيب .
لقد سوًيت الارض قبل حرثها بالفعل الدرامي وكان العرض الاول مثل رجفة طائر وحيد ومحاصر ، وقد دوى صوت حيدر ابو حيدر اذاناً متصلاً لجذب انتباه الجمهور لحركة تجسيد النص وخواراته والعرض الثاني كان في قاعة للاعراس فالاول كان في قاعة للطعام ايظاً...
اما العرض الثاني فكان صارماً مع المكان، وقد اخضعه المخرج المتمرس ذو التاريخ المسرحي الطويل لمتطلبات حركة التشخيص ، وامتاز الفنان حيدر ابو حيدر ، فأمسك بيده لحظات الملامسة مع الجمهور ، وتميزت الفنانة نصال عبد الكريم بالحركة البطيئة المعبرة والصمت المتدبر الناطق ونجح العرض بنسبة الثلثين.... و بعد هذا التعب المستمر والعرق المراق مثل دم المحارب، توجهت فرقة الانصار الشيوعيين، فرقة بابل المسرحية الى مدينة الناصرية بدعوة سريعة مثل خطفة نجم هاد، دعوة من اهلها وفنانيها وكتابها وكان العرض الثالث على حشبة مسرح قديم ، مسرح مدرسي ( كان في كل مدرسة مسرحاً، تحول فيما بعد الى مخزن ترمى فية عاديات الزمان وادوات قديمة) .
لم نستوعب ما حصل في مدينة الفنانين والمبدعين ، فقد وصلنا المدينة ظهيرة يوم قائض ورياح تحمل شرور الماضي من شحة في الماء وانقطاع كهرباء الدولة، وشئ اخرلم نعلم به حيث استبدل وقت العرض من الساعة السادسة الى الخامسة في ظهيرة لا يخرج فيها البشر حيث توافق العرض مع عرض سينمائي في زقورة اور، عاصمة العراق الازلية القديمة ... لكن السواعد السمر والعيون المضيئة بالاصرار ، اكملت اعداد المكان وهيئته للعرض، فأندهشنا لصبرهم واصرارهم ، قام بعدها المخرج والطاقم الفني مع شباب رائعين بأكمال اللمسات الاخيرة في الساعة الثانية والنثف بعد الطهر ...
وقبل دقات الجونج المهيبة، قدم الفنان كريم عبد جابر ، تعريفاً بالفرقة والمسرحية وشيئاً عن تكوين ونضال الانصارالسيوعيين العراقيين في مقارعة الدكتاتورية ...
انير المصباح الاول عن حاوية للنفايات يخرج من بطنها الممثل الاول ، تحوط رقبته رباط كاميرا تتدلى ... هو مبهور يتلفت وينصت ، كل شئ هادئ ، لا عواء كلاب ولا حركة جرذان، فالحاوية مملكة مطيعة ، مفتوحة الابواب ، انها كريستال (منضب) .. وانداح الصوت الرخيم لحيدر ابو حيدر ، حيث توسع وغلط بعد تعب متوال من عرض وتجريب ، فكانت الاسئلة والمنلوجات المسموعة والهمس والخوف والتلفت ... حوارات تفتح حصيرة الزمن المطوي عن احداث ومصائر معاصرة ، فقد نقل المعد احداثاً وادخل في شريانها دماءً جديدة ، حارة وطرية ، معاصرة ، تحاذي ايامنا التي نعيشها الان. واستطاع ان ينقل عبدئيل المصور من مكانه الاول الى ارض مستوية اشبه ببراري مفتوحة تصب عليها ومنها رياح الاحداث...
... وفي منطقة منسية، هي مكان لتجمع الجثث في (حاويات) الطب العدلي، تنهض الممثلة المندعة نضال عبد الكريم من سباتها الابدي ، مفجزعة ، ذات صوت هادئ، فاتر أحياناً، له سمات من خدر السبات ودهشة المباغتة التي اودعتها حوضاً من احواض الطب العدلي . شخصان منتميان الى مملكة واحدة، فيها تجددت الحياة ونما الخصب وارتفعت سيقان اشجار التحفز امام الموت المجاني والعسف الغادر الذي ظل يدور على هذا التراب كل حين ، دورات مثل سورات الغبار الزائل .... هذه المملكة أسماها المعد مملكة الكرستال ، نكاية بالممالك الفاخرة التي ترفع الرابات.
في حديث مع بعض النقاد ، كنت اوضح بأن مسرحية الافكار معقدة وتجسيدها صعب ضمن ظرف العرض الذي مارسته الفرقة ، فلا مؤثرات صوتية مساعدة ، حيث كان المسجل الوحيد شبه عاطل ، ولا تأثيرات الانارة ، لانها انارة قديمة ذات مصابيح ثابتة لا تعني سوى تركيز الضوء في دائرة واحدة ثابتة .... لكن المخرج استعاض عن هذا الضعف بحركة الشخصين ... التوتر العالي في حركة حيدر ابو حيدر ورقصه الحزين مثل طائر وحيد محاصر والحركة الدؤب المندهشة من فعل لا يمكن تفسيره للمثلة نضال ..ز حركتان في زاويتين يلتقيان عند الوسط او على حافة الخشبة مع مؤثرات لصوت الكلاب وموسيقا هادئة احياناً او خفية لجرذ مراوغ ... فيصعد الفعل الدرامي وينتصب مثل خيمة معلومة الشكل..ز
... ويرى بعض النقاد بأن السرد كان طاغياً وفجوات واضحة ظهرت في العرض الاول حيث تغلب السرد والحوار على الحركة وأشار البعض بأهمية تكثيف الحوارات واظهار عرض الضورة من خلال الحركة او استعراض جسدي ملائم ومفهوم ، ذاك لان المتلقيالعادي لم يستطع فك اشتباك خيوط الحدث والنص لكثرة تقاطع خيوطه وارتباطها.
لقد كانت مسرحية مملكة الكرستال حدثاً مهماً حرك السطح الساكن في مدينة الفن والابداع وكان الجمهور راضياً ومرتاحاً ... زكانت فرقة رابطة الانصار الشيوعيين العراقيين مثار حديث زفسحة راحة ومتعة ودعوة صريحو من اجل عالم وعراق جميل خال من العنف والفقر والجريمة.