ما  الحكمة  ؟ / بديع الآلوسي    

في قديم الزمان ، وفي عام 64 ميلادي تحديدا ً ، شب ذلك الحريق ، حريق دمر ثلثي روما واستمرت النيران لمدة خمسة ايام ، حيث دمرت ثلاثة

أحياء تماما ً ، ونجى ذلك المعبد المعزول .

في هذا المعبد ثمة شاب نحيل ، ترك الناس لأنه له موعد مع نفسه وصديقه ، قرر غلق الأبواب والشبابيك كي لا يدخل الدخان ، حينها قل وهج

الشمس ، روحانية وهدوء المكان حفزتاه أن يتأمل شعاع الضوء المتسلل من الكوة الصغيرة جدا ً ، حينها تساءل : هل سيأتي ؟ ، اقترب من المذبح

ورسم ثلاث قلوب ، واحد له ، والثاني لأمه وأبيه ، والثالث لروما التي احترقت وتحترق كل يوم .

ذلك الشاب هو هيروس المحب للحكمة والحياة ، بعينين شاردتين كان ينظر الى الأيقونه المصنوعة من خشب البلوط ، ما ينتابه من اضطراب جعله

يتحرك كشخص إرتكب جرما ً ، نعم فقد كان يطلق آهات ضجرة ، حينها إزداد في رأسه الألم وسقطت دمعتان على خديه .

ظل ذلك الشاب أبن الرابعة والعشرين يحدق في ضوء الشمس المنبعث من الكوة ، ببهاء النور الذهبي خفف وطأة الضيق التي يكابدها .

حين تطلع من النافذة رأى الخراب وتذكر ما ينتظره . نعم ، عليه أن يتخذ جملة من القرارات ، خاصة ً بعد أن نكل بأعز أصدقائه تباعا ً .

هيروس الذي أحب نفسه لأنه أحب روما ، اليوم هو أكثر خيبة لأن مدينته إبتليت بإمبراطور متجبر وطائش .

منذ الصباح وهو لم يعد قادرا ً أن يجتاز ذلك الإمتحان بيسر ، حيث أن ما سيقرره مريع ومصيري أكثر مٍمّا يتصور قسطنطين ، وكاد ذلك الاختيار

الحاسم أن يقهره .

قال أخيرا ً : ما الحكمة في كل ذلك يا ( نيرون ) ؟ .

في هذه الفوضى وتعكر المزاج ، كان ينتظرأمرا ً ينتشله مما هو فيه ، ويهديه لأي حل آخر غير مغادرة مدينته ، التي طعنتها الحروب كقدر يبعث

على الاشمئزار .

فكر بأبيه الذي قال له : كن رجلا ً ، ولا مجد لنحلة في خلية قد احترقت وأنهارت ، فكر بأمه التي تنتظره بفارغ الصبر كي تقول له : سآتي

معك . فكر بالحروب التي تقتل الحلم وتضعف الإيمان .

وبما أن مشكلة هيروس خطرة بمنعطفاتها ، لذلك قرر وبرغم ما يعانيه قلبه من إحباط أن يتمسك بخيط الأمل وبحلم جميل هو أثنيا .

في هذا المعبد كان يحاول ان يرهف السمع الى صوت آلهة الحكمة ( منيرفا ) ، التي تمكث في قلبه مثل لؤلؤة في محارة . إتكأ على الكرسي

الحجري طالبا ً العون . سؤال واحد ساوره ويتردد في ذهنه : كيف أتخلى عن من أحب وهم بحاجة إلي ؟

إنتبه الى تلك القطة التي تسللت من الكوة ، أمسك بها بأصابعه النحيلة وسألها : هل من الحكمة الذهاب الى أثينا ؟

كان على قناعة أن ترك الآخرين يقررون نيابة عنه ، أشبه بمن يصغي لوحي لا يهب سوى خيارات كاذبة ، لذلك أتى الى هذا المعبد كي يّكون قراره حرا ً ، في الوقت نفسه تمنى تجاوز أزمته بأقل الخسائر مِن دون أن يعرض روحه للشقاء أو التهلكة .

 

قال بصوت رزين ويائس :

ـ لا جدوى من البقاء ، صديقنا (غاريوس) قد اعتقل هو الآخر.

رغم كل ما يجري ، راود هيروس هاجس عابر هو أن صديقه لا يفهم في ألم الفراق لأنه لم يجربه ، ويتوقع أن رؤية البلدان الغريبة ستداوي كل

الآلام ، لذلك قال له :

ـ أنا خائف من هذه المغامرة .

ـ عندما يخاف الإنسان يتراجع عن مبادئه .

كان هيروس بأمس الحاجة إلى تلك العبارة التي ظلت ترن في ذهنه حتى وصل البحر .

وبدأت الرحلة ، أغلق باب المعبد جيدا ً ، نظر لآخر مرة إلى بساطة معبده الصغير الجميل ، الذي أسهَم ببنائه هو وجده ووالده لأنهم أحبوا التعاليم .

بعد أربعين دقيقة ، مرا بتلك الجادة الترابية التي عصف الحريق بأسواقها ، وأستغرب من أهالي روما ، الذين كانوا يثرثرون وكأنهم غير معنيين

برائحة الدم والحرب التي خنقت الحريات وأفسدت كل شيء .

قال له قسطنطين :

ـ إذا ما وصلت أثينا ، ورأيت القمر .. تذكرني .

أرتبك هيروس ، وبوجل قال :

ـ تأكد إني لن أنساكم .... صمت قليلا ً ثم قال مبتسما ً:

ـ أثينا إلى الآن مجرد حلم .

وقبل أن يجتازا السوق وجدا جمهرة من الناس يتناقشون في ما بعد الموت ، وبعضهم يناجي كبير الآلهة( جوبيتر ) بتخفيف العقاب .

قال لقسطنطين وهو يضحك : لماذا لا يسألون إله الحرب (مارس ) ؟ لماذا والى متى تحترق روما ؟

عند أطراف المدينة أعطاه قسطنطين ذلك الخُرج المنسوج بأنامل حبيبته ، تعانقا ، وشرع هيروس برحلته ، متنقلا ً بين القرى والوديان التي لم

يألفها من قبل ، والتي ظلت عالقة في ذاكرته .

كانت التعاسة تنتابه أحيانا ً، وفي بعض المرات يبكي على روما ، لكنه طوال رحلته وحيثما يرى طائر الحسون يقف ويقول له : أذهب وبلغ أمي

إنني بخير.

 

بعد أسبوع ، دخل قرية تحف بها أشجار السرو والبتولا ، ما إن خرج منها حتى أحس بالتعب من تلك الدروب ، التي حقا ً تدرب الحواس وتيقظ

الوحشة أيضا ً .

جلس عند ذلك النهير وسأل عصا الصنوبر : نحو أي جهة أتجه الآن ؟.

ما أن رأى العصا تتحرك متجهة ً نحو البحر ، حتى راوده إحساس أن روح أبيه تسكن تلك العصا ، وصار يحدث أباه عن الكهف الذي أوى إليه ،

وصار قلبه يخفق بينما هو يتحدث عن الحقول وسخائها ،وكيف أنه كان يشكر آلهة الزراعة (ستون ) يوميا ً، ولم ينس أن يذكر له أن الضجر يتسلل

إليه ويعض قلبه ليلا ً .

يا له من زمن عجيب حقا ً ، أتاه صوت بليغ ، صوت أبيه الذي لا ينسى ، ليتحدثا معا ً نصف ساعة ، الصوت بارك خطوته ، وأخبره أن طائر

الحسون أدى واجبه ، وكان وفيا ً و مخلصا ً للعلامات .

 

وفجأة ً انتبه ، ليراها تقف بجواره ، بثوبها الأبيض الطويل المطرز بالفراشات . حينها فرح برؤيتها ، كأن آ لهة الحب ( أفروديت ) بعثت بها . نعم

، تلك الفتاة أتت في موعدها ، محملة ً برائحة البخور التي تفوح منها . حيث أنها قد سمعت وتعجبت وابتسمت وبكت ، لكنها لم تتردد وفاضت

روحها بسؤال صغير:

ـ هل أنت مجنون ؟

ـ لا

كان يصغي لها متلذذا ً بنغمات صوتها ، حدثته عن أبيها الذي قتل في الحرب ، عن عمها الذي غاب في ظروف غامضة ، وعن محصول القمح

والذرة وكيف عبثت به الجرذان ، وحين انتهت من كل ذلك ، نظرت اليه بعينين فرحتين وقالت :

ـ حسنا ً الآن، هل تحب أن اجلب لك قليلا ً من التين ؟

أجابها مبتسما ً:

ـ شكراً لك ، سأجده في طريقي.

تنهد هيروس بعمق وهو يصغي للفتاة المسترسلة في حكاياتها ، وظلت صورتها تطارده كملاك يضحك بزهو . منذ النظرة الأولى ، غمرته بفرحها

وعوضته عما أنتابه من تعاسات خلال السنة المنصرمة .

وطيلة الرحلة ، لم يجد تفسيرا ً لذلك اللقاء الذي لم ينس , بنهاره الصافي وشمسه الذهبية ، ووجه( إرثيا ) العامر بالأنوثة .

بادلته نظرة غامضة وهمست :

ـ أنا سعيدة بمعرفتك ، لكن إلى أين تريد أن تذهب ؟

حينها أحس أن اللقاء بإرثيا أشبه بالحلم ، لذا ود َأن يكون إيجابيا ً ويحافظ على طراوة اللقاء ، فأجاب :

ـ أريد أن أذهب لرؤية البحر.

ـ البحر ؟ !

ـ نعم ،.... صمت ثم أردف

ـ يقولون إن البحر كبير مثل السماء

وضحكا معا ً. لأنهما لم يتصورا أبدا ً أن الجو والبر والبحر كل لا يتجزأ .

في تلك اللحظة كانت عواطفهما مندهشة بحُسن المصادفة ، وغاب عن ذهنيهما لساعتين ما يدور في روما ، متجاهلين ما يدور بذهن نيرون من

جنون أيضا ً، شعرا أن الحياة لهما ، ولم يكترثا حتى للقدر الذي بعد ساعة سيجهض كل شيء .

في أثناء حديث أرثيا معه شعرت أنه يخفي سرا ً خطيرا ً ، فضولها قادها إلى ذلك التساؤل :

ـ ماذا تعمل ؟

ـ حاليا ً لا أعمل ، لكني أتمنى أن أ ُعلم الصبيان ما الحكمة .

ـ الحكمة ! ؟

ـ نعم ، ألم تسمعي بتلك الكلمة الساحرة ؟

ـ لا ...

نهضت ، وقبل ان تنصرف أرادت أن يكلمها عن العاطفة ، أو لماذا حين نحب نشعر أننا أكثر جمالا ً ومرحا ً؟ ، لكنها استدركت وبخجل سألت :

ـ من هي تلك الساحرة

وهو ينظر إلى عينيها غاب المعنى عن باله ، متذكرا ًأنهما سيفترقان لا محالة ، حينها قال بصوت مشبع بالحنين:

ـ سأعود يا إرثيا ،حينها سأتذكرك ، سأقول لك بأبسط الكلمات ما تعني .

وقبل أن ينتهي زمن المحبة ، قطفت الفتاة ذات الثوب الأبيض زهرة ( الآستر ) الحمراء وقدمتها له . ثم شعرت ولأول مرة بمرارة لم تذقها من قبل

، كأنها فقدت جزءا ً من حواسها في غفلة من الزمن ، برغم ذلك تشجعت وقالت .

ـ سنفترق ، ولا أعرف متى تعود ، وربما لا تعود أبدا ً ، وغدا ً ستذبل الوردة َأيضا ً... صمتت حائرة ، وأخيرا ً عثرت على ما تود قوله :

ـ أحتفظ بالوردة ربما تساعدك في العثور على الحكمة ، لكنها ستجلب لك الحظ حتما ً.

ما أن اختفت راكضة ً حتى ضاقت نفس هيروس ، هربت إرثيا دون أن تقول وداعا ً، نعم ، إنها خجلت من أن يعرف أنه أول حب .

وما أن وضع الوردة في خُرجه ، حتى تذكر ، بطش نيرون ، الذي لا هم له سوى قتل الحب وتدنيس الحلم وطعن الأمل . حينها أحس بالخذلان ،

وبدأت مقاومته للتخلص من الحيف والوجع ، صرخ بأعلى صوته :

ـ ما الحكمة في كل ذلك يا نيرون ؟

 

كلما كان هيروس يبتعد عن روما يشعر أن حياته أقل خطرا ً ، وبعد ثلاث أيام من رؤية الفتاة التي لا تعرف ما البحر ، قرر أن يترك ليومه الخيار

، مفضلا َ أن يوازن بين راحة النفس وعناء الجسد ، نعم ، أراد أن يستمتع بلحظات القيلولة .

في تلك الساعات ، من نهار تموز الساخن ، أحس أن وحي التأمل ربما سيساعده لمعرفة الحكمة . صمم أن لا يفكر بشيء ، متمتعا ًبالإصغاء إلى

الصمت . وصل بعد الظهر ذلك الشلال المدهش الذي يسقي تلك البحيرة ، ارتعش جلده وانتعشت روحه عندما سبح بلذه في تلك المياه القارصة ،

واكتفى بتذكر عيون إرثيا ونظراتها الحريرية ،حينها رأى وعلا ً بريا ً ينحدر كالمجنون صوب البحيرة ، متلذذا ً بعذوبة الماء ، لكنه فجأة ً جفل ،

دون ان يسأل هيروس ماذا تفعل هنا ؟، هرب واختفى بين الأدغال وهو يتلفت باستغراب بين الحين والأخر ، إبتسم هيروس وقال له ضاحكا ً :

البحيرة بحيرتك ، وأنا لست إلا ضيفا ً .

وقبل غروب الشمس صار هيروس يركض ويرقص في تلك الطرقات ، كانت العصا وقلبه لا يخشيان الدروب الوعرة التي ستؤدي إلى البحر ٍالذي

إذا ما خاض غماره سيصل أثينا .

وقف مرات ٍ عدة متأملا ً المسلحين الرومان الذين سألوه وهم يضحكون : إذا أعجبت بامرأة ماذا تفعل معها . بعد عشرين دقيقة اقتربت منه سيدة

وأشارت لطير ملون ينط من غصن إلى آخر كراقص بارع ، قالت له وهي تقطف زهرة عباد الشمس : أتعلم أن عصفور (البينو) هذا سيموت غدا ً .

تجول بمرح حتى المساء غير مبال ِ بالموت ، ليصل أخيرا ً حظيرة الماعز المهجورة ، قال : هنا سأنام .

في تلك الزريبة كان الليل موحشا ً ، أحس بالجوع والعطش ، قال مخاطبا ً قسطنطيبن : بحق ( منريفا ) ربة الحكمة , أن الوحدة لها سطوة

الكابوس . بعد دقائق تذكر أمه التي كانت تريد أن ترافقه حتى ولو إلى الجحيم ، تلمس قبعة القش وقال ساخرا ً : أذا ما خذلني ( جوبيتر ) سأسقط

صريعا ً كذبابة في شبكة عنكبوت .

كان يقاوم الألم ، متذكرا ً لحظات الماضي الحلوة ، لكنه حاول التملص والتحرر من هذه الأفكار اللذيذة أيضا ً، وقال بصوت أجش : الالتفات إلى

الماضي يُحيط العزيمة .

كان فخورا ً بتجربته ، حينها شعر بالغبطة والأمل وصرخ بتحد :

ـ ما الحكمة يا نيرون من كل ذلك .

ومع شروق نهار جديد ، مضى الى هدفة ، لتمر ثلاثة أيام بلياليها ، كان يمشي ويمشي ويمشي ، متيقنا ً أن كل خطوة نحو الهدف تحمل البشرى

والنجاة ، رأى ما رأى ، لكن ما أن وصل قرية ( موزياس ) حتى أخبروه : ستصل إلى البحر بعد يومين . كانت روما حاضرة في ذهنه ، لكن

صدى كلمات الهة الحب ( أفروديت ) كانت أكثر حضورا و بريقا ً ، كانت مفرداتها كأغنية رومانية تدخل شغاف القلب مباشرة : إرادتك عنقاء

جامحة تصعد بك اعلى من الغيم ، إرادتك تنين مجنح يحلق بك نحو الفردوس .

 

بعد يومين ونصف وصل إلى البحر أخيرا ً ، وقف على أعلى صخرة يتأمل ، حينها غمره الاندهاش الأول ، وخانته الكلمات للتعبير عن مشاعره ، برغم ذلك قال : ياه ، أنه مستنقع مرعب . وذهل أكثر حين سمع نداء ًضاحكا ً يأتي من البحر : ها ها ها ، لم تعرفني بعد يا هيروس .

كان الساحل يهيمن عليه غروب شمس عجيب ، وصيادون ينتظرون رزقهم . لكن ما لفت انتباه هيروس ذلك العجوز الطاعن في السن وهو يعيد

السمكات الصغيرات إلى البحر ، سأله :

ـ ما الحكمة في ذلك ؟

لكن العجوز( كانيوس ) تجاهل السؤال لأنه أراد معرفة أمر ٍ أكثر أهمية :

ـ من أين جئت ؟ وأين عثرت على هذه القبعة ؟

هيروس لم يجب بأية كلمة ، كأنه قرر التكتم على أسراره ، ولم يعد يكترث بذلك العجوز الفضولي . لينهض العجوز هاما ً بالانصراف واضعا ً كيسا

 على الصخور وهو يقول : حفنة الزبيب هذه لك .

قضى هيروس تلك الليلة على الساحل برفقة النجوم والكلاب السائبة التي تطارد بنات آوى .

في صباح اليوم التالي ، لم يندهش العجوز ، وكأنه كان يتوقع رؤية هيروس ، وما إن وجده جالسا ً على تلك الصخرة ، حتى قال له بأريحية دون

تكلف : صباح الخير يا ولدي .

جلسا وتحدثا عن الفرق بين المحارب والصياد ، ووقفا مطولا ً عند شائعات الحرب بكرها وفرها ، وكذلك تحاورا عن الطموحات بأحوالها المختلفة

وكيف تغير مصائر البشر .

بعدها رمى العجوز بشبكته إلى البحر وهو يقول:

ـ أظن , ما دمت تبحث عن سفينة ، هذا يعني أنك تبغي خلاصا ً ؟

قال هيروس بصدق :

ـ نعم يا سيدي .

كان صوت العجوز كانيوس متحديا ً, بغضب قال :

ـ بدأت أمقت الحرب ، وأكره نفسي ، وأكره روما .

وحين لم يجب هيروس وألتزم الصمت ، أردف العجوز:

ـ لماذا لم تقل شيئا ً؟

ـ لأني اعتقد أنك تعرف كل شيء .

ظل صامتا لبعض الوقت ، وهما يتأملان خط الأفق الذي بعده أثينا والمنفى وربما حروب أهلية صغيرة ، مراقبين البحر الذي يتلون، ظلت الأنسام

تحرك الأمواج و تهيج الذاكرة أيضا ً. كان العجوز شاردا ً لما سأله هيروس :

ـ أتظن ، من الضروري أن أرحل إلى أثينا ؟

ـ إله البحار (نيوتن) أعرف بذلك .

وبعد أن تجاذبا أطراف الحديث اكتفى الشيخ بسؤال مقتضب :

ـ ماذا يلزمك لمواجهة الموقف ؟

ـ الشجاعة الكافية يا كانيوس

ضحك الشيخ بعد ان سحب شبكته التي إصطادت سمكة كبيرة، قال

مبتسما ً ، كأنه قرأ ما يدور في ذهن هيروس :

ـ أن تصل البحر بقبعة وعصا فقط ،هذا يعني أنك بطل .

ما أن صمت العجوز ، حتى صار هيروس يردد ذلك السؤال طيلة ذلك اليوم : هل إنقاذ الذات بطولة؟ .

نعم ، هيروس البطل أحس بتناقضات كثيرة , كان يود العودة مكتفيا ً برؤية البحر لولا أن حياته كانت مهددة حد الموت ، واصل طريقه مصغيا ً

إلى صوت ( منيرفا ) التي في قلبه ، مرددا ً :

ـ ما الحكمة في كل ذلك يا نيرون ؟

 

في الصباح اليوم التالي ، كان البحر عاتيا ً ، والريح عاصفة ً ، ولم يصادف سوى أربعة صيادين ، أوضح أحدهم قائلا ً : إن (جوبيتر ) وحده من

يعلم متى ستصل السفينة ، لكن ليس قبل ثلاثة أيام .

لم يعرف ماذا يفعل ، كف عن الكلام ليوم كامل ، لكنه أصغى خلالها إلى البحر ، تحاورا معا ً عن الربح والخسارة

سار على امتداد الساحل ، مؤمنا ًبرحمة ( جوبيتر ) ، منتظرا البحارة الذين سيبحر معهم الى أثينا .

في ذلك المساء سقط على قلبه نداء غريب وواضح :

ـ عليك الرجوع .

ـ لكن نيرون لا يرحم

ـ إذن لا تجزع .

ومن حسن حظه أن العجوز عاد ليلا َ ليتسامر معه ، تمهل قبل أن يقول له : سمعت هاتفا ً يأمرني بالعودة إلى روما .

ـ أنك يا هيروس بحاجة إلى النوم ، إلى الراحة التي تضيء قلبك .

ـ مللت الانتظار ، متى تأتي السفينة ؟.

ـ ستأتي ، أنا متأكد أنها ستأتي .

ـ متى ؟

ـ في الوقت المناسب .

تكاثفت الغيوم , مّما حدا بالعجوز أن ينتشل هيروس من وحشة الليل وصرخات الشياطين التي تنكأ جروحه . دون تردد قال له وهو يضحك :

ـ قم ، إن نمت هذه الليلة وحيدا ً ، سيلتهمك تنين البحر( فولكن ) .

اجتازا سوق العطارين ، واتجها نحو درب ضيق ، ليصلا كوخ كانيوس .وحين دخل هيروس وجد مكانا ًمتواضعا ً لكنه جميل ببساطته ، مكان آمن

ومشبع برائحة السمك ، بعد العشاء بقليل قال كانيوس كمن يكلم ولده :

ـ عليك بغسل ملابسك ، مادمت عازما ًعلى السفر.

ـ فعلا ً ،... صمت وكأنه تذكر شيئا ً ما ، ليقول :

ـ أعتقد أن بقائي سيطول .

ـ إذا قلت لك : السفينة سترسي غدا ً؟.

ـ غدا ً!؟

صمت العجوز ولم يجب ، لكنه بعد خمس دقائق سأل مذكرا ً هيروس :

ـ لكن هل فكرت مليا ً ؟.

ما إن غط كانيوس بأحلامه كطفل ، حتى صار السؤال الأخير موجعا ًو موحشا ً . لكن الاسترخاء والهدوء عادا به الى المعبد الذي أحبه ، والى

القطة التي سألها : هل من الحكمة الذهاب الى أثينا ؟ ، والى إرثيا التي قالت له : من هي تلك الساحرة ؟ وإلى وإلى ..

ساورته قشعريرة مقرونة بالفرح والرهبة في آن واحد ، بدأ يخمن أن البحر سيحرره ويطهره من سطوة ذلك السؤال المزعج : أذهب أم أعود ؟.

لكن بما أنه إلى الآن على البر يحلم ويتألم ، لذلك قال في خلده قبل أن ينام :

ـ آه .. يا هيروس المسكين ! ماذا عليك ان تفعل بالضبط ؟

 

بعد يومين أشرق الصباح . يا لها من لحظة ، كان قلقاً حين رأى السفينة ترسو قرب الساحل . في آخر النهار ، وقبل ان تأزف ساعة مغادرتها في

عباب البحر المكفهر المزاج . رمى هيروس عصا الصنوبر على الرمال ، وقال لها بلهجة حازمة :

ـ يا من تعرفين الدروب , أين أتجه الآن ؟ . 1 /11 /2012