التعصب الطائفي .. (1)/ سهر العامري

لا يستطيع أحد أن ينكر أن التعصب من أي لون وشكل هو مرض يستبد في نفوس بعض الناس ، فيحجب الحقيقة عن عقولهم ، ويعمي أبصارهم عن رؤية الواقع ، ويتفاقم خطر هذا المرض حين يصيب حركة سياسية ، أو شخص يقود بلدا ما ، مما يتسبب بكوارث رهيبة تصيب البلد ذاك ، والناس فيه .

ولا أراني بحاجة الى طرح الكثير من الأمثلة هنا ، ولكن المثال الصارخ في عصرنا الحالي هو تلك الكارثة الرهيبة التي تسبب بها مهوس ألماني هو هتلر الذي وضع العنصر الجرماني فوق بقية البشر ، وهذا ما أدى الى دمار فظيع لم يصب شعوبا كثرا فحسب وإنما أصاب الشعب الألماني نفسه .

في العراق ابتلى الشعب العراقي بهذا الداء حين صعد حزب البعث الى الحكم فيه ، خاصة حين آلت القيادة فيه الى صدام حسين الذي أعماه تعصبه القومي عن رؤية الواقع السياسي في العراق بعين صحيحة لا قذى فيها ، فراح يشن حربه على كل من يخالفه في الرؤية والفكر ، وصارت هذه المخالفة سببا كافيا لقتل الناس في العراق ، والدوس على كراماتهم بأحط الصور وأخسها .

وسأضع أمام القارئ العزيز هذه الحادثة ، وهي واحدة من عدة حوادث تعرضت لها أنا أيام صدام ، لا لشيء إلا لأنني كنت أختلف عن البعث وصدام في التوجهات أو الفكر ، فهم عرب متعصبون ، وأنا عربي غير متعصب ، لكن عدم تعصبي هذا ، ووقوفي ضد حرب صدام مع أكراد العراق صارا تهمة تطاردني عليها أجهزة المخابرات والأمن في عهد صدام ، ويقينا أنهم طاردوا غيري بسببها ، ممن هم على شاكلتي .

لا زالت أتذكر تلك الليلة السوداء التي نزلت بي ، وكانت الساعة قد ( رمت نفسها نحو الثانية بعد منتصف الليل ، هببت  مسرعا نحو الباب ، وصحت.

- من الطارق ؟

- افتح الباب !

- من أنتم ؟

- نحن ضيوف ونريد أن نشرب الشاي عندك !!

- ضيوف في هذه الساعة المتأخرة من الليل ، وتريدون أن تشربوا الشاي كذلك ؟ رددتُ متهكما .

- افتح الباب . لن يطول حديثنا معك كثيرا.

تيقنت أن طراق الباب هم عناصر من الشرطة السرية  ولهذا بادرت الى فتح باب الدار ، ليندفع من خلالها ثلاثة رجال كان يقودهم رجل كبير الرأس ، كثيف الشعر ، منتفخ البطن ، طويل القامة ، فظ اللسان ، ويبدو أنه هو من يقود تلك العصابة التي اشترك فيها الى جانبه شخصان من حزب السلطة .

- لماذا تقف - يا أستاذ - ضد الوحدة العربية ؟ سألني الرجل الضخم بلسان قوي وفظ ، تصحبه نظرات شزر حادة ، يريد من ورائها بث الرعب في نفسي.

- أنا أقف ضد الوحدة العربية ؟ تساءلت .

- نعم أنت .

- هل لديك مشروع في جيبك لتلك الوحدة ؟ سألت شرطي الأمن الضخم .

- ماذا تقصد ؟

- قلت هل تحمل معك مشروعا لتلك الوحدة .

- ولكن ماذا تقصد . كرر الرجل القول ثانية .

- إذا كنت تحمل مشروعا للوحدة العربية أخرجه من جيبك الآن وسأوقع موافقا عليه بأصابعي العشرة هذه. قلت ذلك رافعا يديّ أمام وجه الرجل ، فاتحا أصابعي العشرة ، وهذا ما جعل أحدهم ينفجر بضحكة مسموعة .

- لكنكم على أية حال تعادون الوحدة العربية.

- يا أخي ! نحن لم نعاد ِ الوحدة العربية ، نحن نطالب بالوحدة المادية ، وليس بالوحدة التي يتحدث عنها الرؤساء العرب .

- ماذا تعني بالوحدة المادية يا أستاذ ؟ سألني أحدهم.

- أعني بها الوحدة التي تقوم على مد طرق السيارات ، والسكك الحديدية بين الأقطار العربية ، ربط الوطن العربي بشبكة كهربائية واحدة ، إقامة مشاريع مشتركة بين الدول العربية ، توحيد النظم الكمركية والإدارية ، وغير ذلك من المشاريع التي تعود بالنفع على الناس في هذه الرقعة الجغرافية المسماة بالوطن العربي. فهل أنا متهم بمعاداة الوحدة بعد ذلك ؟ تساءلت في نهاية حديثي .

- ولكنك تؤيد الأكراد في الانفصال عن العراق ! قال شرطي الأمن في تهمة أخرى يلقي بها على مسامعي.

- أنا لم أأيد انفصال الأكراد عن العراق ، ولكن الأكراد أمة كما تعلم حالهم في ذلك حال الأمة العربية، مثلما يعرفها مؤسس حزبكم ميشيل عفلق ،هل قرأت كتابه في سبيل البعث ؟ فتعريف الأمة عنده لا يختلف كثيرا عن تعريف ماركس لها ، وكما تلاحظ أن الأكراد ينتمون الى قومية واحدة ودم واحد، ويقطنون رقعة جغرافية واحدة ، وبهذا هم أمة واحدة ، فلماذا تحللون أن يكون العرب أمة واحدة ، بينما تحرمون على الأكراد أن يكون مثل العرب أمة واحدة كذلك . ومع هذا أنا لا أأيد انفصالهم عن العراق إلا إذا تحررت أجزاء كردستان الأخرى في إيران وتركيا ، وعادت كردستان واحدة .

- يبدو أنك لا تريد أن تقتنع بما أقوله لك . قال شرطي الأمن ذلك ثم استوى واقفا .

- لكنك لم تقل لي شيئا . رددت .

- لتعلم أننا نملك أساليب أخرى ستجعلك تقتنع بما نريده منك !! قال ذلك ، ثم توجه هو ومرافقوه نحو باب الدار الخارجي .)*

هذا شيء عن حديث العراق أيام التعصب القومي عند صدام وحزب البعث ، فكيف هو حديث العراق أيام التعصب الطائفي عند المالكي وحزب الدعوة ؟ هذا ما سآتي عليه في الحلقة الثانية .

* المقطع بين الأقواس من روايتي : مدن أخرى ، التي صدرت في السويد ، ولكن بتصرف.