الحكّام والشعوب ..(1-2) / د.قاسم حسين صالح

ثمة مرض سيكولوجي مصاب به الحاكم العربي هو أنه يعدّ السلطة ملكا خاصا به وحقا أبديا له إلى ان يموت أو يزاح:(صدام حسين ،معمر القذافي،حسني مبارك،بن علي،علي عبد الله صالح، والأسد..)،وأنه يعمل على ديمومتها بيده باعتماده ثلاثة أساليب:تشكيل جهاز أ مني خاص به،وتأليف حزب سياسي يتزعمه،وتدجين شعبه للقبول به.

توطئة

والتساؤلان هنا:

*هل هذا المرض وراثي..بمعنى أن السلطة ورّثته في الحاكم العربي ،بدءاً من انتهاء الخلافة الراشدية؟

*وهل الحاكم العربي بعد التغيير الديمقراطي ،في العراق وثورات الربيع العربي، مصاب بنفس المرض أم أنه سليم منه؟

هذا ما سنتناوله في هذا التحليل ،ولنبدأ بالسلطة أولاً.

لدى مراجعتنا مفهوم السلطة في اللغتين الإنجليزية والفرنسية وجدنا فرقا مدهشا لدى مقارنته باللغة العربية.إذ تعني السلطة في قاموس "لاروس" الفرنسي :القدرة على التحكم ،واتخاذ الأوامر..ويضفي عليها قيمة الحق، ويضرب لها مثلا تربويا بسلطة مدير المدرسة..ويفرّق بين السلطة والقوة ،إذ تعني القوة إجبار الآخرين على طاعتك،فيما تعني السلطة الحق في أن توجه الآخرين أو أن تأمرهم بالاستماع إليك وطاعتك.

ويفرّق القاموس الإنجليزي بين (السلطة ) و (التلسط)،إذ يعد السلطة ضرورة اجتماعية وأخلاقية لتنظيم أمور المجتمع ولتحقيق العدالة الاجتماعية،فيما يتضمن مفهوم التسلط معاني:الظلم،القهر،الإرهاب،الإكراه،التشدد،والعنف.ومع أن السلطة ،في القواميس الإنجليزية والفرنسية، تتطلب القوة،غير أنها تشدد على أن القوة بلا سلطة ظلم واستبداد،وبهذا الفهم فإن مفهوم السلطة في هاتين اللغتين تعني الحق وشرعية استخدام القوة.

أما في اللغة العربية فالأمر مختلف ،إذ يرد مفهوم السلطة في (لسان العرب) بأنها: " القهر ،وقد سلّطه الله فتسلط عليهم ".وترد في قاموس " الهادي" لحسن سعيد الكرمي بأنها " القدرة والملك".ويشير الفعل بها إلى التسلط، وإنه:تسلط الأمير على البلاد،حكمها وسيطر عليها،وتسلط القوي على الضعفاء،تغلب عليهم وقهرهم ،وتسلط ..تمكن وتحكّم". ولأن اللغة،في جانب منها تعكس المضمون السيكولوجي لشخصية الناطقين بها،فإن اللغة العربية أخذت مفهوم السلطة بمعناه التسلطي المشحون بالعنف والجبروت والسطوة والتغلب. وبرغم ظهور محاولات تطويرية في قواميس أحدث فإن مفهوم السلطة في اللغة العربية بقي مشحونا بالعنف والقوة ودلالات التسلط التي تتبدى بالعقوبات والتهديدات وتتجلى في غايات الطاعة والخضوع والامتثال لقوة قادرة قاهرة.

ولتأمين ذلك فإن الحاكم العربي يقوم بتشكيل أجهزة أمنية خاصة به يأمرها بممارسة أسلوب الاستبداد لتشيع في المواطن سيكولوجيا الخوف من بطش الحاكم به. وترؤسه لحزب سياسي يمارس من خلاله السيطرة على شرائح اجتماعية واسعة تضم مرتزقة ومنافقين وبعض الكفاءات والوجوه الاجتماعية للتغطية..ووضع من تتوافر فيهم " الثقة" بالمراكز المؤثرة في الحكومة حتى وإن كانوا لايمتلكون الخبرة والكفاءة. والعمل على تدجين الشعب سيكولوجيا عبر ثلاثة أساليب رئيسة:إشعار الناس بالعجز من التغيير بتزوير الانتخابات وإعادة انتخابه لعدة دورات انتخابية ،وتخريب القيم بإشاعة الفساد المالي والإداري والسياسي،وتقديس نفسه بإضافة صفات خاصة إلى اسمه ونشر صوره في الأماكن العامة والدوائر الحكومية والبيوت.

ومع أن الحاكم العربي ارتكب أفظع القبائح (إفقار الناس وكنز المليارات، والقتل والتعذيب، وإفساد الضمائر..) فإنه يخص نفسه بالاستقامة الأخلاقية، ويعدّ نفسه مثال المتحلي بالأخلاقيات الرفيعة، وان مساءلته هي من اختصاص الله وحده وليس للشعب حق في ذلك. وهذه ناجمة من حالة كنّا قد شخصناها هي ان رئيس الدولة العربي تتحكم به (سيكولوجيا الخليفة) التي تعني اعتقاده بأنه امتداد للخليفة..سلطة الله في الأرض..التي تشفرت في اللاوعي الجمعي للشعوب العربية عبر 1400 عاما.

وتقترن سلطة الحاكم العربي بمفهوم خطير آخر هو (السطوة)..التي تعني في لغتنا العربية القهر والبطش. وعلى وفق تحليل علم الاجتماع السياسي فإن هنالك أربعة مصادر للسطوة: المنصب والثروة والخبرة والعلاقات.أولها وأخطرها، سطوة المنصب التي تعتمد على السلطة الرسمية. فعبر دراسة نماذج لأسوأ طغاة العالم( هتلر، موسليني، ستالين، بول بوت،عيدي أمين، صدام حسين،ومعمر القذافي) تبين أن جميعهم يتبعون أسلوبا" (مسرحيا") في بناء سطوتهم، يمر بأربع مراحل: في الأولى يبدأ الدكتاتور المتوقع بتشكيل علاقات مع أناس لديهم نوايا أو مطامح نحو سلطة من نوع ما. وقد لا يكون هؤلاء أكثر من مجرد مفكّري مقاه أو كانوا قد نجحوا في تكوين نوع من الهوية السياسية. في الثانية ينتقل من مرحلة التعرف على الناس إلى مرحلة تكوين التحالفات بأن يستغل صاحب سطوة المنصب مهارات اجتماعية وأنماط تأثير مراوغة، وقدرة على الإقناع السياسي، وتفكير سياسي له وجاهة، ووعد بتحسين الأوضاع بعمل مشترك..رسمي وشعبي..ويعمد إلى استيعاب من يطمح لدور قيادي فيضعه في مركز يرضى به..ويصبر على التخلص من منافسيه لفرصة ملائمة..ليصل إلى المرحلة الثالثة..السيطرة..بطريقة (ناعمة). فهتلر جاء إلى السلطة بانتخابات ديمقراطية، ولكن ما أن صار زعيما" للحزب القومي الاشتراكي الحاكم حتى أسرع بتثبيت أركان الحكم مكتسبا" قدرة كبيرة على التأثير في الناس تخوله أن يقرر ويسيطر ويوجّه ويكافئ ويعاقب و(يحيي ويميت!)..وكذا الحال مع عتاة الحكّام العرب.

أما حين يصل صاحب سطوة المنصب المرحلة الرابعة فإنه يتوجه نحو التخلّص من منافسيه السياسيين ووضع الموالين له في مناصب سلطوية ، وبناء آلية تمكّنه من بث الخوف والهيبة فيهم وفي الشعب بأكمله لدعم سطوته..ولها وصل صدام حسين.

إن مجساتنا، نحن السيكولوجيين، تلتقط إشارات من المشهد السياسي العراقي الحالي تفيد بوجود قادة سياسيين يبدون في ظاهرهم ديمقراطيين فيما تعمل بداخلهم نزعة السطوة. وكما أن الليل والنهار لا يمكن أن يجتمعا، كذاك السطوة والديمقراطية. ولهذا يعيش هؤلاء حالة تناقض وجداني وسلوكي، لأنهم يحاولون جمع اتجاهين متعاكسين لابد أن يتغلب أحدهما: إما السطوة أو الديمقراطية. وما نخشاه أن هذا الصنف( وبعضهم عبر المرحلة الثانية) استمكن من مصادر السطوة الثلاثة الأخرى: سطوة الثروة، بحيازته القاعدة الذهبية ( من يملك الذهب هو القادر على وضع القواعد)، وسطوة الخبرة بامتلاكه دراية ومعلومات تكسبه التأثير في العامة، وسطوة العلاقات باكتسابه قبول أناس يمتلكون سطوة عشائرية،أو اجتماعية، أو دينية، أو ثقافية أيضا"..تنذر بخطر كبير على الناس والوطن..وعلى أنفسهم أيضا.