
نيرون روما وبشار سوريا رضعا .. / كاظم حبيب
لا يحصى عدد المستبدين الذين عاشوا على كوكبنا الأرضي وعلى امتداد تاريخ البشرية، وهم ما زالوا وأينما وجدوا يعيثون في الأرض فساداً وخرابا. لم يخل أي بلد من بلدان العالم من مستبدين رعاع أثخنوا شعوبهم بجراح لا تبرأ. مارسوا كل أنواع الجرائم بأبشع معانيها ضد شعوبهم وضد شعوب أخرى. يمكن إيراد ألاف الشواهد من تاريخ العالم ومن منطقة الشرق الأوسط وحوض البحر الأبيض المتوسط على صواب هذا التشخيص المعروف. والدول العربية كانت وما تزال مليئة بمستبدين حكموا شعوبهم بالحديد والنار، وآخرون كانوا وما زالوا يحلمون بالحكم بأمل وهدف أن يسوموا شعوبهم سوء العذاب. ودول الهلال الخصيب مليئة بهم بأعداد لا حصر لها، سواء أكانوا على رأس السلطة أم حواشيها أم في أغلب قوى المعارضة وأحزابها التي لا تختلف عن حكامها إلا بكونها ما تزال خارج الحكم ولم يتسن لها ممارسة الحكم لتبرهن على إنها لا تختلف عن الحكام السابقين بسلوكية الاستبدادي والرغبة في القتل والتشريد، إنهم مصابون بداء "النيكروفيليا" و"السادية المرضية" و"النرجسية المرضية" في آن. إنهم أعداء الإنسان أينما كانوا وحيثما حكموا. وغالباً ما تعيد مجتمعاتهم الشرق أوسطية إنتاج مستبديها بالارتباط مع طبيعة علاقات الإنتاج السائدة فيها ومستوى تطور القوى المنتجة وضعف وعي شعوبها وغياب فعلي لعمليات التنوير الديني والاجتماعي والسياسي عنها وأسس التربية الاجتماعية التقليدية التي ما تزال تعود لحياة البداوة والقبيلة أو العلاقات الإقطاعية الأبوية المتخلفة والظالمة.
لم تكن أوروبا منذ قرون خلت بعيدة عن هذا الواقع الذي تعيشه بلداننا في الشرق الأوسط في المرحلة الراهنة رغم الفاصل الزمني الذي يقترب من عشرين قرناً. وتاريخ الإمبراطورية الرومانية في القرن الأول الميلادي يذكر لنا ما فعله الطاغية المتخلف والعربيد نيرون ابن كلوديوس، الذي وصل إلى السلطة عبر مؤامرات أمه أغربينيا، بروما حين أشعل فيها النيران لتلتهم عشرة أحياء من روما من مجموع 14 حياً وراح الطاغية يمتع ناظريه بموت الناس حرقاً وخراب المدينة. ما حصل في العام 64م في روما يحصل اليوم لا في دمشق الشام حسب، بل في سائر أرجاء سوريا. إنه الطاغية الجديد بشار الأسد وابن السفاح السوري حافظ الأسد، الذي اغتصب السلطة عبر تغيير الدستور وتجاوز المادة الدستورية التي تحدد عمر من يحق له الترشيح لرئاسة الجمهورية. كما إن والده حافظ الأسد كان مغتصباً للسلطة عبر انقلاب عسكري قاده بذريعة التصحيح.
تشير المعطيات المتوفرة إلى إن الذين قُتلوا خلال السنوات الثلاث المنصرمة 2011-2014 بلغ 130433، بينهم 46 ألفاً من المدنيين، وبينهم 7 ألاف طفل، و52 ألفاً من قوات النظام السوري والجماعات المسلحة الموالية لها، و29 ألف قتيل من صفوف المعارضة السورية بمختلف فصائلها. وقد بلغ عدد النازحين السوريين 854777 حسب ما أعلنته مفوضية الأمم المتحدة. ولم يجر الحديث عن الجرحى والمعوقين الذين سقطوا خلال هذه السنوات الثلاث، إذ يفوق عددهم عدد الذين قتلوا في هذه المعارك. (موقع الموجز الإلكتروني). وهذه أرقام رسمية في حين إن عدد القتلى الفعلي يفوق كثيراً هذا العدد.
إن الجرائم التي يرتكبها حزب البعث العربي الاشتراكي بسوريا وقيادته ورئيس الحزب ورئيس الدولة غير الشرعي بشار الأسد والحكومة السورية تعتبر بحق ضمن جرائم الإبادة الجماعية وضد الإنسانية التي يجب أن يقدم فاعلوها إلى المحكمة الدولية ليحاسبوا على سياساتهم وأفعالهم البشعة، تماماً كما جرى مع صدام حسين وبعض القياديين في حزب البعث العربي الاشتراكي بالعراق الذين حوكموا باعتبارهم قد ارتكبوا جرائم الإبادة الجماعية وضد الإنسانية في عمليات الأنفال ضد الشعب الكردي بكردستان العراق وضد الكرد الفيلية ببغداد وغيرها وضد عرب جنوب العراق.
وبسبب السياسات التي مارسها الدكتاتور الصغير بشار الأسد إزاء العراق خلال سنوات ما بعد سقوط الدكتاتورية، حسب تصريحاته، والسماح لقوى الإرهاب الدولي بالولوج إلى العراق وممارسة الإرهاب وقتل البشر العراقي من قبل جماعات القاعدة المجرمة من جهة، وعدم التنازل عن الحكم لصالح قوى المعارضة السورية من جهة أخرى، سمح عبر إطالة فترة الصراع إلى قوى الإرهاب الإسلامية السياسية المتطرفة والتكفيرية في تعزيز وجودها بسوريا وتكريسه ومواصلة ممارسة الإرهاب ضد الشعب السوري. لقد نجح هؤلاء القتلة بإقامة تنظيم مسلح باسم جبهة النصرة وتنظيم آخر باسم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) ليمارسا شتى صنوف الإرهاب والقتل والتخريب والتدمير المريع بالعراق وسوريا. لقد سعى الدكتاتور إلى خلط الأوراق بين قوى النضال الوطني وقوى الإرهاب الدموي والتشويش على المناضلين من أجل الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وضد الاستبداد والطائفية والمحاصصة الطائفية والتكفير.
إن المجتمع الدولي الغاطس في صراع سياسي على النفوذ بسوريا والمنطقة بين الولايات المتحدة وروسيا الاتحادية برهن حتى الآن على عجزه الفعلي أو عدم رغبته في إيجاد الحل المناسب للحرب الدموية الجارية بسوريا والدمار الهائل الذي لحق بها وبالشعب السوري. إن الأخضر الإبراهيمي يتحرك بوتيرة أبطأ حتى من السلحفاة في محاولة للجمع بين بعض أطراف المعارضة السياسية والنظام السوري. وكل الدلائل تشير إلى إن هذه الحركة ستبقى دون جدوى ما لم تجد المعارضة السورية الوطنية والديمقراطية اللغة المشتركة في ما بينها وتوحد كلمتها في مواجهة النظام عبر المفاوضات. وعليها أن تتخلص من دعم الحكام في السعودية وقطر الذين لا يريدون الخير للشعب السوري وكل همهم أن تنجح القوى الإسلامية السياسية المتطرفة في إزاحة بشار الأسد والمعارضة الديمقراطية في آن.
إن الرأي العام الدولي لم يرتفع في مستوى تأييده للمعارضة السياسية السورية بحيث يشدد من ضغطه على المجتمع الدولي والدول الكبرى بشكل خاص لوضع نهاية فعلية لهذا النزاع الدموي الذي يموت يومياً العشرات والمئات من الأبرياء بسوريا من جانب النظام أو من جانب القوى التكفيرية. لهذا لا بد من النضال من أجل رفع صوت الرأي العام الدولي لصالح الشعب السوري ونضاله العادل ضد الدكتاتورية البعثية وبشار الأسد وضد جبهة النصرة وداعش آن واحد.
6/2/2014