
في ذكرى رحيل المفكر حسين مروة
القوى الطائفية اغتالته.. ولم تتمكن من اغتيال فكره
تمر علينا هذه الايام ذكرى مرور 27 عاما على خسارة الفكر العربي لأحد مفكريه ومثقفيه الكبار، ذكرى استشهاد المفكر والمناضل اللبناني والعربي والاممي الدكتور حسين مروة.
ففي مثل هذه الايام من سنة 1987 سقط الشهيد مروة برصاصات غادرة ولم تشفع له شيخوخته ومرضه، لا لشيء، فقط لأنه مفكر خارج السرب الطائفي والمذهبي، وينتمي الى قوى خارج الاصطفافات الطائفية المتقاتلة في لبنان.
ان الشهيد مروة لو لم تصرعه رصاصات الغدر والظلام، لكان حال ثقافة لبنان اجمل بوجوده، ولكان حال الفكر والثقافة العربيين افضل، وذلك لما له من حضور فكري وثقافي طاغ ومتميز، لمَ لا، وهو المفكر والمثقف الموسوعي المتعدد الاهتمامات. ويكفيه ما انجزه من تراث ثقافي متنوع في مختلف مجالات المعرفة على امتداد اكثر من خمسين عاما، وكان لديه المزيد لولا اغتياله.
ولد حسين مروة عام ١٩١٠ في قرية حداثا بجنوب لبنان حسب السجلات الرسمية، ولكنه روى أن تاريخ ميلاده الحقيقي هو ١٩٠٨. ارسله والده إلى العراق عام 1924 لدراسة العلوم الإسلامية في حوزة النجف، وانهى دراسته فيها عام 1938، وبدأ اهتماماته بالكتابة الادبية منذ سنوات دراسته الأولى في العشرينات، فكتب المقالة والقصة والنقد والبحث، كما كتب بعض الشعر.
كانت بداية اطلاعه على الفكر الماركسي عام 1948 عبر قراءة "البيان الشيوعي" الذي اعاره اياه الشهيد حسين محمد الشبيبي (صارم)، شارك أدبيا واعلاميا وعمليا في احداث وثبة كانون 1948، التي اسقطت معاهدة بورتسموث البريطانية مع حكومة العهد الملكي، وإثر عودة نوري السعيد إلى الحكم عام ١٩٤٩، اتخذ قرارا بإبعاده من العراق فورا مع عائلته ونزع جنسيته العراقية التي اكتسبها لمكوثه أكثر من عشرين عاما في العراق.
عاد مروة في شتاء ١٩٤٩ إلى بيروت حيث واصل الكتابة الأدبية في زاويته اليومية "مع القافلة" في جريدة "الحياة" لمدة سبع سنوات، تعرف عام 1950 إلى فرج الله الحلو وانطون تابت ثم إلى محمد دكروب، انتظم رسميا في الحزب الشيوعي اللبناني عام1951، انضم إلى قوات انصار السلم (تجمع الأحزاب الشيوعية العربية لتحرير فلسطين) عام 1952، انتخب عام 1965 عضوا في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي اللبناني وبعدها عضوا في المكتب السياسي، ترأس تحرير مجلة "الطريق" الثقافية من العام 1966 حتى شباط 1987 تاريخ استشهاده، مع عضويته في مجلس تحرير مجلة "النهج" الصادرة عن مركز الأبحاث والدراسات الاشتراكية في العالم العربي.
بعد رحيل مروة تزايد الاهتمام بالتراث الفكري والفلسفي الذي تركه، ونشرت مقالات ودراسات كثيرة في مختلف الصحف والمجلات والدوريات الثقافية العربية، تناولت بالبحث والتحليل العميقين نتاجه الأدبي ـ الفكري، وأصدرت دار "الفارابي" كتاباً لكوكبة من الكتاب والمفكرين العرب بعنوان "حوار مع فكر حسين مروة" جاء في 350 صفحة من الحجم الكبير، وهو عبارة عن مقالات ودراسات وأبحاث شاملة سلطت الأضواء على مسيرة مروة النقدية والفكرية وتناولت الميادين التي خاض الكتابة فيها.
القسم الأول من الكتاب تحدث عن حسين مروة في مجالاته المتعددة، فمهدي عامل رفيق مروة في الكفاح والشهادة، والذي اغتيل هو ايضا برصاص الطائفية المجرمة، رسم صورة انسانية لحسين مروة وقرأ سيرة فكره ونضاله حيث تختلط حياته ضد قوى القهر وأفكار القهر، ومنذ ان طردته من ارض العراق قوى الرجعية والتبعية ثار مع الثائرين في كتابات يومية هي رصد للواقع وموقف سياسي منه، موقف الكلمة القاصدة الصائبة، موقف المناضل.
ثم يؤكد عامل على ان "لحسين مروة، هذا الكادح من المهد الى اللحد، تاريخ كفاح هو تاريخ حياة بكاملها، حياته أم حياة شعبه؟ حياته أم حياة حزبه؟"، ويشير الى انه "كان راسخاً في فكره منذ ان ولج الى الوعي الذي سيكون وعيه، وخاض معركة الواقعية في حقل النقد الأدبي وسيخوض معركة المادية في حقل الدراسات التراثية. وكان في كل مرة يخوض معركة الحرية والدمقراطية من أجل التقدم والاشتراكية".
وتناول محمد دكروب ملامح من المسيرة الفكرية لحسين مروة مؤكدا على حقيقة انه منذ ظهوره كاتباً ارتبطت صفته هذه بصفة المناضل، فلم تنفصل الكتابة عنده ولا في اية مرحلة من مراحل حياته عن نشاطه العملي كمناضل، حتى كتابه الموسوعي الأكاديمي "النزعات المادية" انما كتبه في الأساس كإسهام في معركة ايديولوجية وكسلاح معرفي في معركة فكرية سياسية طبقية راهنة. وكان يرى في التزامه كتابة المقالة اليومية والأنواع الكتابية الأخرى شكلاً هاما جدا من أشكال الممارسة الكفاحية باعتبار هذا الشكل علامة من علامات الحضور النضالي اليومي واسهاماً مباشراً في إنارة الوعي بالقضايا المطروحة وطنياً وسياسياً وثقافياً ومعاشياً.
ويسرد القاص السوري حنا مينه شيئاً من الذكرى وشيئاً من الدمع، مؤكداً ان حسين مروة المفكر والمناضل والشهيد لم يكن معلماً فحسب، بل كان أخاً كبيراً وكانت معلميته في قدرته ان يجعل الكل يتقبل أفكاره دون لغط. كان يسوق الكلام كأنما يطرح أسئلة ينتظر جوابها، في حين يتولى هو نفسه الإجابة عبر حوار هادئ. ويذهب الى القول انه اعطى وأفاد وزاد، ومن اعطياته هذا الإرث المعرفي الذي خلفه لنا في الفكر والنقد والدراسة، لكن عطاء هذا المعلم لم يكن قولاً فقط ولا ابداعا فحسب، بل كان فصلاً نضالياً وصموداً ابداعياً هما الذخيرة والأمثولة اللتان تركتا لنا لنتعلمهما من سيرة حياته الحافلة، الجليلة، الماجدة والباسلة، وقد أعطى برهانه النضالي لا من خلال الموقف معه، فقد كان مفكراً مناضلاً قاتل بالكلمة وقاتل بالموقف وقاتل بالجسد، وثبت في بيروت حين كان الاجتياح الاسرائلي يسودها ويقتمها ويشعل أبنيتها وشوارعها بالنار.
كما تحدث عن حسين مروة في أقسام الكتاب الاخرى كل من: الطيب تيزني، هادي العلوي، محمد المصباحي، توفيق سلوم، بومدين بوزين، د.محمود اسماعيل، فالح عبد الجبار، د.علي السعد، د.حليم اليازجي، د.عفيف فراج، عبد العظيم انيس، عبد الحكيم كَاصد، يمنى العيد، د.ميشال جحا واحمد سويد.
أخيرا يحق القول أن حسين مروة ان كان قد مكث في انجاز نزعاته المادية قرابة خمسة عشر عاما من البحث والجهد والتنقيب والدراسة، فهو قبل هذا قلعة ثقافية شامخة في المعمار الثقافي العربي الحديث، وهو فضلا عن كونه فيلسوفا فقد عُرف اديبا وناقدا وسياسيا. وعلى امتداد اكثر من خمسين عاما كان له حضوره في الساحة الثقافية العربية، حسين مروة الذي بدأ متمردا على اجوائه المحافظة في صفحة الادب، ليصبح أحد اعمدة الثقافة العربية في النصف الثاني من القرن العشرين.
ماتع في 15 شباط 2014