ثلاثون عاماً على بوهيمية العامري/ حمودي الكناني

مع الشاعر والأديب سامي العامري

في حوار شامل وصريح أجراه الأديب حمودي الكناني

الحوار من ثلاث حلقات

هنا الحلقة الأولى

س1: عالم الطفولة عالم ساحر,  فيه الاطفال يمرحون ويسرحون  يأخذون نصيبهم منه ,  فماذا تتذكر عن طفولتك وفي أي منطقة من بغداد ترعرت , وهل كنت طفلا مشاكسا  وهل بقي من هذه الطفولة ما يلازمك للآن ؟؟

شكراً للكناني حمودي الأديب المتميز الذي يستلذ المثقف بمواجهة أسئلته لما تنطوي عليه من بحث عن أسرار وتابوهات وقول ما لا يقال !

رغم أني ليست عندي أسرار كبيرة ولكني وقبل أن أجيبك على سؤالك اللطيف عن الطفولة أقول أن الشعر عندي ربما هو فنار يشير لسفني بأصبع من ضوء شاحب إلى مرافىء كثيراً ما أحسُّ أنها أوهام ولكن هذا الوهم أكثر رأفة من التفكير بالبقاء مبحراً في خضمٍ متلاطم مُرٍّ اسمه أقدار حياتي ، إذن فالشعر هنا هو الأمل بجديد ما أو بخلاص ما وإن كان مجهولاً

وأما ساعاتي التي تمضي بالخوض في تفاصيل الواقع وضروراته وقسوته فهي قطرات تتحرك على سطح زمني الفعلي لتنزلق خارجه لذا فهي لا تنتمي لي ولا أنتمي لها ، ومن هذا المنطلق لم أنجح في كل المهن التي تعلمتها بالرغم من محاولاتي لإضفاء نوع من الشعرية عليها كأن أحمل ديواناً معي أو شريط أغنية ، عبث في عبث ! بل إنني حتى حاولت أن أجيب على أسئلتك شعراً موزوناً ومقفىً وأكثر من هذا حاولتُ أن أجعل أسئلتك تنتمي للشعر أو النظم على الأقل بوضع أوزان متعددة لها تبعاً لما تسمح به طريقتك في طرح الأسئلة !!

طبعاً أمزح معك ...

في الحقيقة الشعر والأدب والفن عموماً يخفي سراً هائلاً في قدرته على بث الحماس من أجل العيش ،

العيش على مستوى أعمق وأرقى وزرع قوة روحية في كيان الشاعر والمتلقي لأجل احتمال آلام الحياة وما فيها من إحباطات وقلق وأزمات فأنا حيوانٌ مثخن بالجروح حسب تعبير نيتشه وأما الشعر والفن والأدب عامة فهو البلسم رغم أنه ليس كذلك دائماً

وأما مشاكسات الطفولة والصبى ـ وما أكثرها ! ـ فهي مازالت  تلازمني ولكن بعد أن تحورتْ أو تسللت خفية وربما جهرة كحشد من عازفي كمنجات ونافخي أبواق ومنشدات وراقصات من مسرح الواقع إلى مسرح الورقة .

كان عمري خمس سنوات حين انتقلت عائلتنا من قرية أبو غريب غربي بغداد حيث ودّعنا زقورة عقرقوف ومبنى الإذاعة  وأعشاش اللقالق والبساتين المطهمة بأنواع الفواكه والثمار والطيور إلى مدينة المأمون المجاورة للعامرية واليرموك والمنصور وجامع أم الطبول وحي العامل وتمثال عباس بن فرناس !

س2:  مذا تعني لك (الــنبة)  وهل  كنت تذهب للسباحة تحت جسر الرصافة ؟

الجِنْبة بِرْكة لا نعلم لحد الآن من أين تتغذى على الماء فماؤها من المياه الجوفية أغلب الظن وهي تقع في مساحة فارغة بين شارع المطار في بغداد وحي المأمون على الطرف المجاور وكان ينبت على أطرافها القصب وإلى هناك عندما كنا فتياناً كنا نهبُّ وبسبب الحر في الصيف كنا ( نطبِّش ) على الجرف كل ظهيرة تقريباً حتى تمكنا من إتقان العوم وقطع الجنبة سباحة جيئة وذهاباً وأما عن جسر الرصافة فقد سبحتُ تحت هذا الجسر في منتصف السبعينيات مع أقراني وكدنا نغرق بسبب التعب وما يغرينا من موج بالتمادي في السباحة حتى منتصف النهر وهذه كانت تُعتبر مخاطرة وقتها !

وبمناسبة الكلام عن جسر الرصافة فقد كان لي أخ أكبر مني بسنتين مات وهو في الخامسة من العمر ولا أتذكر ملامحه فهو يمر في مخيلتي كالطيف أو الحلم الخاطف ، أخي هذا كان اسمه مؤيد وبعد سنوات طويلة جاء إلى الحياة أخ آخر لي سمّته العائلة مؤيد كذلك تيمناً باسم الأخ الراحل السابق ، ومؤيد وهو أصغر مني بحدود عشر سنوات ، غرق في منطقة قريبة من جسر الرصافة حين كان يافعاً وغرق معه صديقه أخو الراعية نازك جيراننا وقد عرفتُ بغرقهما هنا في ألمانيا قبل عشرين عاماً تقريباً

هل تلاحظْ ؟ فهناك ما يشبه السحر في الإسم وغرابة الحالة !

س3:  ماذا كانت تعني لك راعية الغنم وقطيعها عندما كنت تصاحبها في بر العامرية في كثير من الأحيان وماذا يقول لك مزمارها ؟

كان جيراننا في منتصف ستينيات القرن الماضي يربون الأغنام والماعز في حضيرة جنب بيتهم الكبير قبل أن تصدر الدولة قراراً بمنع تربية المواشي داخل المدن وكانت نازك البنت الكبرى لهذه العائلة تخرج بالقطيع كل صباح وتعود في الظهيرة وكنا نصحب هذا القطيع نحن الصغار مفتونين بذلك العالم وغموضه وكثيراً ما شاهدت حالات ولادة لأغنام وماعز في أحضان البر الأخضر القاتم أو المشبع بالضوء وبالنسبة لطفل مثلي كان هذا يعني حالة أدنى إلى الغبطة فهي انقطاع وتلاشٍ في الطبيعة بكل ما تحمله من فتنة في خاطر صبي وفي الحقيقة كنت أحس كما لو أني جزء من هذا القطيع المغتبط بالسير والرعي في البر المفتوح والخضرة الممتدة حتى الأفق وأتذكر الحالة عندما كان يتناطح كبشان في فترة التزاوج وحيث الراعية تمسك بقرنيْ أحدهما ليتوقفا وهي تصيح به : أخوك ، أخوك ! وعدة مرات نطحها الكبشان فعادت للبيت وهي تضع يدها على خصرها وتشكو من الأوجاع ! وأيضاً أجراس الماعز المتدلية من أعناقها وهي تلون الحياة من حولنا بجمالية غريبة وترانيم شجية ولهى ، تدفع مثلي لعالم شاعري منهِكٍ وارتعاش الروح ببراءة نادرة ، خاصةً عندما تعلن هذه الأجراس بأن القطيع عائد للحضيرة فثمة مشهد لا ينسى من فرط عذوبته إذ أن الأخت الصغرى للراعية في البيت كانت كلما سمعتْ رنين الأجراس الصغيرة للماعز ، تطلق الحملان الجائعة والمتشوقة تشوقاً عجيباً لأمهاتها من الحضيرة فتتراكض نحوها على الطريق البري في رقصة مرحة مجنونة فالحيوان عادة إذا جاع فإنه ينطلق إلى طعامه بأقصى سرعة ممكنة سالكاً أقصر الطرق وهذه فطرة ولكن الذي شاهدته هو أن الحملان الوديعة وبسبب سرورها وفرحها بلقاء أمهاتها كانت تركض نحوهن متراقصةً يميناً وشمالاً أي بخطوط هي ليست أقصر المسافات !

بل ( متقافزة هنا وهناك ) حسب تعبير الراحل الماغوط ، وكم وددتُ لو أني أستطع رسم هذا المشهد على الورق بكل هيَفهِ وهذه كانت بعض مزامير الطبيعة وجرح الطفولة البهي

( ولكن لمن تقرأ مزاميرك يا داوود !؟ )

س4: متى بدأت تكتب الشعر ولمن قرأتَ أول قصيدة كتبتها ؟

صرختي بعد الولادة ،

تلك الصرخة الكونية الغامضة

كانت أولى أعمالي الشعرية

ــــــــــ

كان المقطع أعلاه من قصيدة نثر كتبتها مؤخراً .

أنا مذهول بالكون وبذاتي أشد الذهول ولولا تعقيدات المدينة ومستلزمات العيش لكرستُ حياتي بأكملها لجنون المعرفة ومنها الشعر والفن والأدب ومع ذلك أعيش في حالات كثيرة أشكالاً من الوجد الصوفي أو الإنخطاف ( نحن في نشوة لو يعرفها عنا الملوك لقاتلونا عليها بالسيوف ) بتعبير الحلاج وأضيف إلى الملوك والزعماء أصحابَ المليارات والإمبراطوريات الإعلامية والتقنيات الحديثة فيا لبؤسهم وهم محرومون من أعظم النشوات والغبطات !

في السابعة عشر على وجه التقريب بدأت بكتابة الشعر وطبيعي كانت كتاباتي رومانسية ساذجة رغم أنها كانت موزونة بشكل جيد وعلى السليقة وأتذكّر أني كنت كثير الإحتفاء بالطبيعة وتلوين شعري بمباهجها وقد عرضتُ بعض هذه القصائد بخجل على شاعر شاب لطيف في حيِّنا وأتذكر فقط اسمه الأول ( عادل ) فقال لي إنك موهوب ، ونصحني بمطالعة الشعر العربي القديم وإجادة النحو والقراءة للسياب ونازك والبياتي وكان قد عُرف في منطقتنا على أنه شاعر غير أن الحياة لم تمنحه فرصة الإستمرار في الحياة والتعبير حيث خطفه الموت مبكراً في حرب الخليج الأولى مع الأسف

س5:  ماهي حكايتك مع معهد الادارة ، لماذا لم تكمل الدراسة فيه ؟؟

أولاً أحب يا عزيزي أن أشير إلى الخطأ الفادح في مناهجنا التعليمية التي تفصْل المعرفة إلى فروع ، فرع أدبي وآخر علمي فتُخرِّج أنصاف متعلمين فيما الأمر يختلف كلياً في البلدان المتقدمة فمعارف الطالب وهو في المرحلة الثانوية في البلدان الأوروبية مثلاً معارف تتسم بالتنوع فهو يخوض معك بالحديث عن الإلياذة والأوذيسة ودانتي وأعمال شكسبير وغوته بمقدرة ملحوظة وبالحماس نفسه الذي يخوض فيه بالحديث عن قوانين نيوتن ونظريات آينشتاين وداروين وماركوني وعلوم الفضاء وهندسة الجينات وغير ذلك ، وأنا كانت دراستي في الفرع الأدبي وكان معدلي في امتحانات البكلوريا تسعة وستين كما أتذكر وكان هذا في العام 1979 يؤهلني للدراسة في كلية القانون والسياسة أو الإدارة والإقتصاد أو على الأقل في كلية الآداب ولكن لأسباب ربما يعرفها حزب النظام وحده ومعه المنظمة الحزبية فرزوني لمعهد الإدارة والإقتصاد وهذا المعهد كان في بداية ثمانينيات القرن الفائت عُشاً لكلاب المخابرات ومرتزقة الإتحاد الوطني والجيش الشعبي وكنا وفي قاعات الدرس نسمع عبارات في منتهى الفجاجة والسوقية من قبل عميد المعهد وهو يهدد ويتوعد الطلبة إذا لم يعبِّروا عن ولائهم للنظام البائد خصوصاً ، والمعهد كانت فيه نسبة لا بأس بها من الطالبات لهذا فقد كان من العيب وانعدام الذوق التلفظ أمامهن بألفاظ غليظة شوارعية ثم إنه لا سبب كان يدعو لذلك سوى أنهم يأخذون الناس على الظن فبقينا ننظر لبعضنا البعض خلسة من بين المقاعد شاعرين باليأس والغثيان من سبابهم ونفاجتهم وكانت هذه في بداية دوامي في المعهد فأجّلتُ الدراسة لمدة عام ( لأسباب صحية ) على أمل أن لا تجبرني الخدمة العسكرية على المشاركة في حرب النظام المفتعلة مع إيران فلم يكن ثمة عراقي واحد ـ وأولهم كابينة الحكم ـ يتصور أن الحرب ستستغرق سنة مثلاً فكيف بثماني سنوات !؟ وأتذكر الآن وأنا أبتسم بمرارةٍ سيارات الماليبو التي كانت تُمنح لعوائل ضحايا الحرب حيث اعتقد النظام أن الحرب ستكون نزهة لهذا فألف سيارة أو ألفان أو ثلاثة آلاف لن تؤثر على ميزانية الدولة !

أقول لم ينفعني التأجيل ولا الدراسة المتلكئة ولا محاولات التمويه والتحايل على اتحاد الطلبة فما لم تكن مخلصاً للنظام وجرائمه فمصيرك الخطوط الأمامية والموت المحقق ، فحاول  إتحاد الطلبة بشكل غير مباشر التلميح لنا بالإنضمام للكلية العسكرية والتخرج كضباط خلال أربعة أشهر من خلال دورات سمّوها مكثفة أو مركّزة وكانت رتبة ضابط في الجيش تعني الإمتيازات الكبيرة في ذلك الوقت ولكننا عرفنا أنه الفخ فهم كانوا يحتاجون إلى جنود وضباط على عجل لسد الثغرات الكبيرة التي ولّدتها الخسائر والهروب من الجبهات فلم أصغ لهم ومرة طالبونا بإجراء دورات في التدريب على السلاح وركَّبوا في رؤوسنا تهماً باطلة فكانت النتيجة هي الإلتحاق بالجيش والتهيؤ لهجوم إيراني وشيك في قاطع علي الغربي بالعمارة وكان ذلك في عطلة الصيف فكانت تلك العطلة بداية تحول كبير في حياتي حيث تمردتُ ولم أشارك وتخفيتُ ببغداد في بيتنا وبيوت عدد من الأصدقاء الرافضين للحرب والمتخلفين عن الخدمة ثم التحقتُ نادماً حسب لغة السلطة آنذاك بعد أن ضيقوا علينا الخناق وهناك من الجبهة والخطوط الأمامية في بنجوين خططتُ لعبور منطقة الحجاب أو الساتر إلى إيران ففعلتُ ذلك في ليلة قمراء تارةً وماطرة تارةً أخرى حيث كان من شبه المحال عبور حدود العراق من جهاته الأربعة فهي كانت محكمة الإغلاق ومزروعة بخنازير المخابرات والأمن وحرس الحدود بل إنهم جنّدوا الكثير البدو كما نعرف كعملاء وزودوهم بالسلاح

 س7 : سامي العامري أنت شاعر مرهف الحس وكاتب جميل العبارة وبارع في انتقاء الكلمات النعناعية , نريد التعرف على سامي العامري الانسان البسيط لا سامي العامري الشاعر ؟

شكراً لك صديقي :

( زينُ الشباب أبو فراسٍ لم يُمَتَّعْ بالشبابِ ) !

آلمني كثيراً في بدايات وجودي في ألمانيا أنهم في مركز استقبال اللاجئين في مدينة نورنبرغ وزعونا عشوائياً على أبنية مخصوصة لسكنى اللاجئين في مدن وقرىً ألمانية مختلفة بانتظار البت في أمر قبولنا كلاجئين في هذا البلد ولسوء طالعي كانت حصتي قرية صغيرة على حدود النمسا فحملَنا باصٌ إلى هناك وكنا فقط من الرجال ومن قوميات مختلفة عربية ، كردية ، آسيوية ، أفريقية وبولونية ، وأهالي القرية في البداية رحبوا بنا وتقربوا منا وحاولوا تفهم ظروف مجيئنا إلى بلدهم وعملوا لنا دعوات عشاء وحفلات غنائية وثقافية متنوعة ولكن التخلُّف هو التخلُّف فقد هرع أغلب هؤلاء الرجال اللاجئين إلى المرقص الوحيد في القرية كل مساء ومعروفٌ بمَ يفكر الكثير من اللاجئين وعلى أية حال ضجّ أهالي القرية منا قليلاً قليلاً وضاقوا بنا فقاطعونا بل ضربوا العديد من اللاجئين ضرباً مبرحاً وسخرتْ منا صحافتُهم المحلية ممّا حوَّلَنا إلى مصدر للتندُّر ، تصورْ !

وحاولتُ الإنتقال إلى مدينة أخرى ولكن هذا لم يكن ممكناً فلم يعد أمامي إلإ الركون للخمر بانتظار ضوء ما يسكبه ملاك من بين السحب وكنتُ لأسباب روحية فشلتُ بمعرفتها أتحمَّمُ ثلاث مرات في اليوم وأحياناً أكثر من ذلك ولم تتخلل تلك الفترة لمحةٌ شاعرية ملفتة لكي تستثيرني فأكتب عنها برقّة ، إنه كابوسٌ فعلي قابلته بتمرد واحتجاج على الورق غير أني اكتشفتُ لاحقاً أنه صراخٌ سطحي وليس ناضجاً فغضضتُ النظر عنه ما خلا بعض اللمحات الشفيفة التي كانت تبزغ من داخل كياني وهي من بقايا ماضٍ بعيد جداً

ومن ناحية أخرى أنا الآتي من بلدان الكبت والفهم الكسيح  للدين ، أثّرَ في نفسي عدم تطميني لرغبتي الجسدية واشمئزازي ممَّن حولي ومن كل الناس في القرية فمرةً جاء خوري القرية أو قسِّيسها إلى بنايتنا ليفضَّ عراكاً نشبَ بين لاجىء عربي وآخر تركي بسبب امرأة !

وكان هذا الأمر محرِجاً جداً

ناهيك عن أمور شخصية ، منها رؤيتي لحماسي السابق وهو يتبدّدُ ، حماسي من أجل السعي للحصول على شهادة عليا في الأدب المقارن مثلاً ولم يكن لي صديق إلا الدانوب القريب والذي كنت أبثّ أمواجه المتلألئة شجوني وأحزاني كلما هبط الليل

وعلى هذا المنوال استمرت تلك الحال قرابة سنة وأربعة شهور حتى حصلتُ على الموافقة بقبولي كلاجىء سياسي وعندها فقط استطعتُ التنقل في مدن كبيرة واسعة وتعرفتُ أخيراً على بشر مختلفين وإمكانات كثيرة وتنفستُ هواءً نقياً ولكن التجربة السابقة في القرية كانت قد نالت من نفسي وخلَّفتْ في الروح ندوباً لم أستطع إزالتها إلا بعد سنوات وسنوات أنا الإنسان الحساس الذي كنتُ أطمح أن أجد عزاءً وسلوى في وصولي إلى بلد أوروبي ،

وهذه الحقيقة لم أصرِح بها أمام أحدٍ سواك !

وعلى أية حال ، لقد مضى على هذه الذكرى أكثر من ربع قرن

ومنها تعلَّمتُ أني سأواصل حياتي مهما حدث ولن أشكو أو أتذمر

والآن وفي هذه اللحظة أتأمَّل كل تلك المِحَن التي مررت بها وأنا شاب يافع فأبتسم لانهيارها على قامتي دفعةً واحدة انهيارَ جبلٍ من صقيع !

وما أريد قوله أيضاً هو أني بعد ثلاث سنوات من وجودي هنا استطعتُ تعلم اللغة الألمانية والإختلاط بالناس ومحاولة التعرف أكثر فأكثر على كيفية تفكيرهم وما يحبون وما لا يحبون وعاداتهم وطقوسهم ففي السنتين الأولَيَين من وجودي في ألمانيا أي عامي 1986 و 1987 كنتُ أتحدث الإنكليزية مع الناس غير أني اكتشفتُ أن الألماني يعتز بوطنه وثقافته القومية لذا فهو يفضل أن تتحدث بلغته حتى وإن كانت ركيكة ومليئة بالأخطاء النحوية على أن تتحدث بلغة أجنبية كالإنكليزية مثلاً ، علماً أن الكثير من الألمان يتكلمون الإنكليزية بإتقان وكذلك الفرنسية وحين عرفتُ هذا المجتمع عرفتُ شكل الحياة التي تنتظرني فتواءمتُ مع حياة بسيطة زاهدة ولكن ليست عابثة مهمِلة إلا عبر خمسة أعوام عشتُ فيها التشرد والصعلكة عدا هذا فحياتي هي أقرب إلى التصوف الواعي إن جاز التعبير فأنا في حوار شبه دائم مع الله والتأمل بفكرة الموت والجمال والمصير النهائي للعالم ،

وتلاحظ لجوئي التلقائي إلى نقل النكتة والخبر المرح والصور الطريفة النادرة التي تنتمي لفن خداع البصر في صفحتي على الفيس بوك مثلاً وكل هذا تستطيع اعتباره جزءاً من استراحتي العقلية فأنا كثير التأمل وقارىء نهم أقرأ أكثر من عشر ساعات يومياً وفي شتى التخصصات وأفعل هذا منذ أكثر من ثلاثين عاماً طالما لدي الكتب الجديدة والمثيرة لفضولي المعرفي واليوم وبفعل الإمكانات الهائلة التي يقدمها النت فالذي يعيقني عن الإستمرار في القراءة هو التعب الجسدي أو تعب البصر وفي السابق كنتُ أريح ذهني وذاكرتي من الإجهاد عن طريق التخطيط الفني ونفذتُ الكثير من التخطيطات في حياتي غير أني لم أحتفظ إلا بالقليل منها ، وهي هواية شخصية تخصني وحدي أمارسها منذ سنين طويلة نسبياً وأحياناً أدعو كؤوس النبيذ ولكن صحتي واعتبارات العمر نوعاً ما لم تعودا تسمحان بذلك إلا نادراً لهذا ألجأ كما أسلفتُ إلى الطرفة البريئة أو القوية اللاذعة وأتبادلها مع الأصدقاء وكل هذا له علاقة مباشرة بنشأتي والبيئة التي ترعرعتُ فيها وطبيعة أصحابي القدامى ولطافتهم .

كل ما أريده في حياتي هو السيجارة والقهوة والإنترنت وقليل من النبيذ أحياناً وحديقة عامة أتجول فيها ثم صديقة أزورها وتزورني بين الحين والآخر ! هل أعجبك ؟ فكم أنا خفيف الظل على الدنيا إذاً ، أنا الذي أحمل في وعيي هموماً أثقل من جبال البيرانس ؟

س8 : لماذا أراك في بعض الأحيان باكياً ملتاعاً في أحلامك وفي يقظتك وعندما تمشي أو تقعد ، هكذا تحدثني سطور كتاباتك أو يخال لي هذا أحياناً ، هل تندب أملاً لم يسطع في دروب حياتك أو خــلاً خانك أو حباً لم يكتب له النجاح ؟؟

أها ، في بداية محاولاتي مع قصيدة النثر في منتصف الثمانينيات جرَّبتُ الكتابة على غرار أسلوب الماغوط فقد مدحه الكثير من المثقفين أمامي في مركز اللاجئين بطهران فكتبتُ نصوصاً نثرية احتجاجية عالية النبرة وبحكم تجربتي القاسية أيضاً في السجن والجيش والجبهة وسوء المعاملة لاحقاً من قبل الجانب الإيراني لي ولأغلب العراقيين الذين لم يتناغموا مع توجهات نظام طائفي قمعي سلفي كالنظام الإيراني إلا أنني وجدتني لا أجيد هذا اللون من الشعر ثم إنه لا يعكس ما يجيش في كياني صور وأحلام كما أسلفتُ في ردي على سؤالك السابق ويوماً ما قررتُ بأن الحل الأنجع هو الحب وفي أكنافه سأنتقم لنفسي من هذا العالم اللئيم !

وبالفعل تعرفتُ ذات صباح على فتاة ألمانية يهودية عن طريق المصادفة ، والرائع فيها وفيّ أنني ما عرفتُ أنها يهودية إلا بعد مرور شهرين على علاقتنا وهي أيضاً لم تخبرني لأنه لم تكن هناك ضرورة أو سياق يستدعي قولها بأنها يهودية إلا حين تعرض الفلسطينيون إلى قصف عنيف من دبابات وطائرات إسرائيلية وكنت أصغي معها وأرى ذلك في التلفزيون فسبَبْتُ الإسرائيليين واليهود معاً ! وكنتُ بالفعل غاضباً جداً بسبب الضحايا والخراب وكنتُ أيضاً لم أزل شاباً لا أجيد الخوض في السياسة ومكر الساسة إلا بلغة انفعالية فقالت لي بعتاب : لا تُسبَّ اليهود أرجوك فأنا يهودية ! فاعتذرتُ لها وبينتُ وجهة نظري فقبلتْ عذري ثم انتقلنا بكل رشاقة إلى موضوع آخر ... تلك الفتاة أفادتني بقدر ما أفدتها معنوياً وروحياً وكانت متحررة جداً وهذا ما أفادني كذلك وعلمني قيمة الجرأة وضرورتها للنجاح في مجتمع رأسمالي مادي أو للإفلات من قبضته على الأقل ... !

ويوماً ما فاجأتني بتصرف غريب عليَّ حيث زارتها صديقة لها لم تلتقِ بها منذ شهور فدخلتُ البيتَ فوجدتهما معاً عاريتين على السرير !

ووسط دهشتي قالت لي : أنا مثلية وصديقتي أيضاً ثم مدت لي صديقتها يدها فارتبكتُ ولم أدر كيف أتصرف ولكني أتذكر أني شتمتهما وخرجتُ من الشقة على الفور وكان الوقتُ ليلاً وبقيتُ سهران في إحدى الحانات وبعدها انفصلنا !

وقد كتبتُ وقتذاك عدة قصائد عن تلك التجربة منها قصائد عمودية ومنها قصائد تفعيلة.

وكانت لي علاقتان مع أديبتين عراقيتين واحدة منهما التقيتها فيما بعد وكان القاء حاراً ولكننا لم نستمر نظراً لظروف صديقتي العائلية التي أحترمها فانفصنا بأسلوب متحضر أي دون زعل من بعضنا ومما كتبته عن تلك العلاقة :

أسرارُنا تتوالى

والدربُ قيل وقالا

فالحبُّ أينعَ كرمةً

في الخافقَين فمالا

 

وزها كسنبلِ دجلةٍ

وكبرتقالِ ديالى

ما ضرَّني أو ضرّها

وقضى الإلهُ وصالا ؟

وإذا قضى أمراً وفى

سبحانهُ وتعالى !

ــــــــ

في الواقع شغلتْ المرأة حيزاً مهماً من تفكيري وقد سئمتُ مبالغات رجال الشرق في هذا المضمار وحتى الكثير من المثقفين منهم وما ينسبونه لأنفسهم من ( أمجاد ) عاطفية ومغامرات جسدية فتحس وأنت تصغي لهم وكأنك تستمع إلى حكايات ألف ليلة وليلة ، هذا بدلاً من محاولتهم تشخيص المشكلة واقتراح حلول واقعية لها ،

يقول أدونيس وهو مُحِقٌّ :

( من أعقد المشكلات عندنا وأشدها إلحاحاً هي مشكلة الجنس )

وحين يسأله المُحاوِر عن الحل برأيه ، يجيب بما معناه : لو عرفنا السبب كما عرفه رامبو لما كان لهذه أن تصبح مشكلة ، يقول رامبو : ( يسوع ، يا لِصّاً أزلياً يسلبُ البشرَ نشاطهم ) .

ومن ناحيتي فأنا لم أكن أريد في حياتي غير امرأة واحدة متفهمة أعيش معها الحب بأسمى معانيه غير أنني لم أعثر على المرأة الحلم تماماً وربما هي محنة الشاعر أو الفنان على طول الخط ولكن لا بأس فهذا الأمر لم يمنع قلبي من التدفق بالحب دوماً فكل الذي يحتاجه امرؤ مثلي هو النظرة العميقة للأشياء وكيفية إغرائها كي تمتثل له فتتعرى أمامه ، هذه النظرة الذاهلة هي التي تجعلني أصيح بأن هذا العالم جميل رغم كل شيء وأن الحياة مليئة بالحياة .

وجل ما أطمح إليه هو الإحتفاظ بهذه النظرة الشرسة الوديعة للأشياء ، هذه النظرة التي ترسلني إلى ممالك خارج الزمن ومعاييره حيث ثوانيه قرون من الروعة وإلا فأنا عارف بأني فانٍ ومن حولي فانٍ وما حولي فانٍ معي ، وللمتنبي بيتٌ ضمن قصيدته الفذة الشهيرة التي مطلعها :

ما لنا كلُّنا جَوٍِ يا رسولُ

أنا أهوى وقلبك المتبولُ ؟

ــــــــ

يقول فيه وهو يشير إلى الإنسان القاطن في الدنيا وهو على وشك مفارقتها بأن من رأى الدنيا بعينها أي من صوَّر نفسَه في مكانها ورأى أهلها وهم على وشك توديعها شاقه النظر إليهم مثلما يشوقه النظر إلى حُمول الراحلين ويعني بالحمول الأبل التي تحمل الهوادج وأما القُطّان فهم القاطنون :

من رآها بعينها شاقَه القُطّا

نُ فيها كما تشوقُ الحُمولُ

س9:  لنعد حيث ابتدأنا  فعنوان الحوار هو ( ثلاثون عاماً على بوهيمية العامري )   وأنا هنا أريدك أن تبين لنا من أين جاء هذا المصطلح وماذا يعني ومن تبناه وهل يحق لنا أن نطلقه على كل كاتب يخرج عن المألوف بوعي أم بغير وعي ؟

نعم ، المصطلح فرنسي قُح ! وقد كان يعني ما هو قريب من عالم اللامسؤولية وحياة الغجر في منطقة بوهيميا التي هي اليوم جمهورية التشيك ثم اتسع استخدام المصطلح لدى الفنانين والأدباء فصار يعني الحرية المطلقة في التفكير والسلوك وعدم الإمتثال لأعراف المجتمع ومن الكتاب المعروفين في هذا النمط من العيش والإبداع هنري ميلر وجان جينيه وقبلهما فيكتور هيجو وغيرهم وأنا أردتُ بالبوهيميا الحرية الفكرية وحرية التعبير بالطبع .

س ـ هل مازلت تتحين الفرصة لزيارة العراق ومدينة الطفولة بغداد ؟

نعم المشكلة الكبيرة الأخرى تتمثل في أن السياسي قتل عندي أو يكاد أجملَ شعور كنت أحتفظ به لسنوات طوال ألا وهو الحنين لوطن جميل معافى مسالم مزدهر فهل أحنّ إلى سجن وإلى أرصفة قاذورات وإلى قائمة ممنوعات سخيفة جداً وكأن الحياة عقوبة وأشغال شاقة مؤبدة بدلاً من أن تكون فرصة للإستمتاع والفرح والتأمل ؟

أتذكّر أني زرتُ أربيل بعد ربع قرن من حياة المنفى وكانت الزيارة للقاء صديقتي الأديبة هناك وبالفعل بقينا معاً هناك لمدة أسبوعين  وزرنا اتحاد الكتاب والأدباء في أربيل فأكرمونا وكنا نتمشى بين الحين والآخر في المدينة لإعادة اكتشافها بالنسبة لي على الأقل !

وقد أذهلتني حركةُ العمران فيها ومدى اتساعها ووفرة البضائع والسيولة النقدية وقسط الحرية التي يتمتع بها الناس هناك ورغم سروري بذلك إلا أني فكرتُ بأسف لماذا في كردستان فقط وليس في العراق كله ؟ وهذا مثال واحد .

س 10 : قلت لي مرة إنك بحاجة إلى عصا ....فسألتك " لتهش بها على غنمك ؟؟"  فقلتَ لا بل على بجعاتي !.....هل سرب البجع هذا سرب مشاكسٌ وهل تجد فيه ما يعوضك عن الشريك الأنيس ؟؟

يا كناني يا كناني بل هو الشريك الأنيس !؟

البجع طائر رهيب الجمال سواء في طيرانه أو رشاقته أو سمفونيته وهو يعتزم الرحيل بإشارة من قائد يتقدم صفوف البجعات ولا قائد أوركسترا وهذا ما شاهدته بخشوع لأول مرة في بحيرة من بحيرات هامبورغ عام 1988 نعم ومنذ ذلك الوقت دخل البجع في قائمة مقتنَصاتي الشعرية فهو يتكرر في قصائدي وكتاباتي بحالات مختلفة إلى أن تمثل لي بشراً سوياً وأعني امرأة عاشقة !

 

س11:  أين يجد سامي العامري نفسه .... بين ذراعي امرأة جميلة أم بين دفتي كتاب وأيهما يحدث " نغنشه " في نفسك ؟؟

هناك ما يشبه التناسخ الروحي فيما بين المرأة المُحِبة والكتاب الجميل فكلاهما مهلِم وكلاهما حنون وكلاهما حميمي ويبعث على الشعور بالإمتلاء والبهجة ومعانقة أشياء الكون كلها .

س12 : أنت تكتب كل أجناس الشعر والنصوص الأدبية وغير الأدبية ولك إصدارات جميلة وهنا أريد أن أعرف عدد إصداراتك وكيف تكونت لديك فكرة كتابة ( حديث مع ربة الشفاء ) ومتى بدأت بكتابتها بالضبط ثم مشاريعك الأدبية القادمة ؟؟

شكراً لك عزيزي الكناني الرائع

أصدرتُ لحد الآن أربعة دواوين ومجموعة قصصية ورواية وأما عن مشاريعي القادمة فعندي خمس مجموعات شعرية كمخطوطات إليكترونية إن صح التعبير وكلها جاهزة للطبع مع مجموعة قصصية على لسان الحيوان وكتاب هو عبارة عن أفكار وتأملات في الحياة والموت والوعي والفناء بالمعنى الصوفي وما إليه

وأما ( ربة الشفاء ) فقد بدأتُ بكتابتها بعد وفاة صديقتي الألمانية ريتا التي أهديتها هذا الكتاب الذي هو في حقيقته رواية مكتملة الشروط غير أني ورغبة مني بالتجديد غيرتُ جنس الكتاب من رواية إلى كتاب شعري قصصي نثري

وذلك لظني بأن اسم ( رواية ) بات مستهلكاً وقد تبين لي خطأ رأيي لاحقاً ولكن إذا طبعته مرة أخرى فسأطلق عليه رواية وأما عن الإلهام الذي دفعني لكتابتها فهو تم بوحي من تقديري الكبير لهذه الإنسانة النبيلة حيث تأثرتُ كثيراً بموتها المفاجىء وهي التي ما كانت تشكو من مرض خطير أبداً سوى بعض الآلام في المفاصل وعلى فترات متباعدة وأغرب ما في هذه التجربة أن صديقتي وهي التي عشتُ معها عشر سنوات قالت لي قبل وفاتها بيوم واحد : سامي أعتقد بأني سأموت !

فقلتُ لها وأنا أمزح : لا تقلقي فالموت يخاف الأميرات !

والرواية تتحدث عن مثقف أجنبي يتعرض لأزمات فكرية وروحية فيدخل المشفى وبحكم خبرته السابقة لا يرى جدوى من الإصغاء لآراء الأطباء ونصائحهم التي هي جديرة بالمرضى النفسيين في حالاتهم المُشَخَّصة المعروفة لذا فهو دخل المشفى للإستراحة لا للإستشارة ،

إنه مثقف مهموم وهمومه كونية ومجروح عميقاً وكانت خاتمة جروحه فراقه لصديقته التي كانت بمثابة شريكة حياته وطبعاً لغة الرواية تجنح للمرح أيضاً وتتخللها المواقف الطريفة والجادة في ذات الوقت حيث يستلهم بطلُها ومن خلال نافذة المشفى ربة هي ملاك نوراني غاية في البهاء والحكمة والتسامح بل والديمقراطية ! فيحدِّثها كل يوم عن آلامه وتجاربه وأحلامه وهي تعطي رأيها وتحاوره حواراً عقلانياً وشاعرياً في الوقت نفسه .

س13 :  هل مارست النقد وهل أنصفك النقاد ؟؟

كل شاعر حقيقي هو ناقد حقيقي ، والكتابة الشعرية هي عملية نقدية بأروع صورها وأنضج تجلياتها ولكن الخطاب النقدي اليوم هو خطابٌ مُزرٍ كلياً فأنا شخصياً لا أؤمن تماماً بكتابات ناقد لم يتوصل يوماً من الأيام إلى كتابة قصيدة متميزة كما فعل الكثير من أسلافنا النقاد . وعليه فالتنظير الشبيه بالشرح المدرسي لا يروق لي فالنقد لا بد وأن يكون مصحوباً بأمثلة وإحالات ودفق روحي وعاطفي وتوتر ولغة رائقة حتى وهو يتناول مادة شعرية أو قصصية باردة أو كئيبة فاللغة الهفهافة أو الأريحية والإقتباسات والإستشهادات لشعراء ومفكرين وأدباء وعلماء من هذا العصر وغير هذا العصر ومن هذا الوطن وغيره هي ما يساهم بفاعلية في جذب القراء للنص النقدي وبالتالي للنص الإبداعي كالنحل ينجذب عفوياً نحو شجرة أكاسيا

وسيسجل التأريخ بأن أكثر فترات النقد ظلامية وتطفلاً وانفلاتاً وتغييباً متعمَّداً هي الفترة التي تمتد منذ بداية تسعينيات القرن الفائت لحد اليوم

ولعل أطرف ما في نقادنا المعاصرين هو بحثهم الدائب عمن يكتب عنهم !! فكيف وما الذي ترجوه من ناقد يطمح بالدعاية الدائمة لنفسه هو الآخر ؟ هذا ما نتفرَّد به نحن عن جميع الثقافات في مجال الأدب ونقده فالناقد يكتب عن الشاعر مديحاً شريطة أن يهلل له الشاعر ويثني على إمكاناته الإستثنائية في نقد النص الشعري أو الأدبي ونقد النقد وابتكاره منهجاً تحليلياً فريداً إلخ ... ولا أريد أن أعمم ولكن هذا هو ديدن الغالبية التي كلما قرأتُ سطرين من متابعة أو دراسة نقدية لها فإني أرمي ما أقرأ جانباً وأتذكر بحزنٍ نقادَ الستينيات الكبار مثلاً وحتى السبعينيات فكيف ترى سينصفك من يسمّون بنقّاد اليوم وأنت الأعزل إلا من نقائك وكبريائك وطيبتك ؟

س ـ أين تنشر حالياً

لم أعد أنشر في الصحافة والمجلات الورقية كما في السابق على قلة ما كنتُ أنشره وإنما أنشر الشعر والمقالة منذ ما يزيد على عشر سنوات وبشكل دوريٍّ في مواقع ثقافية عربية وعراقية معروفة رغم أن عدداً من الصحف والمجلات الأدبية الورقية تنقل لصفحاتها بعض ما أنشره في المواقع بين الحين والآخر وأحس بالرضا نوعاً ما لأنني أسَّستُ لي اسماً وكوُّنتُ صداقات كثيرة مع مثقفين مرموقين .

س 14ـ ما سر امتعاضك من عراق اليوم عدا ما هو معروف عن النظام والبرلمان والإستئثار بالمناصب والوساطات والإبتزاز والطائفية والفوضى الأمنية ؟

يا صديقي تحدثتُ وكتبتُ كثيراً عن همومنا الموضوعية كشعبٍ عانى ويعاني من لعنة الحكام وعبَّرتُ عن احتقاري لكل الجهلة والمغرضين الذين يريدون العودة بالوطن إلى الوراء بدعوى الأصالة بينما هم أصلاً ليسوا بأصلاء إطلاقاً ومازلتُ أحس بالتقصير في الكتابة عن هذا الموضوع المُلحّ ولكن إذا تحدثتُ عن بعض خيبتي الشخصية من السلطة الحالية فأقول : أنا لستُ شحاذاً ولكني مواطن وشاعر وأديب يطالب على سبيل المثال بجزء يسير من حصته المقررة في كل الدساتير الكونية والوضعية وأعني المطالبة ببعض حصتي أخيراً من ثروات وطني الغني جداً بنفطه وأرضه الخصبة ولستُ على غرار السُرّاق الحرامية ممن يسرقون الوطن ليل نهار وعلى مرأى من الجميع وصمتهم وعجزهم وأية سرقات ؟ إنها محالة فهي رؤوس أموال طائلة وعقارات وغسيل أموال وعمارات وفنادق وحمايات ومزارع ومطاعم عالمية حديثة بل أنا وأنت وبقية المبدعين الشرفاء الذين ذاقوا الأمرّين على يد سلطة الدكتاتور السابق الغاشمة وتحملوا التشرد والفقر والعوز من جهة والمنافي طيلة عقود من جهة أخرى على النقيض منهم ، فنحن لا نطالب إلا بما يكفي لضمان حياة مشرِّفة تقينا العوز ولا نحتاج فيها لمِنّة من أي كائن وكذلك تمويل طباعة كتبنا وإبداعاتنا والإهتمام بها فإبداعنا هو حياتنا بأقدس معانيها فكم نحن متواضعون إذ نطالب بهذا فقط مع أننا ووفق مبدأ الأحقية والعدل خليق بكل واحد من مثقفينا الحقيقيين أن يشغل مركزاً مهماً ويكون له موقع متقدم في الدولة العراقية الحديثة ولكنها ليست دولة حداثة بل دولة راكزة في أوحال الماضي وكناسة الموروثات

وهذا ما يفعله النفاق أولاً والعبادة العمياء للنص الغيبي ثانياً دون النظر إلى تطابقهِ مع مقتضيات العصر ونزعته العلمية التي لا تعرف المجاملة على حساب الحقائق

ولهذا فلا عجب أن تولد بين ظهرانينا مسوخٌ مثل القاعدة وداعش ومأجورون من أتباع آل سعود الذين يطلقون الفتاوى المقرفة من صحرائهم ومحمياتهم الأمريكية لتصل تأثيراتها الإرهابية وظلامياتها إلى العديد من البلدان ومنها سوريا البلد الرائع الطيب بأهله وتربته ...

لقد تحول الدين إلى كابوس مرعب بالنسبة للناس عندنا وخاصة المرأة فهي الضحية الأولى له فكيف نأمل بنهوض مجتمعاتنا ونصفها الحي مشلول بل إنه أكثر وطأة من الشلل فهو التعذيب الروحي المستمر ولا يعرف عمق عذابات المرأة كالشاعر أو الفنان .

س 15ـ تعني أن السياسي عندنا يخاف المثقف ؟

بالضبط ويتآمر على قتله أو تحجيمه في أحسن الأحوال وهكذا يئِسنا من السياسي واحترامه للمثقف ودوره الريادي في المجتمع واعتباره فرداً مميزاً يرفع صوته حين يرفعه من أجل الناس والوطن ومن أجل الثقافة ، أقول يئِسنا لأن الأنانية والتكالب المخجل على الكرسي والمناصب الأخرى لدى السياسي وادعاء الشعور بالمسؤولية الوطنية والأخلاقية واحتلال قنوات التلفزيون والفضائيات وإتخامه للناس من خلالها بالوعود الكاذبة من جهة أخرى تسبب وسيتسبب بالمزيد من تدمير الإنسان والثقة به وتدمير البلد واستقراره المنشود وازدهاره بالتالي

فالمثقف الحقيقي يريد وبإخلاص المساهمة الفاعلة في إيقاف مسيل الدماء ونشر قيم السلام وترسيخها والمساهمة في تقرير مصير البلد لكنه يترفع عن التزاحم فأغلب الساسة عندنا انتهازيون ودخلاء على النضال ويجهلون جهلاً مطبقاً معنى السياسة وكيفية قيادة بلد كالعراق فقد تسللوا لمفاصل الدولة عن طريق القرابة والمحسوبية والطائفية ، والبطران فقط هو من يفكر بتطبيق مقولة الرجل المناسب في المكان المناسب وأيضاً سؤالنا الخطير للسياسي اليوم ما هي إمكاناتك المعرفية وتجاربك وخبراتك ومدى انفتاحك على ثقافات الأمم الأخرى وهل عركتك السياسة الدولية بما يكفي من أجل الإلتفاتة إلى قيمة العراق الحضارية والإقتصادية وموقعه الإستراتيجي البالغ الحيوية كي تأخذ مركز الصدارة في رسم مستقبله ؟

لرئيس وزراء فرنسا في فترة الحرب العالمية الأولى كليمنصو مقولة شهيرة : الحرب عملية جادة لدرجة لا تسمح بتركها للعسكريين فقط .

وأنا أقول : رسم مستقبل الوطن عملية جادة لا تسمح بتركها للسياسيين فقط .

وحكامنا الراهنون يستندون إلى غالبية غير متعلمة وقاعدة شعبية تحكمها الأمية والغفلة والأهواء ولم يحصل لها أن مارست شكلاً من الديمقراطية في حياتها اليومية فكيف بممارستها في الحياة السياسية ؟ وهذا يطرب الساسة لأنَّ حتفهم في يقظة الناس والشعور التأريخي بالإنتماء لوطن ينتظر من الفرد القيام بدور ما فالمواطنة تعني من بين ما تعني عدم السماح بتكرار مآسي الماضي القديم منه والمتأخر .

س16 :  وظّفتَ عرفَ الديك في العديد من قصائدك ونصوصك فلماذا عرف الديك , هل تجد فيه ما يوحي بالجمال والخيلاء والرفعة , أم إنك شديد الغيرة من الديك !؟

كانت عندي عَمّات وخالات وجدة وقريبات يأتين من قرية أبو غريب وغيرها وهن يحملن ( صوغة ) لنا كأن تكون دجاجة وكثيراً ما تتمثل بديك صغير ونأتي نحن لنطلقه في الحديقة ليسرح ويتبختر متباهياً أمام الدجاجات بصوته المراهق الساذج وهكذا يظل في حديقتنا حتى يكبر ويفور فيتلامع عرفه تحت الشمس أو ينفض غرته من حُبَيبات المطر ثم يقفز على أقرب غصن لتينة أو نارنجة أو سعفة أو شجرة رمان ليصيح بزهوٍ فتردَّ عليه ديوك الجيران وديوك أخرى من أطراف الحي

فهل بعد هذه الأنشودة الحميمة من روعة ورونق وكيف لا يتسلل الشعر إلى وجداننا مبكراً ويستنهض الجماد ؟

ــــــ

ستأتيني

وما للفجر داعِ

فحقلي دفتري أبداً

وعرفُ الديك ممحاةٌ

على رأس اليراعِ

ـــــــ

كانت هذه سطوراً من إحدى قصائدي

س17 :  لماذا تحمل على الاتحاد العام للأدباء والكتاب العراقي وعلى وزارة الثقافة بالذات ، ما الذي تريده بالضبط وأنت البعيد عن كل إرهاصات المرحلة الراهنة ؟؟

يا عزيزي الأديب القدير الكناني ، لستُ متحاملاً ولكن رغم تقنية النت والفضائيات  وغيرها مما أتاحته التكنولوجيا والذي ألغى الأزمنة والأمكنة وجعلنا قريبين من بعضنا فأنت بلا شك تبقى الأقرب إلى مثقفي الداخل مني والأقرب إلى مؤسساتهم ومنتدياتهم ونشاطاتهم بحكم أنك تعيش في مدينتك كربلاء العزيزة وتزور بغداد وبقية المحافظات كثيراً لذا ورغم تحفظي على مصطلح أدباء الداخل والخارج فأنت ترى نشاطات اتحاد الأدباء والكتاب فهي تكاد تكون مقتصرة فقط على شعراء وأدباء الداخل ناهيك عن عدم اهتمامهم بما يصدر في الخارج من نتاج أدبي وفني ومعرفي وعدم دعمه !

ثم إن تكيُّفهم مع شكل نظام الحكم الحالي ومحاولات تسويقه وتواطؤهم معه والإكتفاء فقط بالإشارات المائعة الخجولة وغير الجادة لـ ( خلل ) في أداء أعضاء البرلمان أو وزارة الثقافة هو أمر يبعث الريبة وذلك بتهوين المأساة من خلال ترك الإنطباع بأن مؤسسات الدولة سائرة في النهج الصحيح سوى بعض الثغرات الأمنية والإرهاب وهذا يمكن معالجته وهو يحصل في كل بلد خرج من معمعان حروب ودكتاتورية !!

هذه لغة وعاظ السلاطين فأين هم من سينيكا الفيلسوف الرواقي مُعلِّم نيرون ؟ وهي حِيَل وتخرُّصات لا تنطلي إلا على أصحابها الحالمين بمناصب تفوح منها رائحة الدم ومراكز غير مشرفة لأنها مبنية على جثث ملايين الضحايا الذين تحتفظ بهم الذاكرة الجمعية ولكن يبدو أن هؤلاء يبرعون وتتوهج مواهبهم عند تسلمهم منصباً في دولة هي ليست أكثر من مستعمرة لمافيات دولية محترفة وعمائم تخفي تحتها عقولاً متيبسة وقناعات متكلسة فالذي يمنع الشعب من ممارسة أبسط حقوقه وحرياته وملاحقته على شكل ملبسه وشرابه متعامياً عن قول الإمام علي ، ذلك القول الذي يؤسس للحريات الفردية بكل روعة : ( متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً ؟ ) أقول : أن من يفعل ذلك ويمنع الموسيقى بحجة تعارضها مع الشرع ناسياً موسيقى الكون الإلهية التي تتيه بنغماتها كل صباح بلابلُ وعصافير وعنادل وفواخت ودويّ الرعد وحفيف الشجر وخرير الماء ، ماذا ترجو منه ؟ وربما سيصاب بالجنون المركّب إذا أخبرته أن نقيق الضفادع ونعيب الغراب وصوت البوم ، كل هذه نوتات موسيقية تحتاج إلى رهافة خاصة لتذوقها ، رهافة لا يمتلكها من لا يفكر إلا بملء بطنه بأنواع الطيور والأسماك الملوّنة ! فهو إذا أراد تذوق الأشياء جمالياً فهنا لا بد له أن يستشير بطنه أولاً !

دعني أضرب لك مثلاً طريفاً ولكنه جاد المضمون ويعرّفك أكثر على طريقة تفكير هؤلاء وطريقة عيشهم

فقد اختلف النُحّاة حول حكم ( حتى ) وإعراب ما بعدها فقالوا في النهاية بإنه يمكن أن يكون ما بعدها مجروراً ومنصوباً ومرفوعاً ثم جاءوا بمثال هو التالي : أكلتُ السمكةَ حتى رأسِها ( بالجر ) وحتى رأسَها ( بالنصب ) وحتى رأسُها ( بالرفع ) !! لاحظ طريقتهم في التفكير والتلذذ بأكل السمك حتى رأسه !

قل لهم ألم تجدوا مثالاً آخر قريباً ويؤدي المعنى نفسه من بين آلاف الأمثلة كأن تقولوا مثلاً : قرأتُ الكتاب حتى خاتمته أو عبرتُ الجسر حتى آخره ؟

س18 :  والآن إلى أي حد أفادك الأدب الألماني والشعر الألماني ؟

شكراً ، الثقافة الألمانية دون شك عميقة عريقة وجذورها ضاربة في عمق هذه التربة التي أحيا عليها وأتنفس أطياف شعرائها الذين غادروا وأحاور أرواحهم فقد كان إعجابي شديداً بمسرحية فاوست منذ البداية وهكذا تكلم زرادشت ، وهذان العملان كنتُ أحلم أن أقرأهما بلغتهما وهذا ما فعلته لاحقاً رغم صعوبة اللغة الألمانية وكذلك قرأتُ بالعربية لمفكرين مثل نيتشه وشوبنهاور وكنت وهيكل وهايديجر وأيضاً قرأت باهتمام ومتعة أشعار نوفاليس وريلكه وهولدرلن والعديد من أعمال هيرمان هيسه وهاينرش هاينه وكونتر كراس وغيرهم ولكني بسبب الإرباك التي أفرزه عالم الإنترنت لم أطلع بما يكفي على الشعر الألماني الحديث والأدب الألماني الحديث إلا تُتَفاً من هنا وهناك وعلى العموم أستطيع القول بإخلاص بأن الثقافة الألمانية جزء مهم من مكوّني ولا أنسى عباقرة ألمانيا في الموسيقى

س19 :   بصراحة بصراحة هل تزعجك قصيدة النثر ؟؟ 

لا أبداً ولكن الجدل الذي مازال قائماً حول النص الجديد أو قصيدة النثر هو بتصوري عقيماً لأنه جدل من أجل الجدل لا سعياً وراء الحقيقة وهو بشكله المطروح يريد التعمية على حقيقة أن أغلب كتاب هذا اللون الأدبي يجهلون التراث الشعري العربي وأنا إذ أذكر هذا أشير إلى بديهة تقول أن التشكيل الحديث لا يمكن الإبداع في إطاره والإرتقاء به دون التمكن من كلاسيكياته والأمر نفسه مع الإبداع الموسيقي فالفنان العازف لا يستطيع العزف دون دراسة النوتة وهكذا وقد نجد صياغات ونصوصاً جميلة فيما نطلق عليه بقصيدة النثر الحديثة ولكن هذا نادر لأن الفعل الكتابي هنا غير محكوم بنظام وقواعد وأطُر محددة لذا فلا يمكن تطوير اللغة من داخل هذا الشكل من النصوص ومن ثم الصراع معها من أجل تدفق الصور والألفاظ والمعاني الروحية أو المضامين الفكرية لأنه لا يمكن أن يكون ثمة إبداع إستثنائي دون تحدٍّ له بالمقابل لهذا فهو وفق هذا المنظور يقرب من قانون الفعل ورد الفعل وهي عملية في جوهرها غاية في الجمال والشعور المُلذّ بتخطي عوائق جادة وإلا لأصبحت العملية سهلة تماماً كتناول صحن حساء وهي الآن بالفعل كذلك عند الكثيرين علاوة على الغموض المفتعل والتهويمات والأحاجي وهذا بدوره أساء ويسيء إلى الموهوبين في هذا المضمار الكتابي والحريصين على التألق فيما يتيحه من فضاءات فالحرية لا تعني الفوضى أو العبث وعليه فالأكاديميون على حق حين لا يستطيعون تدريس نماذج منه لطلبة الجامعات مثلاً لأنه لا منهج يحكمه ولا قانون ولو كان شكلياً والقراء معذورون حين يتذمرون من هذا التسيُّب فلغة التراث الشعري تعمق الذائقة ولا تغتفر اللغو والحشو ولا أعني بلغة التراث الوزنَ الشعري فقط وإنما الحذق في اختيار العبارة اللغوية أيضاً وعلاقتها بما قبلها وما بعدها من ناحية المعنى وصوت المفردة ومن جهتي أنا لا أنسب لنفسي هذه الفضيلة أو الميزة كاملة وإنما أكتب النص الحديث أو قصيدة النثر جنباً إلى جنب مع قصيدة التفعيلة والشعر العمودي وهذه حالة هي أقرب إلى المزاج الشخصي ذلك أن قراءاتي متنوعة وحالاتي النفسية أيضاً متغيرة متباينة وعليه فإن هذا لا بد أن ينعكس على طريقة التعبير والرؤية في لحظات الإلهام ،

ومن آخر نص نثري أقتطف هذا المقطع لما له من صلة بالموضوع الذي نحن بصدده :

قد تضيق ذرعاً بالقيود

وتتوق للحرية دونما عائق

هذا أمرٌ أفهمه

ولكنك لن تخرج بنغمة متميزة

وأنت تخلط مفاتيح البيانو مع بعضها

كما تخلط قِطَع الدومينو !

س20 :  هل لديك الخطير الخطير فيما يخص الثقافة العراقية  والعربية لتتحدث عنه للقراء بحرية  ؟؟

شكراً لك ، لا ليس عندي ولكن أردتُ أن أقول

بأني لا أحب التطرف في أي شيء ، والمسامحة دأبي لهذا فليكتب المرء ما طاب له على أن لا يعتبر الأسلوب الذي يعتمده هو الأصح وهو الشكل النهائي وخلاصة كل التجارب !

فطالما الإنسان باق فالمحاولات التجديدية باقية معه

وأريد هنا بكل محبة أن أدلو بدلوي في تبديد مخاوف وأوهام لدى البعض ممن يكتبون قصيدة النثر وهو أنهم يغضبون أو في أحسن الأحوال يستاؤون حين يطلق أحدٌ على كتاباتهم نثراً أو جنساً أدبياً جديداً وليس شعراً وكأنه يسبُّهم ! بينما لو عدنا إلى عدد من الرموز الأعلام في الأدب العربي كالجاحظ وأبي حيان وابن المقفع والهمذاني والحريري وغيرهم العشرات لرأينا أنهم لم يكونوا شعراء وإنما أدباء ولكنهم أبدعوا أيما إبداعٍ في مجال كتاباتهم الأدبية عبر مصنفات تفوق الكثير الكثير من الدواوين الشعرية العربية في عصرهم من ناحية قوة المخيلة وروعة الصياغة والبيان وجمالية الأفكار والحِِكَم الرائقة والروح التجديدية لهذا فكون هذا النص أو ذاك نثراً أو سجعاً وليس شعراً فهذا ليس إساءة بقدر ما هو تجنيس يتوخى تبويب المعارف وفرز أنماطها ولا يعني الأفضلية أو التفاضل على الإطلاق وكذلك حين ننتقل إلى أدباء المهجر مثلاً نجد أن جبران خليل وميخائيل نعيمة كانا شاعرَين ولكنهما لم يُعرفا كشاعرين بقدر ما عُرِفا كأديبين كبيرين فهل أساء هذا لهما أم أنه رفع كتاباتهما إلى مصاف العالمية وخاصة جبران ؟ وما الذي يمكن قوله عن روائع النثر لدى طه حسين والرافعي والمازني والزيات ومي زيادة وغادة السمان وعلى الوردي وهادي العلوي وغيرهم ؟

 

س ـ قل لنا كلمة أخيرة

فيمَ التعالي والتبختر أيتها الطواويس الواهمة ؟

حقاً أبقى كثيرَ العجب من القادرين على فعل الخير وجلب السرور للناس ومع ذلك يترددون في فعل ذلك

ولو أدركوا عميقاً أن معنى حياة الإنسان على الأرض تكمن في ما يقدمه من جمال وخير وفضائل لما ترددوا

وقد جربتُ هذا فاكتشفت لذة فريدة أخرى وهي أني حين أقدم جميلاً لإنسان ما فيفرح فأنا هنا أقدّم هذا الجميل لنفسي أيضاً وإلا فما سِرّ فرحي أنا الآخر ؟ وعليه فليس لي من فضل كبير على مَن أقدم له الجميل لأنه لم يكن فضلاً خالصاً مني وكيف يكون خالصاً وقد سطوتُ على نصف فرحه أو تقاسمتُه معه !

ـــــــــ

برلين

آذار ــ 2014