
دراسة اللهجات الكردية .. / د. إسماعيل قمندار
مقابلة مع المؤلف
بمناسبة صدور كتابه عن "اللهجات الكردية الجنوبية" والفيلية ، مع تمهيد موسع حول لهجات وهوية الكرد الفيليين، وعن اللك،واللر، وعن المجموعة اللهجية الكورانية- الزازائية، واختيار الأبجدية ، وتوحيد اللغة.
أجرى المقابلة في باريس د. جواد بشارة
قلما نشهد صدور كتاب بذل المؤلف من أجله عدة عقود من حياته، وكتاب " دراسة اللهجات الكردية الجنوبية" هو أحد هذه الكتب القليلة، وهو يعد من أضخم الدراسات الميدانية في مجال اللغات واللهجات الكردية والإيرانية.
وفي هذه الأيام التي تشارف صدور الكتاب في بغداد بنسخته العربية المنقحة والمزيدة ببضعة فصول ومواد إضافية قياساً بنسخته الفرنسية الصادرة في 2001 في باريس، فقد أجريت هذه المقابلة مع د. إسماعيل قمندار لإطلاع القراء على المضامين الرئيسية لهذا الكتاب الذي سيشكل منعطفاً مهماً في تعميق المعرفة في الواقع اللهجي الكردي، وإسهاماً كبيراً في عالم الدراسات الكردية والإيرانية، وإثراءً لمعلومات وثقافة قراء العربية بعلم اللغات و اللهجات وبالثقافة الكردية.
د. جواد بشارة : هل لك أن تعرض للقارئ فكرة مختصرة عن محتوى هذا الكتاب المهم؟
د. إسماعيل قمندار: تشكل دراسة النظام القواعدي لفروع ولهجات عشرات المدن والمناطق الكردية الجنوبية غير المطروقة أو المدروسة في معظمها، مثل خانقين، مندلي، إيلام، كرمنشاه، وكلام عشائر مثل كلهر، وملكشاهي، واركواز، وبيري، وكردلي، الخ، الجزء الأكبر من الكتاب الذي يبلغ عدد صفحاته الألف وأربعين صفحة. وأقصد هنا بدراسة النظام القواعدي دراسة الأنظمة الصوتية والصرفية والنحوية لهذه اللهجات. بالمقابل يمثل التمهيد الموسع بصفحاته المئة وعشرين كتاباً بحد ذاته، فهو يضم مواضيع مهمة وحساسة تتعلق بهوية بعض الشرائح الكردية التي تعرضت إلى تنظيرات وأخطاء حول لهجاتها أو حتى أحياناً حول انتمائها العرقي، فضلاً عن توضيحات تاريخية ولهجية جوهرية حول الكرد اللك، وعن اللر، وعن المجموعة اللهجية الكورانيةـ الزازائية إلى جانب شروح مهمة وضرورية حول الكرد الفيليين. كما ويحتوي هذا التمهيد الموجه لكل صنوف القراء على موضوعين مهمين مازالا يشغلان قطاعات واسعة من الكرد، وهما مسألة اختيار الأبجدية المناسبة لكتابة الكردية، وموضوع توحيد اللغة الكتابية الكردية.
وتجدر الإشارة إلى أن الكتاب يتضمن في فصله الأخير قصة " ذات القدم الذهبية" التي تقابل قصة سندريلا. وقد دونتُ النسخة الكردية الجنوبية المقابلة لهذه القصة بكلام خمس عشرة منطقة لهجية جنوبية.
د. جواد بشارة : ما هي الخصوصيات التي تميز هذه الدراسة عن غيرها من الدراسات التي يمكن مقارنتها بها؟
د. إسماعيل قمندار: يتطلب الجواب على هذا السؤال صفحات طويلة، وسيجيب عليه في المستقبل قسم معين من القراء والمتخصصين، إلا أن ما أستطيع قوله هنا هو إن أبحاثي اللغوية كلها ميدانية، أي أن اللهجات أو التفرعات اللهجية الكردية الجنوبية التي درستها تمت عبر لقائي المباشر وتحليلاتي لكلام الكرد الجنوبيين من مختلف مناطقهم، ودون الاعتماد على دراسة مكتوبة ، وذلك بسبب صعوبة الاعتماد عليها.
د. جواد بشارة : كيف تم اختيار هذا الموضوع تحديداً كمجال لبحثك العلمي؟
د. إسماعيل قمندار: في الوقت الذي جرت أبحاث لغوية منذ القرن التاسع عشر والقرن العشرين على اللهجات الكردية الكبيرة مثل الكرمانجية والسورانية، إلى جانب الزازائية من قبل مستشرقين غربيين وروس وغيرهم، ومنذ بضعة عقود من قبل عدد متزايد من الكرد، لم تحظ اللهجات الكردية الجنوبية بنفس الاهتمام والفرص عدا كتابات جزئية قديمة حول مناطق محدودة لهذه المجموعة اللهجية. وكان ذلك في النصف الأول من القرن الماضي وبشكل لا يمكن اعتماده كمرجع علمي. وانطلاقاً من هذا التشخيص، فقد بادرت تدريجياً منذ مايقارب الأربعين سنة ، وضمن دراساتي الجامعية أولاً، بتبني هذا الموضوع عبر قيامي بأبحاث لغوية ميدانية مع أقسام من متكلمي اللهجات الكردية الجنوبية في الطرفين العراقي والإيراني اللتين تضمان أقساماً من هذه المنطقة اللهجية. ولقد حرصت طوال هذه السنين على تبيان الأهمية اللهجية لهذه المنطقة الكردية الشاسعة التي ظلت مجهولة القيمة رغم التنوع الملفت لتفرعاتها.
د. جواد بشارة: بعد إنجازك في 1988 لأطروحة دكتوراه الدولة من جامعة باريس حول اللهجات الكردية الجنوبية ، أصدرت كتاباً في 2001 باللغة الفرنسية حول هذا الموضوع الكبير الذي قمت بتوسيعه بما يقارب ثلاثة أضعاف المناطق المدروسة في أطروحتك ليشمل أوسع رقعة لغوية كردية ممكنة. وقد صدرت النسخة الفرنسية عن أرقى دار نشر غربية متخصصة في علم اللغات " وهي بيترس"، وأصبح يشكل مرجعاً لغوياً ولهجياً في ميدان علوم الكرديات و الإيرانيات في الجامعات الغربية والأمريكية . واليوم قمت بترجمة الكتاب إلى العربية مع إضافة بعض الفصول إليه كما أسلفت ذلك أعلاه. وسؤالي هنا هو: لماذا اخترت اللغة العربية وأنت توجه كتابك بشكل رئيسي للقراء الكرد ؟
د. إسماعيل قمندار: باعتباري إبن بغداد، وأجيد اللغة العربية التي أكملت بها دراستي الثانوية، فإن ذلك ساعدني على ترجمة هذا الكتاب الضخم من الفرنسية إلى العربية، علماً بأن الكرد الجنوبيين العراقيين يجيدون جميعهم اللغة العربية، وكذلك الأمر بالنسبة لجزء مهم من الكردستانيين العراقيين، وكذلك أيضاً لقسم من الكرد الجنوبيين في إيران. وفي هذه الحالة ستكون هناك إمكانية أكبر لترجمة الكتاب من العربية إلى الفارسية، أو من العربية إلى الكردية السورانية ، بل وحتى إلى الكردية الكرمانجية، حيث أن ترجمته من العربية إلى تلك اللغات أسهل من ترجمته من الفرنسية . ومن جهة أخرى يهمني شخصياً تعريف القارئ العربي وإطلاعه على جوانب من الثقافة الكردية وإتاحة الفرصة للطلبة وللباحثين العرب والكرد بطبيعة الحال في علم اللغات واللهجات في الجامعات للانتفاع من محتوى ومنهج هذا البحث الميداني الواسع، وكذلك فهم طبيعة اللهجات الكردية .
د. جواد بشارة : ماهي الدوافع التي حفزتك على اختيار هذا الموضوع الدراسي الواسع؟
د. اسماعيل قمندار: هناك سلسلة من الأسباب لذلك، وعلى رأسها رغبتي الشخصية قبل البدء بهذه الأبحاث ، بفهم لهجتي وثقافة وتاريخ طائفتي الكردية الفيلية ثم ثقافة الشعب الكردي وتاريخه بشكل أعم. وبما إن قسماً مهماً من الكرد الفيليين ومن فئاتهم المتعلمة تسكن المدن الكبيرة مثل بغداد والبصرة وطهران، وغيرها فإن اللغة الدراسية لهؤلاء تتمثل عموماً بالعربية في العراق والفارسية في إيران . وهذا يعني بأن الكرد الفيليين والكرد الجنوبيين عموماً، ورغم تمسكهم بقوميتهم ولغتهم ، يجدون أنفسهم في محيط غالباً ما يقطعهم عن المعرفة بالكثير من العناصر الأساسية المتعلقة بتاريخهم الكردي الخاص وعن المعرفة النظرية بأصول لهجاتهم الخاصة. كل ذلك بصرف النظر عن شحة هذه المعلومات التاريخية الضرورية وتناثرها ، وأحياناً عدم تناولها من قبل بعض المؤلفين بالشكل الصحيح الذي يقوي روابطهم بالمكونات الكردية الأخرى ولا يجعلهم عرضة للابتلاع من قبل الأكثريات العربية أو الفارسية.
د. جواد بشارة : باعتبارك من الطائفة الكردية الفيلية البغدادية والعراقية المعروفة بدورها الثقافي والسياسي والاجتماعي في المجتمع العراقي، لا اشك برغبتك عبر هذا الكتاب بتعريف طائفتك والإشارة إلى نقاط أساسية تخص هويتهم وتاريخهم عدا الحديث بطبيعة الحال عن لهجاتهم وتنوعها، وكذلك رغبتك بتبيان موقع هذه الطائفة في العراق وفي الخارطة الكردية العراقية والإيرانية على حد سواء، أليس كذلك ؟
د. اسماعيل قمندار: هذا صحيح، وأنا أشعر بالتزام أزاء طائفتي التي عانت ما عانت، وتحدت ظلم الحكومات البعثية والصدامية منذ 1963 ، وهي التي لم تبخل باسهاماتها مع بقية اشقائهم العراقيين من كرد وعرب في السعي من أجل ازدهار بلدهم . وهكذا فإنني أشعر بمسؤولية علمية وسياسية في توضيح نقاط مشوشة تتعلق بهوية الكرد الفيليين ، وتصحيح أخطاء جسيمة جرت العادة على تداولها، كاستعمال المثقفين الكردستانيين العراقيين لبعض الاصطلاحات في غير مكانها مثل تسمية اللرية لوصف المجموعة اللهجية الكردية الجنوبية في حين تختلف اللهجات اللرية بشكل جوهري عن مختلف فروع الكردية الفيلية والكردية الجنوبية عموماً، لهجياً وسكانياً. وهناك كذلك في هذا الكتاب تحليلات علمية لمفردات مهمة مثل مصطلح فيلي، وأحياناً لتسميات بعض العشائر الكبيرة مثل كردلي وخزل.
د. جواد بشارة: أعلم أنك كتبت منذ سنين طويلة حول النقاشات الدائرة في الأوساط الثقافية الكردية بخصوص اختيار الأبجدية الملائمة لكتابة اللغة الكردية، وكتبت كذلك حول توحيد اللغة الكتابية الكردية، فهل لك أن تحدثنا قليلاً عن هذين الموضوعين اللذين أضفتهما أيضاً إلى هذه النسخة المترجمة من كتابك؟
د. اسماعيل قمندار: فيما يتعلق باختيار الأبجدية "الأصلح"، يمكن القول بأن العديد من المستشرقين ، منذ أوائل القرن التاسع عشر، وكذلك بعض الشرقيين منذ منتصف القرن التاسع عشر، أخذوا ينادون بضرورة هجر الكتابة بالأحرف العربية وتبني الكتابة بالأحرف اللاتينية ، وذلك على حد قولهم، بسبب وجود مجموعة من العيوب المرتبطة بالكتابة بالأحرف العربية ، سيما إهمالها لتدوين الصوائت القصيرة، أو عدم ملائمة الأحرف العربية لكتابة اللغات غير العربية ، وغيرها من الحجج التي أفضت تدريجياً إلى تبني مصطفى كمال أتاتورك للأحرف اللاتينية في 1929 لكتابة اللغة التركية، وتبني الشعوب الإسلامية السوفيتية في تلك الفترة للحروف السيريلية ، ثم للأحرف اللاتينية تدريجياً من قبل أكثر هذه الشعوب منذ سقوط النظام السوفيتي. وقد تكلمتُ في فصل كامل، وبشكل مركز، عن نشأة فكرة تغيير الأبجدية وغيرها من الأفكار المرتبطة بهذا الموضوع، عن التيارات المختلفة التي نادت بهذا التغيير أو الإصلاح . وشرحت بشكل دقيق ومختصر حيثيات وأسس هذه التيارات لكي يكون القارئ على بينة من هذا السجال دون الوقوع في عموميات آيديولوجية تبعده عن الفهم الصائب للإشكالات المطروحة بهذا الصدد . وقد عبرت في هذا الفصل عن موقفي الذي لم يتغير منذ عقود، على الأقل فيما يخص اللهجات الكردية الجنوبية والوسطى، والداعي للاحتفاظ بالأحرف العربية المعدلة أو التقليدية مع الالتزام الصارم بتدوين الصوائت القصيرة والصوائت الخاصة بالكردية. وهذا الموقف لاينبع من اعتقادي بسهولة أو إمكانية استسهال هذا الأمر، ولا نكراني لوجود بعض المشاكل عند استعمال الأحرف العربية، و لا من اعتقادي بقدسية الكتابة بهذه الأبجدية، بل لأن حروف الكتابة تشكل عند الكثير من الشعوب جزءاً من تاريخها وحضارتها ، وحتى من نظرتها الجمالية التي لا تُمحى بالآيديولوجيات وبالفتاوى . وأما عن فصل توحيد اللغة الكتابية الكردية ، فإنني أناقش من خلاله بعض الاراء المطروحة بهذا الخصوص منذ ثلاثينات القرن الماضي، وأحاول فيه استشراف الموقف الأكثر واقعية في التعامل مع هذا الموضوع العسير بعيداً عن الحلول السحرية والقسرية مع اعطائي لنماذج من تجارب بعض الشعوب وطريقتها في حل هذه القضية . وأضيف بهذه المناسبة كلمة أخيرة، وهي إنني حاولت في معظم فصول ومراحل كتابتي لهذه الدراسة، وكذلك أثناء ترجمتي لها، أن أبسط ما يمكن تبسيطه لكي ينتفع منها، ليس فقط فئة محدودة من المهتمين والباحثين وطلبة الجامعات، بل الشريحة الواسعة من المتعلمين وقراء العربية، وخاصة القراء الكرد الجنوبيين الذين كانوا على الدوام نصب أعيني، والذين من أجلهم أولاً التزمت بإنجاز هذا العمل. ولايخفى عليك بأن معرفة اللغة أو اللهجة تشكل العمود الفقري لديمومة الشعوب والمجاميع السكانية قبل كل شيء، سيما تلك المعرضة لفقد هويتها أو للاضمحلال التدريجي تحت ضغط وتأثير القوميات الكبرى.
د.جواد بشارة: من المعروف أن اللغة الكردية تنطوي على تنوع لهجي واسع يمكن تقريبه من التعدد اللهجي في العربية، وذلك على عكس اللغة الفارسية الأقل تنوعاً من الناحية اللهجية، فكيف تفسر ذلك؟
دكتور إسماعيل قمندار: كما تعلم، فإن معظم الوطن الكردي يتشكل من جبال تمخضت عنها بمرور الزمن زيادة الفوارق اللهجية بين ساكنيها الكرد. وغني عن البيان بأن التضاريس الجبلية تتسبب في عزلة أكبر بين المجاميع السكانية، وتؤدي إلى توسيع التباين الكلامي بين هؤلاء الأفراد. وعلى صعيد آخر، تسبب الغياب التاريخي لوحدة سياسية بين التكوينات الكردية المختلفة إلى تنامي هذه الفوارق اللهجية، وإلى صعوبة وتعسير القدرة على التواصل اللغوي بين متكلمي اللهجة الكردية الكرمانجية في تركيا ومتكلمي اللهجة الكردية السورانية في العراق. وتزيد هذه العقبات اللهجية المهمة على نحو أعمق بين الكرد الكرمانج ومتكلمي الكردية الجنوبية. وتختلف هذه الحالة كماً ونوعاً مع تلك التي تميز اللغة الفارسية الحديثة التي تطورت منذ مايزيد قليلاً عن الألف سنة، فهي نجحت إلى حد بعيد في تحقيق وحدتها الكتابية بالرغم من وجود ثلاثة أنماط للغة الفارسية، وهي فارسية إيران، وفارسية أفغانستان(الدَرية)، وفارسية طاجكستان. ولكن هذه الأنماط الفارسية تظل متقاربة جداً لغوياً، وغالباً لاترقى الاختلافات النوعية الموجودة بينها إلى تلك الموجودة داخل المجموعة اللهجية الكردية الواحدة. بالمقابل يمكن تقريب المعوقات اللهجية الموجودة بين المجموعات اللهجية الكردية مع تلك التي نشهدها بين اللهجات العربية الشرقية واللهجات العربية المغاربية، وخاصة الجزائرية والمغربية. ويمكن كذلك إجراء مقارنات وتشبيهات بين الوضع اللهجي الكردي والأوضاع اللهجية داخل اللهجات الإيطالية واللهجات الألمانية أو الجرمانية ، وغيرها من بعض اللغات الكبيرة.
Le Samedi 25 juin 2011 13h17, Bashara Jawad <
|
الكون والأسئلة الجوهرية 3 نظرية تعدد الأكوان بين الرؤية العلمية والرؤية الميتافيزيقية د. جواد بشارة كان الفيلسوف الإغريقي سقراط Socrat يقول : يبدو لي أن من غير المعقول محاولة معرفة وتفسير كل شيء مثل : لماذا تظهر الأشياء وكيف تظهر وكيف تختفي ولماذا، بل ولماذا توجد الأشياء أساساً. في بدايات حياته العلمية تساءل آينشتين Einstein يوماً ما إذا كان لدى الله الخيار عند خلقه للعالم، إذا كانت هناك عملية خلق، وأضاف متسائلاً عما إذا كان هناك تفسير جوهري لخصوصية عالمنا. وقد عاد هذا السجال إلى الواجهة بعد ظهور فرضيات علمية عن إمكانية تعدد الأكوان إلى ما لا نهاية، أو ما صار يعرف بفرضية العوالم المتوازية l’hypothèse des mondes parallèles. هناك عدة نظريات فيزيائية علمية théories physiques scientifiques بنيت على أسس مختلفة بيد أنها تلتقي على سيناريو، كان حتى الأمس القريب، محصوراً في مجال الخيال العلمي، والذي يقول : أن كوننا المرئي الشاسع، بملياراته التي لا تعد ولا تحصى من السدم والحشود المجرية ومليارات المليارات من المجرات والغازات الكونية وما بينها من مادة وطاقة، خفية أو مرئية، ليس سوى نموذج لكون عادي مبتذل من بين عدد لا متناهي من الأكوان المتشابهة أو المختلفة المتنوعة، بحيث لا يتجاوز حجمه حجم جسيم أولي صغير في أصغر ذرة مادية معروفة لدينا بالنسبة للكون المرئي ذاته. فهل سيكون بوسع الإنسان أن يتصور وجود أكوان أخرى غير كوننا المرئي، الذي يستحيل علينا نحن البشر سبر أغواره وكشف أسراره؟ في الواقع تطورت هذه الفكرة، والتي تقول أن عالمنا الذي نعرفه ونعيش فيه، ليس سوى جزء ضئيل جداً من عالم مطلق الأبعاد ولا متناهي، من التخيل الخرافي إلى التفكير العلمي، واقتحمت الحقل العلمي le champ scientifique في أواسط القرن العشرين، عندما توصلت عدة نظريات كوزمولوجية إلى هذه الفرضية العلمية كنظرية الأوتار الفائقة théorie des super cordes والنظرية م théorie M والميكانيك الكمي أو الكوانتي mécanique quantique الخ.. أما قبل تلك الفترة فقد كانت الفكرة تقع ضمن إطار الميتافيزيقيا والخيال العلمي والتصورات الدينية الخرافية. ففي القرن السادس قبل الميلاد تحدث الفيلسوف والمفكر الإغريقي آناكسيماندر Anaximandre بأول نظرية كوزمولوجية غير ميثولوجية وتطرق بها إلى فكرة ظهور عوالم جديدة إثر اختفاء أو اندثار عوالم قديمة. ومابين القرنين الخامس والرابع قبل الميلاد قال الفيلسوف الإغريقي ديموقريطس Démocrite إن الذرات والعوالم موجودة بأعداد لا محدودة illimité . وفي سنة 1440 قال الفيلسوف والثيولوجي أو رجل الكهنوت الألماني نيكولا دي كيه Nicolas de Cues بتعدد العوالم حيث يتميز سكانها بعضهم عن بعض بخصائص وسمات خاصة ومختلفة. وفي سنة 1552 صرح الفيلسوف الفرنسي الإنساني فرانسوا رابليه François Rabelais بوجود عوالم متعددة، ووفق دورة الزمن تسقط حقائق في عوالم معدة لتقبلها حسب البنية أو الهيكيلية الثلاثية المرتبطة بالأفكار الأفلاطونية . وفي سنة 1584 دفع الفيلسوف والمفكر الإيطالي جيوردانو برونو Giordano Bruno حياته ثمناً لتمسكه بفكرة وجود عوالم متعددة ومتميزة بعضها عن بعض بخواص ذاتية، وتسكنها أنواع مختلفة من الكائنات الحية والعاقلة مثلنا وربما أفضل منا وأكثر تطوراً وتقدماً، حيث يقال أنه التقى بزوار من الفضاء فضاق نفسه بما عرفه من أسرار لم يستطع كتمها، إلا أن الكنيسة الكاثوليكية اتهمته بالزندقة وأحرقته حياً بتهمة الهرطقة. وفي سنة 1686 نشر الفيلسوف برنارد دي فونتنيل Bernard de Fontenelle حوارات جسورة حول تعدد العوالم Pluralité des Mondes قال فيها: لا يمكن أن يكون عالمنا منعزلاً ووحيداً ولا بد أن تكون هناك عوالم أخرى نسخة طبق الأصل عنه، وقد يوجد فيها سكان هم عبارة عن نسخ أخرى عنا لكن مصائرها قد تختلف عن مصائرنا وحياتها تأخذ مناحي تختلف عما اتخذته حياتنا من مسالك. وفي عام 1710 تقبل عدد من العلماء والمفكرين والفلاسفة فكرة تقول بإمكانية وجود عدة عوالم Multitude des Mondes ومن بينها، وربما أفضلها، كوننا المرئي، ومن أشهرهم لايبنيز Leibniz وهو فيلسوف وعالم رياضيات ألماني. وفي سنة 1957 دخلت أطروحة العوالم المتوازية les mondes parallèles حقل الفيزياء المعاصرة من بوابة ميكانيك الكوانتا أو الكم mécanique quantique على يد عالم الفيزياء الأمريكي هيغ إفيريت Hugh Everett ومن بعده في ستينات القرن العشرين على يد عالم الفيزياء الروسي الشهير أندريه زاخاروف Andrei Zakharov الذي قدم نظرية الأكوان المتوازية les univers parallèles وأشاع مفهوم الكون التوأم l’univers jumeaux وحاز بفضل ذلك على جائزة نوبل للفيزياء، ولم يتجرأ زاخاروف على البوح بسر توصله لهذه النظرية، والذي يتلخص بتسلمه لرسائل علمية محكمة الصياغة امن الناحية لتقنية والرياضية وبالرسومات البيانية اللازمة، أرسلت إليه من جهة مجهولة تسمي نفسها مجموعة علماء الأوميين les Ummites القادمين من كوكب أوموUmmo . وفي سنة 1977 طرح الفيلسوف الأمريكي نيلسون غودمان Nelson Goodman فكرة وجود عدة عوالم حقيقية وليست افتراضية أو تخمينية، وهي متجاورة تتعايش جنباً إلى جنب، منها ماهو مرئي ومنها ما هو غير مرئي، لكن الاتصال فيما بينها معدوم وشبه مستحيل، وقد نشأت من خلال استخدام الرموز والمعلومة الرياضية. وفي سنة 1982 أدخلت فرضية الأكوان المتعددة multivers إلى ميدان علم الكون الكوزمولوجيا la cosmologie من خلال شيوع سيناريو التضخم الدائم أو الأزلي inflation éternelle على يد عالم الفيزياء الأمريكي من أصل روسي أندريه لايند Andrei Linde . وفي سنة 1986 نشر الفيلسوف الأمريكي دافيد لويس David Lewis فكرة أن كل ما يحدث في عالمنا يحدث أيضاً وبشكل حقيقي في عالم آخر قرين لعالمنا لكنه يقبع في أبعاد غير مرئية. وقد حظيت فكرة تعدد العوالم بتأييد وقبول جماهيري واسع بفضل السينما وروايات الخيال العلمي، إذ أسالت هذه الثيمة لعاب كتاب السيناريو في هوليود والذين أطلقوا العنان لخيالاتهم الواسعة والغنية منذ عقود طويلة. فكان مسلسل ستار تريك Star Trek الذائع الصيت أفضل مثال على ذلك، وكذلك سلسلة الأفلام الحديثة المعدة عنه والتي تحمل نفس العنوان. ففي إحدى حلقاته المعنونة المرآة le miroir انتقل الكابتن كيركKirk فجأة ونتيجة لخطأ تقني إلى عالم آخر موازي monde parallèle كانت فيه الأدوار والشخصيات معكوسة لما هو عليه في العالم الأصلي فهو وفريقه يتشابهون بالشكل ويختلفون في الجوهر، فكان شبيه أو توأم الكابتن كيرك في العالم الموازي، قرصان يقود عصابة من القراصنة الشريرين. ونفس الأمر حدث في إحدى حلقات القصة المصورة للأطفال عن الرجل الفولاذي القادم من كوكب كربتون أي سوبرمان superman حيث كثيراً ما نرى هذا البطل الخارق يطير بسرعة تفوق سرعة الضوء وبالتالي يتمكن من التسلل إلى أكوان وعوالم أخرى ويعود إلى الماضي أو يذهب إلى المستقبل في رحلات عبر الزمن. ويتكرر نفس الموضوع عن تعدد الأكوان والعوالم مع المسلسل الشهير بوابة النجوم Stars Gaite الذي استخدم مفاهيم علمية فيزيائية في العديد من حلقاته العديدة مثل البعد المكاني الرابع la quatrième dimension أو الأبعاد الفضائية القصوى les dimensions supérieures أو الفضاء الأوسع hyperespace والأكوان المتعددة multi univers والأكوان الكوانتية المتوازية les univers quantiques parallèles ويعتمد مسلسل المنزلق slider كلياً على هذا المفهوم الأخير وبني برمته على أساسه حيث ينتقل الأبطال في جميع حلقات المسلسل من عالم إلى آخر، وكلها موازية لعالمهم الأصلي الذي يبحثون عنه بلا كلل للعودة إلى أهاليهم وأحبائهم ولكن في كل مرة يلتقون بمعارفهم ولكن بصورة مغايرة لحقيقتهم . فالأبعاد المكانية ثلاثة وهي الطول والعرض والارتفاع هي الوحيدة التي يستوعبها الحس البشري العام sens commun ويدرك الإنسان بفضلها وبواسطتها المكان الذي يحتويه ويقيم فيه ويستمد منه إحداثياته، مهما كانت تحركات الشيء في المكان ومهما كانت تموضعاته أو مواقعه والتي توصف أو تحدد بثلاث إحداثيات les coordonnées. وبفضل هذه الأرقام الثلاثة نستطيع أن نحدد موقع ومكان وعنوان أي شيء وأي جسم أو جرم سماوي في الكون المرئي سواء كان على بعد بضعة ملليمترات عن أنوفنا أو على أطراف أبعد مجرة قابلة للرصد والمشاهدة والقياس في كوننا المرئي. والحال أن فكرة البعد المكاني الرابع تعتبر تشويهاً outrage لحسنا السليم. فمفهوم الأكوان المتعددة univers multiples يطل على اللانهاية حيث كل السيناريوهات ممكنة وأحدها يقول بوجود كون شبيه بكوننا تماماً فيه نفس العدد والنوع من المجرات والكواكب والنجوم، ونفس المادة والطاقة الموجودتان في كوننا المرئي، وفيه أيضاً أرض كأرضنا بيد أن الفرق يكمن في التفاصيل الصغيرة مثل: أنني هنا في هذا الكون مازلت أكتب هذا النص بينما شبيهي أو توأمي في الكون الآخر الموازي ربما انتهى من الكتابة، أو ربما يكون قد نشرها، أو يكون قد كتب كتاباً كاملاً حول نفس الموضوع، أو أن يكون في رحلة صيد، أو يقوم بأي نشاط آخر. وقد يكون هناك كون آخر موازي لكنه يفتقد للنجوم والكواكب والبشر مثلنا بحيث تكون محتوياته تختلف كلياً عما نألفه من مكونات مادية وطاقوية. لقد تصدى لهذا الموضوع المثير علماء مرموقين ومحترمين نشروا كتاباً باللغة الانجليزية تحت عنوان: كون واحد أم أكوان عديدة Univers or Multiverse تحت إدارة عالم الكونيات وعالم الفلك والفيزياء النظرية برنارد كار Bernard Carr من جامعة الملكة ماري université Queen Mary في لندن. كما نال الموضوع اهتمام العالم الفيزيائي الحائز على جائزة نوبل للفيزياء سنة 2004 وهو دافيد غروس David Gross . وكان العالم الأمريكي ماكس تيغمارك Max Tegmark قد اقترح تصنيفاً ذكياً لعدد من الأنواع المختلفة من الأكوان، حيث يعتبر كوننا المرئي أحد النماذج العادية الذي تنطبق عليه قوانين ومسلمات ومعادلات نظرية النسبية العامة la relativité générale لآينشتين Einstein وهو يتضمن كل ما يحيط بنا. ولكن بما أن سرعة الضوء في هذا الكون المرئي محدودة لا يمكن تجاوزها فإن ذلك سيحد بالضرورة من قدرتنا على الرصد والمراقبة والمشاهدة والحساب، بعبارة أخرى ستكون معارفنا الكونية محدودة limité . فهناك جزء بسيط جداً من هذا الكون المرئي يصل إلى أبصارنا ومداركنا وإن أبعد شعاع ضوئي وصل إلينا منذ الانفجار العظيم Big Bang يعود إلى 13،7 مليار سنة ضوئية، وعلى أساسه قدر عمر الكون المرئي ــ أي ما يقطعه الضوء من مسافة خلال هذه المدة أي 13،7 مليار سنة ضوئية وبسرعة 300000 كلم/ثانية ـــ لذلك نوهت نظرية النسبية إلى أنه فيما يتعدى هذا الأفق الكوني المرئي والقابل للرصد والمشاهدة، قد يوجد فضاء لا متناهي وليس له حدود espace infini . ولكن ماذا يعني ذلك من وجهة النظر العلمية البحتة؟ لقد تمعن العلماء منذ أكثر قرن من الزمن في هذه الفرضية العلمية وحاولوا تكييف المعادلات الرياضية مع الواقع المرصود والمشاهدات المثبتة. من هنا اقترح العالم الأمريكي هيغ إيفريت Hugh Everett أن يتم التعامل مع نظرية الكم أو الكوانتا théorie quantique بحذافيرها معتقداً أنها يمكن أن تصف الواقع رياضياً إلا أن معادلاتها الرياضية أعطت نتائج مختلفة ومتباينة ومفتوحة على لا نهائيات غير محدودة وكلها موجودة في مكان ما، سواء في كوننا المرئي و واقعنا الملموس أو في غيره من الأكوان التي لكل منها واقعه الخاص به. واعترف هيغ إيفيريت بعجزه عن تحديد العوالم المتوازية والواقع الموازي في كل منها les réalités parallèles مما دفعه للتصريح قائلاً: أنني واثق بأن في إحداها تعيش قطة شرودينيغر chat de Schrödinger وفي واقع آخر ، هو أيضاً حقيقي وملموس، تكون القطة ميتة وقد اشتهرت فرضية إيفيريت hypothèse d’Everett باسم العوالم المتعددة mondes multiples. بعبارة أخرى هناك الفضاء الخاص المحدود رغم شساعته المذهلة والموجود داخله كوننا المرئي بكامل مكوناته ومحتوياته، والذي لا نعرف بالضبط قطره الحقيقي ولا حجمه ولا شكله النهائي ولا معماريته ولا عمره الدقيق، وهو كون منظم وفق نسق تماثلي أو متناظر ومتناسق تسيره مجموعة من القوانين الجوهرية والثوابت الكونية التي يعتقد العلماء أنهم اكتشفوا أغلبها ويبحثون اليوم عن النظرية الجامعة أو الشاملة الموحدة لكافة القوانين الجوهرية الأربعة ـ أي الثقالة أو الجاذبية والكهرومغناطيسية والقوة الذرية الشديدة والقوة الذرية الضعيفة ـ والتي من شأنها تفسير كل صغيرة وكبيرة في هذا الكون المرئي، على الأقل من الناحية النظرية، وذلك منذ حدث الانفجار العظيمBig Bang إلى يوم الناس هذا بيد أنه يستحيل على مثل هذه النظرية الكلية معرفة ماحدث بالضبط قبل الانفجار العظيم . وهناك الفضاء المطلق ، بكل ما لهذه العبارة من معنى، وهو المكان الذي لا حدود له ولا بداية ولا نهاية ويحتوي على عدد لا متناهي من الأكوان، وبذلك يعود العلماء لتبني فرضية تعدد الأكوان وتقبل فكرة أننا في كوننا المرئي برمته نعيش في حيز مكاني صغيرة جداً يشكل جزءاً لا قيمة له من كون مطلق متعدد الأوجه والماهيات والخصائص والمكونات، وكان من حسن حظنا أنه توفرت في كوننا المرئي الذي نعيش فيه الشروط والظروف الخاصة واللازمة والضرورية، بعد صيرورة طويلة ومعقدة جداً، استغرت مليارات المليارات المليارات المليارات من السنين، لظهور ونشأة الحياة بداخله وعلى أسطح العديد من كواكبه وأنظمته الشمسية المشابهة لنظامنا الشمسي أو المختلفة عنه بالتفاصيل والسمات والخصائص الخارجية وليس بالجوهر. أي أن كوننا المرئي قد لا يتجاوز حجم الكوارك في أصغر مكون من مكونات الذرة المادية فيه، مقارنة بالكون المطلق أي إنه ليس سوى جسيم لا متناهي في الصغر particule infiniment petit في جسد الكون المطلق الحي والعاقل والذكي والمستمر إلى ما لانهاية في عملية الخلق والتكوين الذاتي، وتنطبق عليه كل صفات الله المطلقة، أي يمكننا اعتباره بأنه هو الله المطلق. وكان الميكانيك الكوانتي mécanique quantique هو الذي فتح الباب لمثل هذه الفرضيات العلمية شبه الخرافية. مما أتاح لعلماء مثل زاخارف Zakharov وجون بيير بتي jean pierre petit وماكس تيغمارت Max Tegmark وغيرهم كثيرون، الاعتقاد بوجود أكوان توائم حيث لكل كون توأم شبيه univers jumeaux كما هو الحال بوجود جسيم مضاد لكل جسيم مادي ومادة مضادة للمادة وطاقة مضادة للطاقة أي وجود نسخة مطابقة ومماثلة لكنها معاكسة بالشحنة في حالة المادة المكونة لكوننا المرئي، بيد أن المسافة التي تفصل بين التوأمين لا تقل عن 115(1010 ) من المتر. لذلك يصعب التقائهما. هذه هو النمط الأول من الأكوان الممكنة الوجود حسب تصنيف ماكس تيغمارك المشار إليه أعلاه. أما الصنف الثاني فهو أعقد بكثير وتفسره نظرية التضخم العظيم Big Inflation والتي قدمها سنة 1980 عالم الفلك والكونيات cosmologiste الأمريكي من أصل روسي أندريه لايند Andrei Linde الأستاذ في جامعة ستانفورد ويقول فيها أن الكون المرئي الذي ندرسه كان شديد الحرارة والكثافة بدرجة لا يمكن تخيلها وعند لحظة 35- 10 من الثانية حيث حدث تضاعف غير مفهوم للكون الوليد لم تعرف أسبابه بعد، وبنسبة 1050، وهذا هو ما يفسر التماثل والانتظام والتناسق أو التجانس homogénéité للكون. وتدعي نظرية أندريه لايند أن الزمكان espace-temps في حالة تضخم دائم ومستمر، أبدي وأزلي éternelle ، بمعنى آخر أن بعض المناطق الواقعة خارج الأفق الكوني المرئي المرصود، ما تزال تشهد مرحلة التضخم المتسارع، مما يقودنا إلى عدد لا متناهي من الانفجارات العظيمة على غرار انفجارنا العظيم notre Big Bang وكل واحد من تلك الانفجارات العظيمة يؤدي إلى خلق كون مستقل. وهذه صيغة أكثر تعقيداً من سابقاتها لمفهوم تعدد الأكوان multivers. ثم جاءت نظرية الأوتار théorie des cordes بصيغها الخمسة، ومن بعدها نظرية الأوتار الفائقة théorie des super cordes ، لتعرض لنا صورة أكثر غرابة عرفت بصيغة الأكوان الفقاعات multivers Bulles وهي رؤية اقتربت أكثر من نظرية الكون المطلق اللامحدود ، حيث كل فقاعة عبارة عن كون متكامل مثل كوننا المرئي يساويه أو أكبر أو اصغر منه بقليل أو كثير. وقد دافع عن هذه الرؤية ـ النظرية بحرارة عالم الفلك والفيزياء الكونية ليونارد سوسكايند Léonard Susskind الأستاذ في جامعة ستانفورد ووصف هذا التعدد الكوني بأنه بمثابة بنية أو تركيبة لا نهائية الأبعاد مكونة من عدد لا متناهي من الأكوان الفقاعات كفقاعات الصابون، ولكل واحد منها قوانينه وخصائصه وسماته وثوابته الجوهرية الخاصة به، بحيث أن لكل واحد منها ماهية تختلف عن ماهية الآخر. ثم جاء لي سومولاين Lee Somoline من معهد بريميترInstitute périmètre في كندا سنة 1992 ليقول بنظرية الانتخاب الطبيعي الكوني théorie de la sélection naturelle cosmologique، على غرار الانتخاب الطبيعي في حقل علم الحياة أو البيولوجيا عند داروين Darwin، وعرفت بإسم نظرية الكم الثقالية théorie quantique de la gravitation أو نظرية الثقالة الكوانتية الحلقية أو الدورانية، gravité quantique à Boucles حيث بالإمكان أن ينبثق كون كامل من داخل ثقب أسود Trou Noir. وعند ولادة كل كون جديد من رحم الكون السابق ( أو من مكوناته الآيلة للفناء ظاهرياً وهي الثقوب السوداء) تنتقل بالوراثة ـ مثلما هو الحال في انتقال الصفات الوراثية عند الأحياء ـ كافة القوانين الفيزياء المعروفة والمكتشفة أو الكامنة والخفية، ثم يحصل عليها تطور طبيعي أو عن طريق الطفرات والتحولات الجينية mutations بسبب التقلبات والتحولات الكوانتية les fluctuations quantiques في مراحل القفزات rebonds ولم يفلح صاحب النظرية إلى اليوم في تحديد كيفية أو آلية انتقال القوانين الفيزيائية من كون إلى كون آخر يلد من رحمه كما تقول النظرية ويبقى السر دفيناً إلى أجل غير مسمى،وهكذا تظل نظرية تعدد الأكوان تتأرجح بين الرؤية العلمية والرؤية الميتافيزيقية. وكما كان الفيلسوف الإغريقي سقراط Socrat يقول : يبدو لي أن من غير المعقول محاولة معرفة وتفسير كل شيء مثل : لماذا تظهر الأشياء وكيف تظهر وكيف تختفي ولماذا، بل ولماذا توجد الأشياء أساساً.
|