اضراب كاورباغي .. / علي عبد الكريم حسون

 كاورباغي بستان يقع خارج مدينة كركوك , وفيه تجمع  عمال شركة نفط العراق ( I p c  ) معلنين اضرابهم للمطالبة  بحقوقهم , والتي تعاملت معها حكومة أرشد العمري بسلسلة من الأجراءات التعسفية سبقها تسويف ومماطلة ووعود تطمينية , تكللت بمجزرة سقط على أثرها 16 عاملا وجرح أكثر من 30 .

ممهدات وأسباب الأضراب

شهد العام 1946 , عام اضراب كاورباغي سلسلة من الأضرابات العمالية , فلقد  سيقه في شباط من نفس العام ’ اضراب عمال السكك , للمطالبة بأعادة فتح نقابة السكك وزيادة الأجور وايقاف الطرد  الكيفي للعمال وتغريمهم والذي كانت تقف وراءه مديرية السكك . تبعه في الخامس من آذار اضراب عمال المطابع في بغداد .

في الثامن من  حزيران  1946 أرسل عمال الشركة مطالبهم للأدارة تتضمن ضرورة مساواتهم مع نظرائهم من عمال الشركة في الدول المجاورة وخاصة في حيفا بفلسطين وعبادان في ايران , بمخصصات غلاء المعيشة . وبدلا من الأستماع لمطالب العمال , لجأت ادارة الشركة الى الأستعانة بالشرطة , التي افتتحت بدورها مخفرا داخل الشركة .

استمر العمال على ارسال الوفود لمدير الشركة والى المتصرف ( المحافظ ) , وكان موقف الجهتين هو التسويف والمماطلة , التي ردّ عليها العمال بأمهال الشركة مدة اسيوعين تنتهي في 3 تموز للأستجابة لمطاليبهم . وفعلا انتهت المدة ولم تستجب الشركة فأعلن العمال اضرابهم .

مطالب العمال

# زيادة الأجور .

# منحهم دور سكن لهم ولعوائلهم أو منحهم بد ايجار .

# تخصيص سيارات لنقلهم لمقر عملهم في الشركة .

# منحهم اكرامية الحرب كالتي تمنح لنظرائهم في عبادان وحيفا .

# تطبيق قانون العمل الذي شرعته الدولة .

كان موقف حكومة أرشد العمري ووزير الأقتصاد فيها بابا علي الشيخ محمود , هو الضغط والأرهاب وتجاهل المطالب , مما يعني أن الحكومة كانت تسير نحو تنفيذ خطتها بأنهاء الأضراب بالقوة , وفعلا حدثت المجزرة يوم الثالث عشر من تموز , حيث أطلقت الشرطة التي كان يقودها معاون الشرطة سعيد عبد الغني النار عليهم فأستشهد  من أستشهد وأشهرهم حبيب سيد صالح وشاكر مردان , وجرح الكثير وأغلبهم لم يراجعوا المستشفيات خشية اعتقالهم .

قاضي التحقيق ينصف العمال

كان من نتائج الأضراب , الأستجابة لمطالب العمال الذين قدموا كوكبة منهم شهداء وجرحى , وتم عزل المتصرف وطرد مدير الشرطة ونقل رئيس محكمة الأستئناف وتولي قاضي تحقيق آخر للقضية هو السيد أحمد الطه , والذي قدم تقريرا أدان فيه الأدارة محملا اياها المسؤولية مع السلطة , كما ورد فيه :

# أن العمال والأهالي كانواعزلا .

# أن اجتماع العمال لم يكن مخلا بالأمن لأنه جرى في مكان بعيد عن المدينة .

# أن معظم القتلى والجرحى أصيبوا من الخلف .

# تم توقيف أشخاص ليس لديهم يد في التحريض .

# شخص التقرير كل من : متصرف كركوك حسن فهمي ومدير الشرطة عبد الرزاق فتاح ومعاون الشرطة سعيدعبد الغني بأعتبارهم  المسؤولين المباشرين عن المجزرة .

ومثله كان موقف رئيس المحاكم السيد عبد القادر جميل الذي تدخل مشخصا الجريمة ومحددا المسؤلية عنها , وقد عارضته الأدارة والوزارة . وكذلك موقف القاضي عبد المجيد الونداوي .

فرضت الحكومة منعا للتجول في المدينة , وأنزلت قوات الجيش بالمدرعات والدبابات . وفي محاولة يائسة منها , وبضغط من الرأي العام العراقي ولأمتصاص الغضبة الجماهيرية , أعلنت عن تقديم المسؤولين عن  المجزرة للمحاكمة . وكانت المهزلة أن  محكمة جزاء  كركوك قامت بتبرئة المتهمين الرئيسيين الثلاثة وأطلقت سراحهم , وكان ذلك بضغط من السفارةالبريطانية , التي تمادت أكثر بمطالبة الحكومة العراقية بعدم سحب المتهمين من وظائفهم في كركوك أو نقلهم الى أي مكان آخر , كما طلبت أيضا عد منح أي تعويض لذوي الشهداء والجرحى .

كان للعنف الذي مارسته الشرطة , والعددالكبير من الشهداء والجرحى  , والذي أريد منه كسر معنويات العمال , أثره في لحمة الأحزاب الوطنية التي بادرت لشجب المجزرة والدعوة لأستقالة حكومة أرشد العمري . وفي اليومالتالي للمجزرة , سار المتظاهرون في شوارع المدينة حاملين نعوش شهدائهم , حيث توارت الشرطة عن الأنظار , ولم يتعرض الجنود لهم .

بعد ثورة الرابع عشر من تموز 1958 , أقام عمال كركوك نصبا تذكاريا للشهداء , قام بعدها عملاء شركة نفط العراق بهدمه , مما يلقي على عاتق النقابات العمالية أعادة النصب وفي نفس مكان المجزرة .