الانتخابات السياسية../ د. فــلاح إســماعيل حـاجـم

تعتبر الانتخابات واحدة من الإجراءات الأكثر عمقا في تأريخ الحضارات البشرية. فقد انتخبت تجمعات العائلات، ومن ثم القبائل في مرحلة المشاعية البدائية، القادة العسكريين، لحماية تلك التجمعات من هجمات الغرباء، والقادة المدنيين لإدارة شؤون تلك التجمعات اليومية، بالإضافة إلى مجالس الشيوخ، الذي تدخل ضمن اختصاصاته مسؤولية انتخاب القائد العام والأوحد للقبيلة. ولم يتمتع أولئك القادة بأي امتيازات، إذ لم تسمح الحياة البسيطة آنذاك وشحة الموارد بالتمايز والاختلاف. فيما اعتبر الاجتماع العام للقبيلة جهاز السلطة والقضاء الأعلى فيها.

 

في المجتمع البدائي انتخاب القائد العام (الأوحد) كان يتم في اجتماع مجلس شيوخ القبيلة

وما تزال حيطان البنايات في روما القديمة والمدن الإغريقية تحتفظ بآثار الدعاية الانتخابية لهذا المرشح أو ذاك لعضوية المجالس البلدية، حتى ليبدوا أنه لم يتغير شئ منذ ذلك الحين في مجال الحملات الانتخابية.

وفي روما القديمة أيضا، كان المرشحون لشغل المناصب الحكومية، يلتقون جمهور الناخبين في ساحات المدن العامة، قبل بدء التصويت بعدة أشهر، وهم يرتدون معاطف ناصعة البياض، في إشارة إلى أن ضمائرهم نظيفة وناصعة، كما هي معاطفهم..

وفي اليونان احتلت أربع قبائل في نهاية الألفية الثانية قبل الميلاد المساحات التي أسست عليها فيما بعد الدولة الإغريقية. وكان لكل واحدة من تلك القبائل مجلسها الشعبي (مجلس الشيوخ) الذي يرأسه قائد منتخب. 

 

                                         في اليونان القديمة كان لكل قبيلة مجلس شيوخ خاص بها

وعرفت اليونان اسلوبي التصويت العلني والسري، إذ كانت بذور اللوبيا البيضاء والسوداء بمثابة بطاقات الاقتراع، حيث يرمي الناخب بذرة اللوبياء البيضاء في حال التصويت لصالح المرشح، فيما كانت البذرة السوداء علامة أن الناخب صوّت ضد المرشح المعني. ويتم الاحتفال عند انتهاء الاقتراع وإعلان النتائج باقامة مأدبة تكون اللوبيا مادتها الأساسية.

 

وعرفت اليونان القديمة أيضا اسلوب التصويت السري فيما كان يعرف بمحكمة الإبعاد (النفي)، حيث تمكن الرعايا من طرد أي مسؤول إلى خارج حدود المدينة، إذا ما أخل بالتزاماته (وعوده الانتخابية) وفي حال تهديده لأسس الديمقراطية. وتتم عملية التصويت بواسطة ألواح خشبية، أو مصنوعة من الجلد، يجلبها المواطن معه ليكتب عليها أسماء المسؤولين المرشحين للطرد إلى خارج حدود أثينا (عاصمة اليونان)، وتوضع تلك الألواح في صندوق معتم وفي مكان منعزل (كابينة انتخابية)، ويتم خلط محتويات الصندوق أمام أنظار المواطنين في الساحة العامة للمدينة، فيما تقوم لجنة خاصة بعملية (العد والفرز) لجميع الألواح، التي ينبغي أن لا يقل مجموعها عن 6000 لوح، لاعتبار الاقتراع شرعيا. ويتم طرد المسؤول الذي يتكرر اسمه أكثر من الآخرين في تلك الألواح، بعد عشرة أيام من إعلان النتيجة، ليتمكن خلالها من تسليم مسؤولياته وتسوية قضاياه الشخصية. وتختلف فترة الإبعاد حسب مقدار الضرر الذي يتسبب فيه المحكوم عليه بالطرد، لكن أغلب المصادر التاريخية تشير إلى أن تلك الفترة لا تقل عن عشرة أعوام.

وتمكن المبعدون من زيارة المدينة في بعض الأحيان، بموافقة ووفق قرار من الاجتماع الشعبي، ولم يسر قرار الإبعاد على عائلة المبعد وثروته، التي تتكفل الدولة بصيانتها طيلة فترة الإبعاد.

   

على أنه لابد من الإشارة إلى إن الحكم بالإبعاد كان يتخذ بحق المسؤولين كإجراء وقائي أيضا ضد التفرد بالسلطة (الدكتاتورية) وللحيلولة دون تعسف المسؤولين واستخدام النفوذ.

أن واحدة من المسائل التي يمكن أن تؤشر خلال الحديث عن الانتخابات في روما القديمة هي أن غلاء الحملة الانتخابية جعل حق الترشح لتسنم المناصب العليا في الدولة في متناول الطبقة الثرية جدا من رعايا روما، الأمر الذي أدى بمرور الزمن إلى بروز طبقة من الموظفين من العوائل الثرية والارستقراطية، فيما أخذت الهوة بين تلك الطبقة وبين بقية الطبقات الاجتماعية تتسع بشكل كبير. في ضوء ذلك يمكن تقييم أهمية المقولة التي أطلقها آنذاك السياسي والكاتب الشهير بلينيا الأصغر، حيث قال "أن على من يتولى إدارة الجميع أن يكون منتخبا من بين الجميع". تلك المقولة التي لا تثير مصداقيتها ادنى شك حتى في يومنا هذا.  

وفي روس القديمة اعتمدت الانتخابات أيضا لتشكيل مختلف أجهزة الدولة، ففي نوفغورود (احد المراكز التي أدى توحدها إلى تكوين الدولة الروسية) كان من بين وظائف المجلس الأعلى للجمهورية (الفيتشا)، إضافة إلى إعلان الحرب وعقد السلام، انتخاب كبار المسؤولين، المدنيين والدينيين، في الدولة. وجرت الانتخابات عن طريق الاقتراع، حيث قام طفل، أو ضرير، بسحب الأوراق التي تحمل أسماء المرشحين من صندوق الاقتراع.

وكانت النظم الانتخابية في روس القديمة بسيطة وأولية، وشبيهة بتلك التي كانت سائدة في المدن – الحكومات في اليونان وروما القديمة. فقد جرت الانتخابات في نوفغورد وبيسكوف، على سبيل المثال، في الساحات العامة واعتبر منتخبا من حصل على أعلى أصوات الناخبين عن طريق الصراخ.

 

  في نوفغورود الروسية القديمة يعتبر منتخبا من حصل على أعلى الأصوات بواسطة الصراخ (القرن الثاني عشر)

ومن بين أساليب التصويت المعروفة هو الاقتراع بواسطة الكرات، التي كانت معتمدة في روسيا قبل عام 1905 ، حيث تم استبدالها بنظام القائمة.

وربما كان التصويت برفع الأيدي الأكثر انتشارا والأكثر بساطة وقدما، إذ تمتد جذوره إلى المدن – الحكومات الإغريقية القديمة، وتم اعتماده كذلك في مدن روس القديمة مثل تانايس (مقاطعة روستوف حاليا) في القرنين الخامس والثالث قبل الميلاد. في تلك الفترة كان سكان المدينة (الدولة) يتجمعون في الساحة الرئيسية للمدينة ويرفعون أيديهم بعد إعلان اسم كل مرشح من منصة منصوبة خصيصا لذلك. وكانت عملية الاقتراع تمتد لعدة أيام، إلى حين انتخاب جميع أعضاء المجلس. على أنه لابد من الإشارة هنا إلى أن التصويت برفع الأيدي كان يتم ليس فقط لانتخاب المرشحين للمناصب المختلفة، بل وللموافقة والتصديق على القرارات المختلفة التي تهم مصير الدولة والمجتمع. وهو الأسلوب الذي ما يزال معتمدا إلى يومنا هذا في الكثير من البرلمانات والمؤسسات المختلفة.

 

 رفع الأيدي كان الأسلوب الشائع  في اليونان القديمة لانتخاب مسؤولي المجالس العليا لمدة عام واحد

وفي مدن الإغريق القديمة، مثلما في روما القديمة، خضع جميع المرشحين لشغل المناصب الحكومية المختلفة إلى اختبار قاس لغرض التأكد من آهلية المرشح لتسنم المنصب المعني، بالإضافة إلى التحقق من مدى استجابته للشروط المحددة قانونا وعدم شموله بما يسمى بالموانع الانتخابية، ومنها مانع العمر والثروة والحالة الاجتماعية والخدمة العسكرية وسلامة العلاقة مع الوالدين والآلهة وعدم المديونية لخزينة الدولة ... وغيرها.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن من الشروط التي ينبغي توفرها للمشاركة في الانتخابات هو أن يكون الناخب رجلا (مانع الجنس) وأن يكون حرا (المانع الاجتماعي)، وأن يكون قد بلغ العشرين من العمر (مانع العمر)، بالإضافة إلى مانع الثروة، التي حدد مقدارها القانون بما يتناسب مع المستوى الاقتصادي للمدينة التي تجرى فيها الانتخابات.

 

روسيا السوفيتية أول دولة في العالم تمنح حق الاقتراع للمرأة

وما زلنا بصدد الحديث عن الموانع الانتخابية، أجد مناسبا الإشارة إلى أن روسيا السوفيتية كانت الدولة الأولى في الـتاريخ، التي ألغت والى الأبد مانع الجنس، حيث أعلنت مساواة الجنسين في جميع الحقوق والواجبات، بما في ذلك حق المشاركة في الانتخابات والترشح لجميع المناصب الحكومية.   

وفي العراق، البلد الذي يحبو بصعوبة لاجتياز درب الآلام نحو الديمقراطية الموعودة تم، وفي عجالة مربكة، اعتماد بطاقة الناخب الالكترونية، دون إجراء التعداد السكاني العام، والوقوف على العدد الحقيقي للناخبين العراقيين في الداخل والخارج. فيما يطرح اعتماد تلك البطاقة الكثير من التساؤلات حول نسبة الخطأ الذي يمكن أن يتسبب فيه استخدامها، بالإضافة إلى مدى تهيئة الناخبين لاستخدام مثل هكذا تقنيات متقدمة، ومدى تجاوب استخدامها في ظروف البلد المعروفة مع المبادئ الانتخابية، وخصوصا مبدأ سرية الانتخابات.

 

من هنا، ربما يكون من المفيد، اعتبار العراق دائرة انتخابية واحدة، ذلك أن بلدنا، مع انه اعتمد الفيدرالية شكلا للدولة، إلا أنه لا يرقى، من حيث المساحة والتعقيد، إلى مستوى الدول الفيدرالية الأخرى، مثل الولايات المتحدة وروسيا والبرازيل وباكستان ... وغيرها.

وربما يكون من العدالة والإنصاف اعتماد نظام آخر في عملية توزيع المقاعد البرلمانية وعدم تقديمها هدية لممثلي القوائم الأكبر، مع كل ما يترتب على ذلك من إخلال بمبدأ المساواة وإساءة لممثلي الشعب الحقيقيين.