سقطت الموصل يوم شكلوا مجلس../ علاء اللامي

سقطت الموصل سقوطا مهينا ومخجلا بأيدي مسلحي داعش وحلفائه  وبطريقة ذكرت الكثيرين بسقوطها وسقوط العديد من مدن الشمال العراقي دون قتال إطلاقا خلال الغزو الأميركي سنة 2003.

سقطت الموصل يوم شكل الاحتلال الأميركي مجلس حكم لحكم العراق على أساس طائفي، لإقامة دولة المكونات لا دولة المواطنة. ومن يومها يحترق العراق ويقتل ويجرح ويهجر العراقيون بسبب هذه الجريمة الكبرى التي يتشبث بها بعض المنتفعين من العملية السياسية الطائفية حتى آخر عراقي وحتى آخر مدينة أو قرية عراقية.

 سقطت الموصل وقد تسقط مدن رئيسة أخرى في الغرب والشمال العراقي، ولكن تنظيم داعش التكفيري لن ينتصر في هذه الحرب التي ستطول كثيرا، مثلما لم ينتصر لا هو ولا أمثاله فكرا وعقيدة وقتالا في حرب سوريا التي لم تنطفئ نارها بعد، ولكنه  سينجح في تدمير المحافظات الثلاث نينوى والأنبار وصلاح الدين وأجزاء من محافظة ديالى وقد يقتحم بعضا من أحياء من بغداد ويدمرها تدميرا تاما. ستتحول مدن هذه المحافظات إلى رماد لا يختلف عن رماد حلب وحمص ودرعا وغيرها، سيُهجر ويقتل ويصاب عشرات الآلاف من العراقيين.

تنظيم داعش لن ينتصر في هذه الحرب، فقواته لن تستطيع عبور الخط الرابط بين المدائن جنوب بغداد وجرف الصخر شمالي الحلة، إذ لا وجود لحاضنة لها في الجنوب والفرات الأوسط، وستواجهه العشائر الجنوبية وتمزق مقاتليه إربا إنْ دخلوا تلك المناطق كما دخلوا سامراء بالأمس والموصل اليوم.

قد يرسل داعش مفخخاته وانتحارييه، نعم، ولكنه لن يغامر بدخول تلك المناطق التي استعصت على البريطانيين والأتراك، طوال عقود. وأخيرا، فداعش لن يتوجه جنوبا لأن مهمته ليست في الجنوب بل في المحافظات الثلاث!

بعيدا عن كل تفلسف وتبريرات عقيمة لانهيار الجيش والقيادات السياسية والعسكرية، يجب التصدي بالممكن لمسلحي داعش وجعل بقائهم في نينوى وغيرها غالي الثمن وغير محتمل، كما يجب أن يفهم أبناء المحافظات الثلاث أن انتصار داعش وسيطرته على هذه المناطق يعني دمارا لهم ولمحافظاتهم وسيطول الليل في هذه المناطق حتى يتم تنفيذ البرنامج المطلوب، ولذا لابد من مقاتلة داعش وهزيمة مشروعها.

لم يعد مهما معرفة من يقف وراء داعش، إيران، قطر، أميركا، تركيا، كل هؤلاء؟ هذا ليس مهما بعد الآن، لأن برنامج "بايدن" الجهنمي لتقسيم وتدمير العراق وتهجير الملايين أصبح قيد التنفيذ، ولإيران دور معلوم في خطة التنفيذ عن قصد وسابق إصرار أو عن غباء وأنانية!

حتى إذا هُزم داعش وتم دفنه، وبقي نظام المحاصصة الطائفية كما هو فسيولد داعش آخر، ويتكرر السيناريو الجهنمي ذاته. إن الخلاص الحقيقي للعراق وأهله وللإقليم كله يكون بإنهاء حكم المحاصصة الطائفية ودفنه مع داعش في لحد واحد وبناء دولة المواطن لا دولة المكونات!

من جهة أخرى فإن مواقف وتصرفات محافظ الموصل أثيل النجيفي تستحق التفحص والاحترام: وكالات أنباء وصحف وصفحات متحزبة أو طائفية أعلنت أن الرجل هرب من الموصل، ولكنه ظهر في الساعات الأولى للأحداث في مجموعة من الصور حاملا سلاحه الفردي وسائرا في شوارع المدينة مع عدد قليل من الحراس الشخصيين بعد سقوط مبنى المحافظة. ثم أصدر شخصيا بيانه الأول، وكان واضحا جدا لجهة دعوة الأهالي لمقاومة ما دعاها "قوى الإرهاب" وذكرها بالاسم "داعش والقاعدة"، ولكن الطائفيين المذعورين من الشيعة هرعوا إلى "الفوتوشوب" ليشوهوا الرجل ويفبركوا بيانات وتوجيهات بتوقيعه لكي يزعموا أنه تواطأ مع التكفيريين الذين احتلوا واستباحوا المدينة!

واليوم اتهم النجيفي قيادات الجيش بتضليل القائد العام للقوات المسلحة وطالب بتقديم كبار القادة وفي مقدمتهم الفريق عبود قنبر إلى محاكمة عسكرية وهذا مطلب معقول وأصغر ما يمكن أن يقوم به قائد يحترم شعبه، ولكن هل يحترم شعبه مَن يُغرق أو يسمح بإغراق الجيش بضباط الولاء الطائفي والشَّدات (الشدة الواحدة أو الدفتر مائة ورقة، والورقة مائة دولار)!

وبالمناسبة يخلط بعضهم بين ضباط الشدات الباحثين عن الراتب الدسم والوجاهة العسكرية وضباط الدمج المؤدلجين والقادمين من مليشيات طائفية شرسة قاتلت ضد النظام السابق لعدة سنوات، فهؤلاء – ضباط الدمج – يقاتلون بقسوة وبسالة أشبه بالهوس ويقدمون تضحيات كبيرة ومستعدون للموت في أية لحظة لأنهم مدفوعون بالدافع العقائدي والطائفي الديني والحزبي معا، وهم على فكرة ليسوا من طائفة واحدة! أقول هذا كتوصيف وتصنيف مجتمعي مع رفضي لضباط الدمج والشدات معا، فأنا لا أؤمن بهما، بل بالشعب المسلح ومليشياته الشعبية!

غير أن مواقف وتصريحات أثيل النجيفي ليست كلها واضحة، وتخلو من غموض، فالرجل انقلب 180 درجة على مواقفه السابقة السلبية إلى درجة العداء للجيش ليكون بين ليلة وضحاها حريصا على أن يقاتل هذا الجيش المسلحين ويطردهم من الموصل بعد أن كان يطالب ليل نهار بإخراج هذا الجيش من الموصل، فكيف يُفسر هذا الانقلاب؟ ثم أن ما يتوارد حتى الآن من أنباء يؤكد أن النجيفي يقوم حتى الآن بترتيبات كثيرة ولا يستبعد أن يكون قد اتصل بقيادات المسلحين، وهناك من ينتظر له دورا في المجلس العسكري الذي سيشكل اليوم أو غدا من ضباط جيش النظام السابق والذي دعا النجيفي هؤلاء الضباط للقيام بدور مهم. ثم هل يعقل مع كل ما لدى النجيفي من معلومات أنه فوجئ باحتلال الموصل بهذه السرعة، أم أنه كان على علم وله دور صغير في الأحداث؟

بالمناسبة، ما حقيقة ما يقال عن دور ما لحزب عزة الدوري والذي قاد عملية "خلع الملابس العسكرية ورمي الأسلحة في المجاري" سنة 2003 ولم يطلق رصاصة واحدة ضد قوات الاحتلال في الجبهة الشمالية؟

بصراحة، بعد مفاجأة سقوط الموصل بالشكل المهين الذي جرى به، لا يمكن للإنسان المالك لقواه العقلية كاملة أن يستبعد تحقق أي احتمال بما في ذلك عودة الموتى من قبورهم!

* علاء اللامي: كاتب عراقي