هل يجرؤ المالكي؟ نصف الانتصار على داعش في .. / علاء اللامي

انتهت  جلسة مجلس النواب الجديد يوم الثلاثاء الماضي الأول من تموز بتحقيق إنجاز يتيم واحد هو أداء اليمين الدستورية، فقد بدأت الجلسة بحضور 255 نائبا، جاؤوا لأداء القسم الدستوري، فبه فقط يثبتوا رسميا صفتهم كنواب و تصرف لهم الرواتب والامتيازات من أجور و وسائل حراسة وسكن وجوازات دبلوماسية. ثم، و بعد الاستراحة مباشرة، انسحبت غالبيتهم وانخفض عدد الحضور منهم الى 75 نائبا فقط. هذا يعني أن المجلس بدأ "عراقيا" يمثل جميع نواب "المكونات"، ولكنه، و بعد الاستراحة وانسحاب النواب الأكراد و العرب السنة و سقوط النصاب، تحول من مجلس متعدد الطوائف إلى مجلس نواب لطائفة واحدة، بل هو حتى لم يشمل جميع نواب تلك الطائفة الذي قيل أن مكوناته السياسية تحوز على أكثر من 170 مقعدا فأين ذهب الآخرون من هؤلاء و من أولئك؟

الطريف والباعث السخرية هو أن هناك أكثر من سبعين  نائبا تأخروا عن حضور الجلسة لسباب ما، و حين وصلوا كان النصاب قد أسقط، فقرر هؤلاء إرسال  ورقة إلى مهدي الحافظ رئيس المجلس "سناً" يرجونه فيها أن يسمح لهم بالدخول لأداء اليمين ويكتسبوا صفة الرواتب .. عفوا : النواب! ولكن النواب المتبقين رفضوا ذلك لعدم توفر النصاب!

ومع ذلك فقد ساد نوع من الشلل أو العجز الساحة السياسية قبل وبعد انعقاد هذه الجلسة.  فهل هو الشلل أو الارتباك أم العجز أو محاولة الاحتفاظ بغنيمة الحكم كاملة هو الذي يمنع المالكي وائتلافه" دولة القانون" وتحالفه " التحالف الوطني" من الإقدام على حلول سياسية حقيقية وملموسة وجريئة حتى لو كانت تبدو ثانوية؟ هل يمنع تقديم حلول سياسية جريئة من المضي قدما في مهمة إنهاء التمرد المسلح وتطهير العراق من داعش؟

لماذا لا يبادر المالكي أو ائتلافه أو التحالف الذي يدعمه إلى تقديم أية معالجات أو حلول سريعة للوضع الخطير الراهن فينشغلون بالبحث عن جنس الملائكة ( يريدون رئيسا للوزراء لا يكون المالكي بل المالكي) و يكتفون باعتماد الحل الأمني المكلف جدا والذي يسدد العراق ثمنه من دماء شبابه الزكية و يقدمون استيراد الخردة الروسية "سوخوي"كوعد بالحسم السريع؟

أ لم يقل المالكي بالأمس إنّ الحل العسكري في مواجهة التمرد المسلح لداعش ومليشيات الدوري سيتواكب مع الحل السياسي؟ متى، و أين، وكيف سيتواكبان؟ هل يعتقد المالكي ومن معه أن انعقاد مجلس النواب واتفاقهم مع شركائهم في "كارثة" العملية السياسية على توزيع كعكة المناصب والامتيازات هو الحل السياسي؟

كنت قد كتبت على صفحتي الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي" فيسبوك" قبل يومين المنشور الآتي (لماذا لا يجتمع أقطاب العملية السياسية الثلاثة بعيدا عن أي تدخل أجنبي أميركي أو إيراني أو سعودي أو تركي أو أيا كان ويقدمون أملا للعراقيين يقوم على :

- تنفيذ عفو عام وشامل ومدعوم نيابيا عن كافة المحكومين داخل العراق والذين يسلمون أنفسهم ممن هم خارجه ويستثنى من هذا العفو مجرمو القاعدة وداعش!

- إطلاق مفاوضات رسمية مع التجمعات العشائرية المسلحة التي تقاتل الآن ضد الحكومة ودون أن تكون مرتبطة بتكفيريي داعش ودراسة مطالبها والبدء بتفيذها.

- وضع خريطة طريق بمواعيد ثابتة لإعادة كتابة الدستور العراقي باتجاه إنهاء العملية السياسية الطائفية القائمة على المحاصصة والبدء بعملية سياسية وطنية تقوم على بناء دولة المواطنة الحديثة و المساواة وتحريم وتجريم الطائفية السياسية).

ومع أنني لا أحمل أية أوهام في أن الحكم ومعارضيه قد يخرجون من جلدهم ويجترحون مأثرة مفاجئة تقضي على جذر المصائب " المحاصصة"، ولكنني شخصيا رحبت بالعفو الغامض والمقتضب الذي ورد في كلمة المالكي التي ألقاها اليوم الأربعاء، وقال إنه يشمل (أبناء العشاء وجميع الناس الذين تورطوا بأعمال عنف ضد الدولة ) مستثنيا منهم من تلطخت أيديهم بدماء العراقيين، رغم تأخر هذه الخطوة ولكن أن تصل متأخرا خير من ألا تصل أبدا!

 غير أن  الغريب واللافت هو أن بعض الكتبة والصحافيين العراقيين من مدرسة "بول بريمر " للتصفيق للغزاة برا وبحرا وجوا، بدأوا بعد انتهاء جلسة مجلس النواب سالفة الإشارة  بكيل المديح والإطراء بالقطعة والساعة والكيلو غرام لإياد علاوي، نعم إياد إياه ما غيره ،لماذا؟ لأنه لم يحضر جلسة اليوم ! وعلى هذا فهم يحاولون تسويقه مجددا على أساس انه العبقري الوحيد في باحة العملية السياسية الطائفية فالأعور الوحيد بين العميان ملك ! سؤال صغير لهؤلاء : متى حضر إياد علاوي  جلسات البرلمان السابق ليحضر جلسات البرلمان الحالي؟ أم أنها "حرشة" الهدف منها تبيِّض الوجوه السوداء التي قادتنا إلى ما نحن فيه اليوم لنبقى ندور في دائرة الخراب ذاتها؟ ومَن أكثرُ سوادَ وجهٍ ممن بدأ اللعبة وكانت السلطات التشريعية والتنفيذية بين يديه الاثنتين فقط، يوم كان رئيس وزراء أول حكومة محاصصة تحت ظلال الاحتلال الأميركي؟

إن خطورة الوضع تقتضي التفكير بطريقة فعالة ومفيدة وجريئة في تقييم وتحليل الأمور ومن ذلك ضرورة اتخاذ موقف حاسم من التصرفات الابتزازية الأميركية التي بلغت ذروتها في تعمد تجريد الجيش العراقي من الأسلحة التي دفع العراق ثمنها وخصوصا طائرات الأف 16 وغيرها و إرسال المزيد من خبراء التجسس وجمع المعلومات لحماية سفارتهم في بغداد والتي يفاخرون بأنها أضخم سفارة أميركية في العالم. لقد بات مهما ومصيريا اتخاذ موقف حاسم من هذه التصرفات الابتزازية والاستفزازية الأميركية والتي ستكلف العراق وشعبه كثيرا في المستقبل، لأن واشنطن  ستحاول عرقلة احراز النصر على تكفيريي داعش وحلفائها لتبقى حكومة بغداد تحت رحمتها.

ولهذا  فإن على المهيمنين على الحكم أن يعلموا  أن نصف الانتصار على داعش وحلفائها يكمن في معاقبة إدارة أوباما على تسويفها ومماطلتها في الوفاء بوعودها التسليحية وطرد خبرائها الأمنيين  وإلغاء اتفاقية "الإطار الاستراتيجي" فورا ودون إبطاء! فهل يجرؤ المالكي ومن معه على فعل ذلك؟ للأسف، لست متفائلا، و لا أعتقد بإمكانية وقوع ذلك، فالمالكي ومن معه وحتى من يعارضه اليوم هم جميعا نتاج فترة الاحتلال الأميركي وهم جميعا مدينون لواشنطن بما هم فيه من مناصب وامتيازات ومواقع. و لكن، وللإنصاف، فالمالكي هو الوحيد بينهم الذي أصرَّ على أن ترحل قوات الاحتلال في المواعيد المقررة فيما أصر الشركاء الآخرون، طالباني والبارزاني وطارق الهاشمي وعلاوي وغيرهم على أن يتم التمديد لبقاء الاحتلال لعشر سنوات وقد فاق بابكر الزيباري رئيس أركان الجيش "عن الكردستاني" الجميع بسخائه وكرمه فطالب بالتمديد للاحتلال بعشرين عاما.

وعرضا أقول، إن بعض اللبراليين العراقيين الجوَّف والمريبين وجدوا اليوم أن الحق مع بابكر زيباري وفرقته لأن ما يحدث في العراق منذ سقوط الموصل هو من وجهة نظرهم بسبب الرحيل المبكر لقوات الاحتلال! وهؤلاء أناس بلا أخلاق وكذابون بالمجملة والمفرد لأنهم يتناسون أن قوات الاحتلال حين كانت موجودة على أرض العراق لم تنجح في منع انفجار أو مجزرة واحدة بحق العراقيين، بل كانت تشرف على تدريب التكفيريين في سجونها وتنقذ بعضهم من حبال المشانق، وترسلهم الى الميدان مجددا! إن أسباب ودوافع معاقبة واشنطن كثيرة ومنها المماطلة والتسويف في تسليح الجيش العراق و تأسيسها لنظام حكم المحاصصة الذي هو جذر كل مصائب العراقيين وفي تواطئها مع منظمات القتل التكفيرية منذ أيام الزرقاوي وحتى اليوم. يتذكر الجميع أن بوش الابن هو من بدأ تنفيذ استراتيجيته الغبية  القائلة ( اتركوا الارهابيين يدخلون العراق لنسحقهم بعد ذلك هناك حتى لا نقاتلهم على أبواب واشنطن ونيويوك ) وكيف انتهت تلك الاستراتيجة بمذبحة فظيعة بحق العراقيين ولم يصب المحتلون إلا بشظاياها الطائشة!

لقد تجرأ جمال عبد الناصر على معاقبة أميركا والغرب في الستينات لأنهم خذلوه ورفضوا تمويل السد العالي فقلب الوضع الجيوسياسي العالمي كله آنذاك رأسا على عقب وتوجه نحو الاتحاد السوفيتي والكتلة الشرقي فكسب الكثير لبلاده وشعبه وجعل الغربيين يعضون أصابع الندم. فهل سيجرأ المالكي على تكرار هذه المأثرة الناصرية لإنقاذ العراق من التقسيم والمذابح الفظيعة ما بعد التقسيم؟ الأكيد هو أن عقاب العراق سيكون أقوى وقعاً وأشد هولاً على رؤوس أعداء الشعوب من الحكام الغربيين والأميركيين لما يملكه العراق من مقومات وإمكانات هائلة لا وجود لها في أية دولة أخرى في الإقليم!

وأخيرا، إذا لم يكن المالكي قادرا على فعل ذلك، ومعاقبة الأميركيين على ما اقترفوه بق الشعب العراقي مباشرة او بالتواطؤ مع مجرمي داعش  فما الذي يمنعه من التلويح بعقاب كهذا على الأقل مجرد تلويح؟ مع أن لغة التلويح واللف والدوران لم تنقذ وطنا أو شعبا على مرِّ التاريخ، إذْ أنّ :

على قدرِ أهلِ العزمِ تأتي العزائمُ ....وتأتي على قدرِ الكرامِ المكارمُ

وتعظمُ في عينِ الصغيرِ  صغارُها ....وتصغرُ في عينِ العظيمِ العظائمُ !