
ماذا يريد العرب من كوردستان ؟ / ئارام باله ته ي
قبل عدة سنوات كتبت مقالا بعنوان (الحقد العروبي والتسامح الكوردي إلى أين ؟) . إلا أن طبيعة تعامل سلطات إقليم كوردستان والمجتمع الكوردستاني ظل منفتحا على الإخوة العرب، حتى إكتظت المدن الكوردستانية بهم، ووصل الأمر إلى دمج هؤلاء وتعيينهم في مؤسسات الإقليم، وامتلأت المصايف بالسياح والمصطافين من كل المدن العراقية دون أن ينتج عن ذلك أي احتكاك أو تذمر من قبل شعب اقليم كوردستان . هذا ، على الرغم من الإرث التاريخي المثقل بالظلم والاضطهاد الذي لقيه هذا الشعب على يد الحكومات العراقية المتعاقبة، وذلك كله راجع إلى الطبيعة الفطرية المتسامحة لشعب كوردستان . لكن كيف كان رد الجميل ؟ .
على الرغم من أننا كنا نسمع في كثير من الأحيان، هؤلاء العرب الذين يعيشون تحت حماية سلطات الإقليم وبين ظهراني شعبهم، يتوجهون بالانتقاد لكوردستان في مجالات شتى، بل وحتى السخرية من الكورد، ويظهرون أحيانا أخرى الحنين إلى أيام حكم البعث وصدام حسين، ويحملون الكثير من الضغائن تجاه تجربة الإقليم بسبب الإجراءات الأمنية المتخذة لحماية كوردستان من موجات الإرهاب، مع أن كوردستان كانت ولازالت الملاذ الآمن لكل العراقيين . إن الكثيرين من هؤلاء العرب لم يكن يستسيغون أن يحكم الكورد أنفسهم بشكل شبه مستقل، حتى وإن كان الدستور الفدرالي لسنة 2005 ينص على ذلك . كل هذا كان يحصل دون أن يفقد شعب كوردستان وسلطاته صبرهم تجاه هؤلاء الإخوة العرب، لكن الذي حدث بعد 2-8- 2014 وتغيير (داعش) لبوصلتها القتالية تجاه كوردستان، أظهر بما لايدع مجالا للشك أن هذا التسامح الكوردستاني لم يلقى أي صدى إيجابي لدى العرب، لاسيما إذا عرفنا أن جل القرى العربية المتاخمة لمناطق الكوردستانيين شاركت (داعش) في الهجوم على هذه المناطق وتصرفوا مع أهلها الكوردستانيين تصرف ألد الأعداء من قتل ونهب وسبي للنساء الكورد . بل أن رد الجميل وصل إلى تواطأ العرب المتواجدين في كوردستان مع داعش، إذ أن بعض المعلومات أفادت بأن الأجهزة الأمنية في كوردستان قد ألقت القبض في خضم هذه الأحداث الأخيرة على بعض الأشخاص وهم متلبسون بالتواصل مع (داعش) من داخل إقليم كوردستان، ويقدمون لهم المعلومات، وفي الوقت نفسه يديرون حرباً نفسيا مع سكان الإقليم لمصلحة (داعش) .
بالرغم من كل ما حدث، خرج رئيس الإقليم بخطاب حذر فيه من المساس بالعرب المتواجدين في كوردستان، ومازال الإقليم يوفر لهم متطلبات وسبل العيش الكريم . هل هذا تسامح مبالغ فيه ؟ أو أخلاق متأصل في شعب جُبِلَ بالطيبة والكرم ؟ . وفوق هذا، ترى في المواقع العربية على شبكات التواصل الاجتماعي، هجوما لاذعا على الكورد، واصفين إياهم بالخيانة والغدر والعمالة !! . يبدو أن كل إناء بما فيه ينضح .
إن العرب منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة في عشرينيات القرن الماضي قتلوا من الكورد أكثر بكثير مما قتله الإسرائيليون من الفلسطينيين، لكن الفرق الجوهري يكمن في أن الكورد ما زالوا يصفون العرب بالإخوة، في حين يصف العرب إسرائيل وكل الإسرائيليين بالأعداء .
السؤال الأهم، مع كل ما يستجد وبعد كل تجربة، هل يمكن بناء جسور الثقة بين الكورد والعرب في العراق؟ . إن العلاقات المجتمعية تتأزم يوما بعد يوم بين الإثنيات الرئيسية في العراق، وربما سيصل اللاعبون الرئيسيون إلى قناعة تامة بعيدا عن الشعارات، أن تقسيم العراق هو الحل، مادام تقبل الآخر غير ممكن في مجتمع مُزق نسيجه الاجتماعي بفعل التراكمات الدموية .
ئارام باله ته ي
ماجستير في القانون
ماجستير في دراسات السلام