
وزارتان ..لا واحدة / أ.د.قاسم حسين صالح
الدكتور حيدر العبادي..مع التحية
نشر الاكاديمي الاستاذ الدكتور محمد الربيعي (بريطانيا) مقالا مهما حول (احتمال دمج وزارتي التربية والتعليم العالي في وزارة واحدة في الحكومة الجديدة). واهميته لا تأتي فقط بخصوص مشروع الدكتور حيدر العبادي الخاص بالترشيق الوزاري، بل ولأنه يطرح رؤية علمية بوصفه متخصصا بالتعليم العالي.
يتفق الدكتور الربيعي على دمج الوزارتين بوزارة واحدة شرط ان تمتلك الجامعات " استقلالية اكاديمية وادارة ذاتية ومالية مستقلة"، ويستطرد محذّرا:( والا فالخطوة بدون الاستقلالية ستكون وبالا على التعليم كله بصورة عامة وستصيبه نكسة كبيرة وفوضى عارمة).
ويستعرض الكاتب الفاضل تجارب دول متقدمة تم فيها دمج الوزارتين بوزارة واحدة ومنح الجامعات استقلالية تامة،وتجربة المغرب والكويت اللتين تم فيهما فصل وزارتي التربية عن التعليم العالي لتصبح وزارتين بوزيرين.ويضيف بأنه " في حالة دمج الوزارتين سيصبح ضروريا فصل البحث العلمي والابتكار عن الوزارة الجديدة وذلك بانشاء مؤسسة للبحث العلمي والابتكار مرتبطة بمجلس الوزراء، او بوزارة العلوم والتكنولوجيا في حالة عدم الغاء هذه الوزارة جريا وراء الرغبة بتقليص عدد الوزارات".
ان الموضوع الذي يطرحه البروفسور الربيعي في غاية الاهمية.وبوصفي كنت رئيس لجنة الصياغة في اول واكبر مؤتمر للتعليم العالي يعقد بعد التغيير (2004) حضره اكثر من (600)اكاديما من جامعات العراق كافة،برئاسة الدكتور طاهر البكاء وزير التعليم العالي، فان المؤتمر ناقش في لجنة خاصة موضوع استقلالية الجامعات واقر توصية اعتمدتها الوزارة في حينه.
ولأنني كلفت بمتابعة تنفيذ التوصيات ،فللتاريخ اقول بأن الوزيرين السيدين طاهر البكاء وسامي المظفر حاولا جهدهما تنفيذ التوصية الخاصة باستقلالية الجامعات،لكن معظم مهماتها لم يتحقق عمليا.ففي لقاء لي مع الوزير الدكتور سامي المظفر رجوته،بوصفي رئيس رابطة اساتذة جامعة بغداد، الغاء احالة الاستاذ الجامعي على التقاعد بعمر الخامسة والستين،فاشار بيده الى رزمة اضبارات قائلا :(تشوف هاي الفايلات..كلها طلب احالة على التقاعد وصلتني من الجامعات ).
واللافت ان ما منح لتلك الجامعات من استقلالية انتهى في عهدي الوزيرين السيدين ذياب العجيلي وعلي الأديب، واتخذت الجامعات اتجاهات سياسية بالرغم من ان الوزارة اعتمدت مادة تنص على:(جعل الحرم الجامعي بعيدا عن ممارسة النشاطات الحزبية والطائفية والعنصرية واي شكل من اشكال الممارسات التي تسيء الى العملية التربوية والتعليمية)..وأخرى تنص على:(ابتعاد الجامعات والكليات واروقتها عن اي نشاط حزبي او مذهبي او سياسي او ديني او عرقي ..مع التوعية بان التعبير عن الاراء والافكار يكون خارج الجامعة لتبقى الجامعات مراكز علمية واكاديمية بحتة).
ولأنني عاصرت التعليم العالي في العراق أكثر من ثلاثين سنة،واعتز بأنني كنت انا من وضع سبعة محددات من مجموع ثمان لفسلفة التعليم العالي في العراق والمعتمدة حاليا من قبل الوزارة،وساهمت بشكل فاعل في مؤتمراته ولجانه التخصصية ،فانني لست مع دمج الوزارتين حاليا..بل ان دمجهمها سيؤدي الى فوضى تربوية وكارثة في نوعية التعليم العالي والبحث العلمي.فما حصل لدينا هو زيادة في عدد الجامعات العراقية(29)جامعة، واضافة( 96 )كلية جديدة و(217 )قسما و(48 )فرعا، وارتفاع عدد طلبة الدراسات الاولية بنسبة ( 33%) وعدد طلبة الدراسات العليا بنسبة ( 76%)، فضلا عن ارتفاع عدد الكليات الاهلية الى (39 )كلية ..ما يعني اننا اذا اضفنا هذا العبء الكبير الى اعباء وزارة التربية،،فأن لك ان تتساءل:أي وزير وأي كادر يمكنه اصلاح هذا الحال؟..سيما وان المحاصصة ما تزال تفرض وجودها..وانها غالبا ما تأتي بكوادر ليست بمستوى الكفاءة والخبرة التي يقتضيها واقع الحال.
ما نرجوه من السيد رئيس الوزراء الدكتور حيدر العبادي ان لا يذهب باتجاه دمج وزارتي التربية والتعليم العالي بوزارة واحدة..والتفكير الجدي باصلاح حال الوزارتين لاسيما التعليم العالي..في تمكين وزارته من ترصين التعليم العالي والبحث العلمي وتوجيه مساره في الاطار الاكاديمي والعلمي والاداري لتطوير واقعه وافاقه المستقبلية ،والحرص على خلق اجواء تعليمية سليمة قائمة على ايمان مطلق بان تحقيق العدالة وبناء الانسان على مباديء الوطنية والحق وتوزيع فرص التعليم على الجميع بلا اشتراطات مسبقة، واعتماد اسس النزاهة والاستحقاق والايمان بمبدأ الحصانة للتدريسي الجامعي وضمان حقه في حرية التفكير والتعبير،والحرص على نوعية التعليم وضمان جودته،هو السبيل الأكيد الذي يوصلنا الى مصاف الدول المتقدمة في التطور والازدهار والابداع،سيما وان العراق بلد منتج للمبدعين حتى في اشدّ محنه.غير ان هذا لن يتحقق الا بمشاركة فاعلة من اكاديميين يتمتعون بالخبرة والكفاءة والوطنية..من المستقلين سياسيا..لا ان يحيط الوزير نفسه بمستشارين يقولون له ما يحب ان يسمعه..فتلك هي علّة سيكولوجيا الحاكم في العراق!..التي نرجو ان تستثني نفسك منها..مع خالص تمنياتنا بالموفقية.
Prof.Dr. Qassim Hussein Salih
Head of Iraqi Psychological Association
Mob.: +964 750 482 9116
+964 770 251 1003