الرفيق حسين كنجي (ابو عمشة) يتحدث

اذا كانت الصحافة بأنواعها، والاعلام بقنواته المختلفة، والفن والادب، والمتاحف والتماثيل، كلها تشكل اوعية تختزن في داخلها تاريخ الشعوب، فأنّ ذاكرة بعض المناضلين تقف مرفوعة الهامة وصارمة وتتحدى بدقتها وصدقها التاريخ ذاته، هكذا شعرت عندما التقيت بالرفيق (ابو عمشة)، فهو واحد من اولئك الذين حفروا بالصخر من اجل القفز على شروط المرحلة! فعاشوا حياتهم في قلب المحنة والاختبار منذ انقلاب اشباط الاسود وحتى اخر يوم في حركة الانصار.

ليس عندي اسئلة، ولا اظنُّ بأنّ لأسألتي ستكون فائدة، فحميمية اللقاء وبعض سنوات التجربة القاسية والمشتركة في الجبال فجّرت الطاقات الكامنة، وراح الرفيق ابو عمشة يتحدث بأنسيابية مريحة، والكلمات تتساقط من فمه خفيفة كندف الثلج، وبانت قدرته الهائلة في التقاط التفاصيل واصطياد المفارقات التي في بعضها من الألم ما يعصر القلب وفي بعضها الاخر مايثير الضحك الى حد القهقهة.

كم من مرة تعرض الى الموت، الى درجة ان عصابات (الحرس القومي) التي رفعت شعار (ابادة الشيوعيين اينما كانوا)، وضعوا فوهة الكلاشنكوف في رأسه، لكنه وفي كل مأزق يخرج سالما بأعجوبة لاتصدق، ونتيجة للخراب الذي حلّ بالبلاد بعد اجهاض المرتزقة على ثورة تموز في العام 1963، وبسبب الهجمة الوحشية الغير مسبوقة على الشيوعيين ومداهمة بيوتهم وملاحقة كل انسان وطني، اتخذ الرفيق (ابو عمشة) قرارا مع مجموعة من رفاقه الاخرين بحمل السلاح والالتحاق بالجبل (في مناطق بيرموس، وبريفكا، وسوارة توكا، وغيرها) في بهدينان، فكان مشاركا وشاهدا على صبرهم وبطولاتهم الى درجة الاستشهاد، وفي هذه المناسبة تحدث كثيرا عن رفيقه الفقيد المناضل (توما توماس) (ابو جوزيف) الذي سماه (بالرجل الذي لايعرف الخوف)، مستذكرا بذلك  احدى المعارك التي استشهد فيها الرفيق (امين عبدللة) حيث قال: بأنه لأول مرة يرى الرفيق (ابو جوزيف) يدخن سيكَارة وهو يقاتل، وذلك لشدة ماشعر به من حزن وألم لاستشهاد احد رفاقه.

الرفيق حسين كنجي (ابو عمشة) ترعرع في احضان عائلة شيوعية، وتعلم منها الاخلاص في محبة الناس ونكران الذات من اجل توفير الرغيف الساخن للفقراء، لكن القوى الخفية التي تجيد المقالب والتآمر وتتحرك في الظلام، لم تمنح الشيوعيين الفرصة لكي يبنوا وطنهم بالطريقة التي تحفظ كرامة وانسانية المواطن العراقي، لذلك شنّ البعثيون هجوما مجرما مرة اخرى على الحزب في العام 1979، في ذلك الوقت كان الرفيق (ابو عمشة) من الرفاق النشيطين في العمل الحزبي حيث كان يعمل في مكتب اللجنة المحلية لمحافظة نينوى، ويتنقل من اجل اداء مهامه في عدة مدن وقصبات تابعة للمحافظة (بحزاني وتلعفر وسنجار والحمدانية وبعشيقة وتلسقف والقوش وغيرها)، وبقي هناك مختفيا ومتنقلا من مكان الى مكان حتى ضاقت به ارض العراق بسبب وحشية النظام وبربريته، فقرر حمل السلاح والالتحاق بالجبل مرة ثانية، وكان من اوائل الرفاق الذين اسسوا قاعدة للانصار في (ناوزنك) التابعة الى قلعة دزة (سوران) مع الفقيد المناضل ابو جوزيف (توما توماس) ومجموعة اخرى من الرفاق ومنهم الشهيد ابو فؤاد والشهيد ابو نصير وابو سربست والشهيد ابو ماجد، حيث تحملوا قسوة البدايات في الطبيعة الوعرة وشحة السلاح وعدم توفر الامكانيات العسكرية واللوجستية.

وعن السنوات الكثيرة من عمله في حركة الانصار، تحدث الرفيق (ابو عمشة) عن تفاصيل معاناتها ونجاحاتها وخسائرها، وخاصة عن (الانفال) سيئة الصيت التي قام بها (الصداميون) بعد ان توقفت الحرب العراقية الايرانية في العام 1988، حيث شنّ الجيش العراقي هجوما (حرب ابادة) بكافة الاسلحة بما فيها الاسلحة الكيمياوية على قرى كردستان والناس المدنيين والانصار البيشمركة، فحاصروا جبل (كَارة) الذي نزحت له عوائل كثيرة هاربة من بطش النظام، ووصف الرفيق الحالة المأساوية التي واجهت الاطفال والنساء دون اكل او غطاء، ودون ادنى رحمة ولاشفقة ولاانسانية، وفي هذا الهجوم فقدَ الرفيق (ابو عمشة) ثلاثة عشر شهيدا من افراد عائلته، غيبهم النظام ولايعرف مصيرهم حتى هذه اللحظة.

الخلود للشهداء، والفخر للمضحين، والمجد للذكرى 79 لميلاد حزبنا الشيوعي العراقي.

طريق الشعب.. ملف الذكرى 79 لميلاد حزبنا الشيوعي العراقي