هل تنبثق حكومة وحدة وطنية؟ / د. يوسف شيت                

كانت تظاهرات 25 شباط 2011 في ساحة التحرير في بغداد أول احتجاجات شعبية سلمية كبيرة مطالبة بإصلاح العملية السياسية والتخلّي عن نظام المحاصصة الطائفية والاثنية. حينها اضطرّ رئيس مجلس الوزراء نوري المالكي إلى إطلاق تصريحه المشهور: " سوف لن أترشّح لولاية ثالثة".وعندما لاحظ المالكي بأنّ مندسّين من بقايا حزب البعث يرفعون شعارات مغايرة لمطالب المتظاهرين المشروعة وتسليط بعض الفضائيات الأضواء عليهم، حينها بدأ المالكي بكيل التهم للمتظاهرين ونعتهم بالإرهابيين وبقايا البعث الصدّامي، مستخدما بذلك الإعلام الرسمي وغير الرسمي لتشويه مطاليبهم، بالإضافة إلى قطع الطرق لمنع الناس من الإلتحاق بالمظاهرات، ثم اعتقال وتعذيب بعضا من قادة التظاهرات. أمّا المتحاصصين من الكتل الأخرى والذين ينتقدون المالكي سكتوا عن كلامهم المباح، حتى قمعت التظاهرات وتنفس الصعداء من بني الإمتيازات والمصالح الضيقة. بدأت مرحلة جديدة من التضييق على الحريّات واستشراء الفساد والاستخفاف بمطالب الناس في توفير الخدمات، مما ساعد على توسيع رقعة الإرهاب وتنويع أساليبه لترويع الناس الآمنين وقتل المزيد منهم حتى انتخابات 2014 التي أملت منها الجماهير إجراء التغيير.

كانت حملة "معركة" انتخابات نيسان الماضي، هي الأبشع من حيث التجييش الطائفي والقومي، خاصة بين الشيعة "المظلومين سابقا" والسنّة "المظلومين حاليا"، مما أعطى فرصة أكبر للإرهاب للوثوب من خلال الحواشي الأمنية المتهرّئة إلى استيلاءه على الكثير من مدن المحافظات التي أكثر سكانها من السنّة. وبشاعة الحملة الانتخابية كانت أيضا في مديات التزوير وشراء الذمم باستخدام المال المنهوب وتقديم وعود كاذبة للناخبين. وتحت بشاعة نيران المعركة الانتخابية لم تسمع أصوات الشخصيات والأحزاب والقوائم الوطنية التي تنادي بإخراج البلد من آتون الصراع على المال والسلطة ونبذ نظام المحاصصة والنظر بجديّة إلى الخراب الذي خلفّه هذا النظام المقيت وتنفيذ مطالب المواطنين وحقوقهم العادلة بإحداث تغيير جدّي، ليس في الوجوه التي سببت المآسي، بل بالعقول والأفكار التي تتبنى برامج من شأنها إخراج العراق من مأزفه الحالي. وكانت المرجعية الدينية الشيعية العليا قد نادت بضرورة التغيير. والسؤال المهم الذي تنتظره معظم الجماهير العراقية: هل يستطيع رئيس مجلس الوزراء المكلّف السيد د. حيدر العبادي أن يجري التغيير المنشود؟ مع العلم هناك من يعرف د. العبادي عن قرب بأنه شخصية وطنية يحب الاستماع إلى غيره وهادئ في نقاشاته، كمّا أنّ تصريحاته تدلّ على جديّته في إحداث التغيير.

في سياق المحادثات الحالية بين الكتل" الشيعية والسنيّة والكردية" لتشكيل الحكومة الجديدة لم نلحظ بأنّ هناك من المتشاورين, ربّما القلة منهم، من يأبه بما يجري في البلد. هذا ليس مستغربا، لأنّ الذين كانوا في دست الحكم خلال عقد من السنين، عملوا المستحيل، ونجحوا، للبقاء والمحافظة على نظام المحاصصة الطائفية والاثنية رغم اختلافاتهم في طريقة الحصول على المزيد من الامتيازات. اخذت المعلومات تتسرّب حول الخلافات والتوافقات لتشكيل الحكومة، سواءا بين الكتل أو بين تشكيلات الكتلة الواحدة، ويظهر أنّ تقسيم الوزارات ومناصب نوّاب الرئاسات الثلاث قد حسمت بين الشيعة والسنّة والكرد بعد تنازل الأطراف عن بعض من سقوفهم العالية. يأتي هذا ليس حرصا على مصلحة البلد، بل بسبب الضغوطات الخارجية وضغوط المرجعية الدينية الشيعية وفوران الشارع العراقي، للإعلان عن التشكيلة الحكومية خلال المدّة الدستورية. والسبب الرئيسي للضغوطات الدولية جاء بعد ازدياد خطر المنظمات الإرهابية المتمثّل بداعش، واجهة لما يسمى بثوّار العشائر وبقايا البعث الذي يطلق عليه "رجال الطريقة النقشبندية"، وأصبح هذا الخطر يهدد حتى الدول الغربية التي تغاضت النظر عنه في العراق وشجعته في سوريا، بل ومدته بالسلاح بحجة تسليح المعارضة السورية المعتدلة التي اختفى اسمها مؤخرا عن ساحة القتال.

لحدّ الآن لم نلاحظ ما يشير إلى تشكيل حكومة تتعدّى نظام المحاصصة، بيد أن التقسيم الطائفي-الأثني عكسه توزيع مناصب الرئاسات الثلاث. ولو فرضنا بأنّ السيد حيدر العبادي يريد حكومة غير طائفية-اثنية، إلاّ أنّه من الصعب طفر حائط نظام المحاصصة، لأنّ الأغلبية الساحقة من النوّاب جاءوا للحصول على امتيازات يسيل لها اللعاب. يؤكّد السيد العبادي على اختيار وزراء كفوئين من أجل إنجاح مهمّته وتطبيق برنامجه الحكومي ونقل البلد إلى مرحلة أكثر تطورا، وهذا ما ينتظره العراقيون . والسؤال، هل يستطيع رئيس الوزراء الإتيان بمثل هؤلاء الوزراء؟ حسب ما أعتقد، ويعتقد الكثير، من خلال متابعة الأوضاع في العراق، من الصعب جدا الإتيان بهؤلاء، رغم كثرتهم في البلد، أي تشكيل حكومة كفوءة، والصعوبة تكمن بأنّ من يختار الوزير أو نوّابه أو مدراء  عامين يكون من قبل رؤساء الكتل، وتمّ طرح ذلك بشكل علني وتمّ الاتفاق عل توزيع الوظائف بشكل توافقي. ليس هناك من رئيس كتلة أو وزير وحتى مدير عام يقوم بتعيين شخص من غير محسوبيه أو مؤازري كتلته أو حزبه لمجرّد أنّه كفوء ونزيه!!! كما أنّ تشكيل الحكومة لاينهي الصراع سواءا بين الكتل أو داخل الكتلة الواحدة. عندما يكون من المفروض أن تهدأ نار الاتهامات والتخوينات أثناء تشكيل الحكومة، نرى أنّها تستعر أكثر، مثلا، التهجّم على قوّات البيشمةركة، قابله الردّ بنفس الوتيرة من قبل وزير البيشمةركة. وهكذا سيكون السيد رئيس مجلس الوزراء القادم بين نيران الخلافات بين الكتل ونار معيقي إصلاح الوزارات ومتابعة مهامها بجديّة ونار مكافحة الإرهاب والفساد. فهل يستطيع إخماد هذه النيران التي تلتهم جسد العراق؟ طبعا من الصعب اخمادها بدون اللجوء إلى الجماهير وإعطائهم حقوقهم الدستورية والإستفادة من التجارب الماضية، كما جاء في تصريح المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي : "وفي ضوء ما يتوفر من معلومات ومعطيات بخصوص مجريات هذه العملية، نجد واجبا التشديد على ضرورة التعامل بايجابية مع دروس التجربة الماضية، والابتعاد عن النهج والآليات التي لا تنسجم مع تطلعات شعبنا، ولا تتسق مع ما تقتضيه متطلبات مواجهة التحديات الخطيرة المحدقة بالوطن، والحاجة الى تصويب مسار العملية السياسية، واخراج البلاد من ازماتها ووضعها على السكة المفضية إلى القضاء على الارهاب وتحقيق الأمن والاستقرار والاعمار والازدهار." . أو أنّ السيد رئيس الوزراء سيتخلّى عن هذه المسؤولية الخطرة، أو ربّما سينصاع لأصحاب الامتيازات ويقبل بنظام المحاصصة الذي يمقتوه علنا ويطبّقوه عملا ليحترق، لا سامح الله، ما سيتبقى من العراق!!!