
الثقافة والتطور العلمي / التكنولوجي / د. عدنان عويّد
بدايةنقول: ليس المقصود بالثقافة هنا المعنى الشائع لها، أي بكونها جملة العناصر المجسّدةوالموضوعية للممارسة الإنسانية في اتجاهيها المادي والروحي فحسب, بقدر ما نعني بهاأيضاً, (مجموع الرؤى والقيم الداخلية النشطة, التي تمثل التعبير الهادئ عن التجربة اليوميةالفردية والجماعية للناس الذين يعيشون هذه التجربة بأنفسهم.). (1). فالثقافة بهذا المعنىلم تعد نتاج النشاط الإنساني المادي والروحي فحسب، بل كذلك صيرورة الإنسان نفسهالتاريخية النشطة, التي حازت على إنسانيتها ووعيها بهذه القيمة الإنسانية, عبر علاقتها المباشرة مع الطبيعةوالمجتمع.
بهذاالفهم المنهجي لمعنى الثقافة، نعود ثانية لموضوعنا الأساس عنوان هذه المداخلة لنقولأيضاً: ليس من السهل على الدارس أو المطلع فهم العملية الثقافية بمعناها المشارإليه أعلاه في النطاق العالمي، وخاصة في العصرين الحديث والمعاصر، فهماً دقيقاً دونالأخذ بالاعتبار عامل تقويم الفكر العلمي ـ التكنولوجي لأوربا. وكذلك دون حساب تسربهذا الفكر إلى الممارسة الاجتماعية، وشكل وعمق ترسبه في التجربة الداخلية للمجتمعاتالبشرية التي أخذت بإنتاجه وممارسته بأشكال مختلفة، وفي أوساط اجتماعية إثنيةوثقافية مختلفة أيضاً. وبالتالي ما أفضت إليه عمليتي الإنتاج والممارسة من ردودأفعال إنسانية متعددة الاتجاهات والألوان والمستويات، ما بين القبول والرفض لهذاالفكر.
علىالعموم إن كل خطوة تخطوها البشرية في مجال تطور طابع القوى المنتجة وملحقاتهاالاجتماعية والفكرية، يرافقها بالضرورة خطوات أخرى في تطور المجال الروحي ـالسيكولوجي لهذه البشرية. فالتطور الذي حدث في مجال المعرفة المادية والروحيةلأوروبا منذ قيام الثورة الصناعية، أثر تأثيراً شاملاً وقوياً في معظم جوانب نشاطالإنسان (الفرد والمجتمع)، ليس في أوربا فحسب، بل وفي عالم الأطراف، إن كان علىمستوى الوعي الاجتماعي والفردي، أم على المستوى النفسي والسلوكي للفردوالمجتمع. أي بمعنى آخر: لقد حدث (تأثير) على مجمل النشاطات المادية والاجتماعيةوالروحية التي يمارسها الإنسان. بيد أن ما أحدثته الثورة العلمية / التكنولوجية فيأوروبا، هذه الثورة التي ابتدأت أسسها المنهجية مع قيام الثورة الصناعية من تغييرلوجه العالم الحديث والمعاصر، لم يكن تأثيرها المادي والروحي على كل مجتمعات أوروباوالأطراف واحداً عبر أوساطها الاجتماعية. ففي دول الأطراف عامة، ومنها وطننا العربيعلى وجه الخصوص، راحت نتائج هذه الثورة تسير سيراً بطيئاً ومتنوعاً ومعقداًللغاية. إضافة إلى أنها أخذت أيضاً تتحقق هنا وهناك من دول الأطراف عموماً بأشكالمختلفة، وعلى مستويات متفاوتة، إن كان على المستوى الوطني أو الدولي أوالمحلي، وأخيراً على المستوى الاجتماعي في اتجاهاته الإثنية والدينية...الخ.
نعمإذا كانت الثورة العلمية / التكنولوجية الحديثة والمعاصرة تحمل في كل حالة منحالاتها التي تحدث في البلدان المنتجة لها ـ أي أوروبا هنا ـ طابعاً اجتماعياًمنسجماً في مكوناته، إلا أنها تحمل في البلدان النامية ـ الأطراف ـ طابعاً أكثرخصوصية، والسبب في ذلك يعود أساساً، لكون الذي يقوم بإنتاج المعرفة واستهلاكها، غيرالذي يقوم باستهلاكها فقط. فمجتمعات الإنتاج والاستهلاك المعرفي (العلمي ـالتكنولوجي)، تمتاز عن غيرها بكونها عبر عملية الإنتاج والاستهلاك هذه، استطاعت أنتخلق مجتمعات أكثر انسجاماً مع الذات، هذا الانسجام الذي راح يتجلى بخاصة في القدرةعلى ردم الهوة ما بين الماضي والحاضر لشعوب تلك المجتمعات. فالتطور العلميومفرزاته، خلقا إنساناً جديداً منسجماً مع واقعه ـ على الأقل ـ الذي أنتجه هوبنفسه، بمعاناته، لذلك لم يعد هذا الواقع غريباً عنه كي يدفعه للبحث عن فردوسهالمفقود، برغم كل ما يحمله هذا الواقع المعاش من ظلم وقهر ومآسٍ لـه. إضافة إلىذلك، هناك مسألة هامة ساعدت على خلق ذاك الانسجام مع الذات، لابد من الإشارة إليهاهنا، وهي إنه, كلما تطورت وسائل الإنتاج، كلما ولدت مع تطورها مجالات جديدة للإنتاج،وبالتالي، زج الإنسان المنتج نفسه لممارسة نشاطه عبر هذه المجالات التي ستخلق عندهبالضرورة مهارات وسلوكيات ووعياً جديداً يتناسب مع طابع الإنتاج الجديد. أي أنالإنسان يبدل ذاته دائماً مادياً وروحياً، في كل مرة يمارس فيها عملاً جديداً. ففيالعمل حقاً يبدل الإنسان في الطبيعة ويبدل في نفسه أيضاً.
أمافي دول أو مجتمعات الأطراف، فحالة الانسجام مع الذات تُفتقد هنا، بسبب استمراريةتعايش وتفاعل عناصر التقليد والصناعات المبكرة، وما يرافقها من علاقات اجتماعيةوثقافية ووعي، مع الجديد المعرفي ـ والتكنولوجي المستورد.
إنحالة التركيب الثقافي القائم ما بين القديم والجديد في مجتمعات الأطراف ومنها وطنناالعربي على سبيل المثال، هي التي تحدد بدورها حالة الخلل والتمايز الثقافي بين هذهالمجتمعات والمجتمعات الأوروبية المتقدمة. وبالتالي فإن عملية كشف آلية التركيبالقائم ما بين التطور العلمي / التكنولوجي، ومفرزاته المادية والاجتماعية والروحيةفي الغرب، مع الوضعية الثقافية لبلدان الأطراف يدفعنا للنظر في التالي:
أولاً: إن غياب مسألة إنتاج العلم / التكنولوجيا المتطورة في هذهالبلدان، لم يساعد على خلق علاقات إنتاج جديدة، وما يرافقها من علاقات اجتماعيةوسياسية وفكرية تتناسب معها، الأمر الذي أبقى الهوة واسعة ما بين الماضي التقليديبكل ثقله، والحاضر، فالماضي لا زال قوياً ومتماسكاً في بلدان الأطراف.
ثانياً: إن سيادة الماضي بكل ثقله، يعني بقاء الوجود الاجتماعي محافظاً علىطبيعته منذ مئات السنين، أي عدم وجود تطور في المجتمع بمفهومه الواسع، وبالتالي عدمخلق علاقات إنتاجية جديدة تولد بالضرورة قوى اجتماعية جديدة لها مصلحة حقيقية فيتحقيق التطور. أي فقدان الحامل الاجتماعي المؤهل لقيادة عبء المشروع الثقافي / النهضوي القادر على تحقيق التوازن مع الذات الفردية والاجتماعية.
إن ماتقدمنا به أعلاه، يدفعنا للتساؤل هنا:
أـ مامدى قابلية ثقافة الأطراف التقليدية لتقبل التفكير العلمي / التكنولوجي الحديث،واستخدام نتائجه في الحياة اليومية... وبالتالي القدرة أيضاً على المساهمة في إنتاجمثل هذا الفكر وتطويره؟
ب ـما هي درجة تشبع مجتمعات الأطرف بالنجاحات التي حققتها التكنولوجيا الحديثة وما مدىاستعداد الجماهير للتكيف مع نجاحاتها؟
ج ـكيف نستطيع الجمع ما بين عناصر المعارف الغربية العلمية / التكنولوجية، ومعطياتثقافة الأطراف التقليدية؟. وما هي العلاقة بين الثابت والمتحول في هذه الثقافة؟وكيف السبيل إلى اجتياز بوتقة الحضارة العلمية ـ التكنولوجية المتقدمة دون فقدانالذات؟.
إنمسألة طرح هذه الأسئلة يظل الهاجس وراءها عدم تشكل ثقافة طرفية قادرة على تحقيقالانسجام مع الذات. وذلك بسبب غياب مكونات المشروع الثقافي / النهضوي، والذي يأتيفي مقدمتها غياب الحامل الاجتماعي لهذا المشروع أولاً، ثم ثقل الموروث الثقافيالتقليدي ثانياً، وهناك حالة التمايز والتفاوت في التطور ما بين المركز (المسيطر) والأطراف (التابع) ثالثاً.
أماالسؤال عن كيفية تجاوز هذه المعوقات، فهذه مسألة أخرى!!
ملاكالقول هنا: تظل في الواقع تلح علينا الحقيقة لتأكيد مسألة منهجية أساسية هي: إنالأشكال والتكوينات الثقافية الرئيسية التي تراءت عبر التجربة الثقافية في التاريخ،وخاصة في تاريخ التفاعل الزماني والمكاني للشعوب، ولمختلف مراحل التاريخ والحضاراتوالمناطق والبلدان لا يمكن تقديمها بمعزل عن تحديدها البشري.أي خارج الشخصيةالإنسانية. فالديناميكية الثقافية لمجتمع الأطراف في شكلها الحالي، تظل في الواقعنتاج تفاعل شروط اجتماعية و ثقافية محلية، مع كثرة من الاتجاهات العملية التاريخيةالعالمية، الحديثة والمعاصرة التي ولدت في حضارات شعوب أخرى، وفي ظروف ثقافيةتاريخية أخرى أكثر منها نتاجاً للتطور التاريخي.
نعم،إن الثقافة الحديثة تمثل لمجتمع الأطراف ومنها وطننا العربي، طرازاً جديداً منالمعارف، وبالتالي، طرازاً جديداً من التنظيم الذهني والروحي، وكذلك نمطاً جديداًلشخصية جديدة.
وعلىما يبدو، لا زالت الثقافة العربية ـ بمفهومها المشار إليه أعلاه، ومن ضمنها الشخصيةالعربية، غير قادرة على استلهامها والتفاعل معها بطريقة إيجابية أو حتى إنتاجهابعد.
الهوامش:
1ـارتقاء المجتمعات الشرقية، مجموعة من الباحثين، ترجمة، حسان اسحق، دار الأهالي 88دمشق، ج3، ص 26.
2ـتأتي التكنولوجيا هنا بمعناها الواسع على أنها: (مجموع المعارف والخبرات المتراكمةوالمتاحة، مضافاً إليها، الأدوات والوسائل العادية والتنظيمية والإدارية التييستخدمها الإنسان في إدارة عمل ما، أو وظيفة ما، في مجال حياته اليومية، لإشباعالحاجات المادية والمعنوية على مستوى الفرد والمجتمع). راجع مجلة الوحدة، العدد، 55، عام 1989، ص 7.
كاتب وباحث من سورية