الحزب الشيوعي العراقي والكفاح المسلح/ فيصل الفؤادي

( دراسة أولية )

منذ تأسيس الحزب عام 1934

الى المؤتمر الخامس عام 1993

 تمهيـــــــــــــد

كان من المفترض أن تكون دراسة كهذه قد صدرت قبل اكثر من عشرين عاما وبالتحديد في عام 1988 أي بعد خروج الانصار الشيوعيين  من كردستان العراق حيث كنا هناك ولمدة عشرة سنوات، نحمل السلاح ضد النظام الدكتاتوري الذي جثم على صدور العراق والعراقيين طيلة ما يقارب ثلاثة عقود ونيف.

بداية أود الاشارة الى ان انجاز دراسة كهذه تحتاج الى مصادر عديدة ولقاءات كثيرة مع شخصيات ومسؤولين في الحزب وقيادته, وممن كانوا المساهمين الفعليين في الحركة الانصارية. ولكن يمكن القول ان جزء من هذه المهمة لم يعد ممكنا تحقيقه بسبب ان العديد من تلك  الشخصيات التي عاشت سنوات النضال الطوال , من القريبين لمصدر القرار وكيفية أتخاذه ، قد غادر الحياة. ومع ذلك ورغم وجود جملة من المصاعب ،اقدمت على انجاز هذا العمل مستندا الى جملة ما متوفر من المصادر والمواد الخام وشفيعي في ذلك ان هناك حاجة ملحة لدراسة طبيعة هذا العمل النضالي وموقعه في منظومة اشكال النضال التي خاضها الحزب منذ تأسيسه ولحد الان. وهذه الدراسة تعرف حدودها جيدا، فهي لا تطمح ان تكون اكثر من محاولة أولية يطمح الكاتب أن تحفز الاخرين لبحث تجربة الحزب الشيوعي العراقي في هذا المجال.

    لقد خاض الحزب في مراحل مختلفة من تاريخه مختلف اشكال النضال , واكثرها كان نضالاً سرياً سواءً  في العهد الملكي أو فترة حكم العارفين أو فترة نظام صدام حسين وحتى سقوطه عام 2003 . هذا مع العلم أن الحزب قد خاض الكفاح المسلح في فترات مختلفة ,منها بعد انقلاب شباط الاسود عام 1963 , وفي فترة الانشقاق في أيلول عام 1967 في جنوب العراق في منطقة الاهوار وأستمرت فترة الكفاح المسلح حوالي سنتين , وكانت الفترة الاخرى مع بداية عام 1979 ودامت قرابة العشر سنوات , وخاض الشيوعيون الانصار خلالها بطولات كبيرة سجلت للحزب تأريخا نضاليا متميزا يشهد عليه كل من عاصر تلك الفترة من تأريخ العراق المعاصر.

إن الحزب الشيوعي العراقي الذي يؤمن بالسلام ويؤمن بالعدالة لم يتخذ ولم يلجأ الى أسلوب الكفاح المسلح , لكن الظروف السياسية قد أجبرته على ذلك , وبغية الحفاظ على ذاته التنظيمية بالاساس . وتشير كل الوثائق الى أن الحزب حوصر من قبل الانظمة المختلفة وقوى خارجية ومنها مخابرات دول أجنبية وعربية , حيث كان نمو الحزب وأنتشاره بين الجماهير من أبناء شعبنا العراقي يشكل تهديدا حقيقيا لهم، ولهذا التجأ هؤلاء الى ضرب الحزب بطرق وأساليب متعددة, وجرى أبعاده عن الساحة السياسية لأكثر من عقدين  من الزمن , حيث أضطر لخوض الكفاح المسلح , وليس سهلا على الحزب التضحية بصفوة من رفاقه وأعضائه من الكوادر الحزبية المجربة .

   وكما تشير التجربة فإن الفترة الزمنية التي يكون الحزب فيها قريبا من الناس يلاحظ انتعاش الحياة وتطورها وفي مجالات عديدة مثل التعليم والثقافة والصحة. وتعد الفترة التي عاشها الحزب في الجبهة الوطنية التقدمية منذ عام 1973 مع حزب البعث من أفضل الفترات التي مرت في حياة العراقيين, خاصة في الحياة المعيشية والاقتصادية ورفاهية المواطن واستقرار الحياة وأصبح العراق من الدول الغنية. ولو أستمرت الاوضاع دون ان يلجأ البعث الى الاساليب الارهابية المعروفة لكان العراق بمصاف الدول المتطورة من حيث بناء القاعدة المادية لصناعة متطورة وزراعة واعدة , وتعليم وصحة وغيرها، نظرا لما كان يمتلكه من موارد مالية وبشرية ضخمة مع أستقرار سياسي وحياة دستورية.

   إن إستقرار الحياة السياسية  يجعل المجتمع أكثر عطاءً في كافة المجالات , يستطيع المواطن التفكير والاهتمام بتطور الحياة وتنوعها ويستطيع أن يقدم ما تمليه عليه مواطنته الى حد كبير . الا أن سيطرة السلطة القمعية على مقاليد الحكم ومنذ العهد الملكي وممارساتها القسرية الساعية الى اعتقال وتشريد  وأعدام أعضاء الحزب وأصدقائه،  ومنع القوى الوطنية من ممارسة عملها السلمي بين أوساط المجتمع , دفع هذه القوى الى أن تمارس العمل السرى. وكان خاتمة ذلك  بطش النظام الدكتاتوري متمثلا بحكم صدام حسين واستعماله شتى الاساليب القمعية تجاه الحزب وجماهيريه جعل الحزب يلجأ الى الكفاح المسلح كرد فعل طبيعي على هذه الممارسات بعد استنفاذ الاساليب السلمية واصرار السلطة على قمعها والايغال في جرائمها بين عامي (1978 و 1979 ). لقد بلغ القمع مداه الاقصى ويمكن التدليل على ذلك من خلال المعطيات المتوفرة التي تشير الى ان الحزب خسر جراء الهجمة الشرسة من قبل النظام أكثر من ربع مليون شخص بين عضو وصديق ومؤازر، عدا عوائلهم.

   الدراسة تأتي في ظروف غير الظروف التي أقدمنا فيها على خوض الكفاح المسلح وذلك النضال البطولي الطويل الذي مثل عدالة قضيتنا ضد نظام دكتاتوري بغيض , وجاء في ظروف المتغيرات العالمية السريعة وذلك بسقوط الاتحاد السوفيتي والمنظومة الاشتراكية في نهاية الثمانينات وبداية التسعينات , و أصبح العالم ذا قطبا واحدا وهو الذي يحكم بعدالة هذه القضية أم لا .حيث الولايات المتحدة الامريكية تناصر حلفائها في كل أرجاء العالم وأصبحت هي الحاكم والناهي في قضايا الشعوب ومصائرها , وتقف ضد كل من يعادي سياستها الرعناء أو يناقضها .

 أن القانون الدولي وقرارات الامم المتحدة لا تسمح لاي دولة  بالهجوم على دولة عضو في الامم المتحدة وأحتلالها وهدم البنية التحتية لهذه الدولة , فقد أحتلت بلادنا وخربت جميع مؤسسات الدولة وقواته المسلحة ,حيث تنفذ أجندة خاصة بها , ومنها للسيطرة على منابع النفط في المنطقة وقد أدى هذا الاحتلال الى مقتل مئات الالاف من أبناء شعبنا العراقي حيث لم تكن نتأئجه وعواقبه محسوبة حتى من قبل الذين ساعدوا قوى الاحتلال والذين أعتقدوا أن أبناء شعبنا سوف يلوحون بالورود للاحتلال ويستقبلونهم أستقبال الفاتحين في حين  جاء ت الامور على عكس ذلك .

   أن الحزب الشيوعي العراقي يعتبر من الاحزاب المهمة والمتميزة والعريقة في الشرق الاوسط  وله تأريخ نضالي معروف بين اوساط شعبنا العراقي وشعوب المنطقة , ولهذا تاتي هذه الدراسة للاطلاع على موقفه من الكفاح المسلح الصعب والمكلف بشريا وماديا،  وتسليط الضوء على أبرز مراحله , أمل أن أوفق في انجاز هذه المهمة رغم اعترافي مقدما بصعوبتها .

وبودي أن أقدم الشكر والامتنان للدكتور صالح ياسر على الجهد الذي بذله في مساعدتي وفي أبداء ملاحظاته القيمة , وأوجه كذلك الشكر الى الاصدقاء الدكتور عقيل الناصري وفرات المحسن وجاسم هداد وحمودي عبد محسن وهادي الجيزاني وبهجت هندي وعبد الرزاق محسن كاظم وأتحاد الجمعيات العراقية  في السويد , وللاصدقاء الاخرين الذين ساعدوني في أنجاز هذا العمل .

 فيصل الفؤادي

20 ايار 2013