شيزوفرينيا العقل المتأسلم / حازم الحَسوني                     

تمر هذه الأيام ذكرى واقعة ألطف، حيث قُتل الإمام الحسين وأخيه العباس وعائلته ومناصريه، وفي كل سنة تُرفع الرايات السوداء حداداً على مقتله وترفع رايات أخرى وبألوان مختلفة هيّ رايات قبائل وعشائر لم تنجد الحسين حينها.
في مثل هذا الجو الحزين، يصل الشحذ العاطفي والطائفي إلى مدياته القصوى، والذي يستفيد منه المؤسسات الدينية ، والأحزاب المتأسلمة، وتجار المال من خلال مواكب وسرادق العزاء وغيرهم من مؤسسات حكومية منتفعة ومسئولين منتفعين في هذا الجو.

يقابل هذا هناك جمهور متهيئ بحكم الشحن العاطفي والطائفي كذلك لاستقبال هذه الأيام للهروب من أثر وقع المعاناة اليومية ومشاكل البطالة وقلة الخدمات، باللجؤ إلى البكاء والى المنتظر والشفاعة لتخليصه من الواقع البائس الذي يعيشه يومياً.

المؤسسات الدينية والحكومية تلوذ بالصمت حين ترى وبأعينها حجم الغلو والمبالغة، ودخول عادات دخيلة على المجتمع العراقي من حيث الممارسات وإيذاء النفس كألزنجيل والتطبير وغيرها يحتار المرء بذكرها لبشاعتها، معللة ذلك بفلسفة مبنية على أن( الجزاء يتوقف على قدر المشقة)، بمعنى كلما تكون معاناة النفس أكبر ستؤدي بصاحبها الى الشفاعة وتقربه الدخول الى الجنة!!!، ولا يستبعد هنا استفادة هؤلاء لبقاء الهيمنة على الغالبية العظمى من الناس وأشغالهم ضمن الشحن العاطفي، لديمومة أستمراريتها بالسلطة والهيمنة على الطائفة الدينية ذاتها.

من المفارقة بان نجد الكثير من هؤلاء البكائون على الحسين وخلال عاماً كامل، يمارسون كل أشكال النفاق والصراع على المصالح، وكسب المقاولات من خلال العلاقات مع المسؤولين بالأحزاب والدولة، ويمارسون الكذب العلني من خلال إعطاء وعود كاذبة للناس بحل مشاكلهم الخدمية والعمل، وغيرهم من يمارس الاغتيالات السياسية والدموية وبتواطؤ واضح مع هذه الأحزاب المتأسلمة، صاحبة النفوذ بالدولة ، بحجة حماية المذهب، دون وجه، أو واعز قانوني وأخلاقي، ويتنكرون لمبدأ إسلامي يكرروه في كل مجالسهم ( من قتل نفساً بريئة كأنما قتل الناس جميعاً) ، وبالتالي يتهربوا من القضاء بكل خفه وهدؤ!!!!!

من المفارقات أيضاً كتعبير عن ازدواجية شخصية المتأسلم، بان تجد من يقود المواكب هم من شريحة التجار التي تغنم الأرباح وبشتى الطرق ومنها السمسرة، والعلاقات العشائرية والطائفية والدينية لهذا المسؤول أو ذلك، وكسب الصفقات والعقود والمشاريع التي تمهد لتراكم أرباحهم خلال عام. فتجد هؤلاء التجار الذين يقومون بهذه المواكب، أكثر ظهوراً وعزاءاً وبكاء كمحبي للحسين !!!، فغاية هؤلاء الظهور كمتدينين حُسينيين أمام العامة، وتبرير استغلالهم للناس ، وتبرئة الذات والشفاعة من الحسين للدخول إلى الجنة !!!!

من الشيزوفرينيا التي يعاني منها المتأسلم غير هؤلاء أيضاً هم الشرائح الأكثر فقرأ في المجتمع ، ففي هذه الأيام تجدهم أكثر بكاء على الحسين، لسبب الشحن العاطفي من جهة، ولسبب تحميلهم وزر أخطاء أجدادهم لحد 1400 سنة لكونهم لم ينصروا الحسين حينها من جهة أخرى!!!!، اما المشايخ فجالسون على التل وينتظروا جحافل البكائون على جدهم الحسين!!

هذه الغالبية العظمى من الفقراء تمارس حياتها اليومية بكدح وعوز وحاجة للعمل، ففي سياق حياتها اليومية، ولأجل الكسب يمارس عدد غير قليل منهم شتى أنواع الكذب والاحتيال والشطارة( المايدبر حالة فهو غشيم!!!)، والرشوة سواء باعطاءها أو أخذها ، وضرب القوانين عرض الحائط، وغيرها من الممارسات والسلوكيات اليومية البعيدة عن دوافع البكاء على الحسين. ولكن عندما تأتي أيام شهر محرم تراهم أكثر المتحمسين للبكاء واللطم ولبس الحزن وضرابي الزنجيل والمطبرين !!!!

الشيزوفيرنيا الأكبر تتجسد بسلوك قوى الإسلام السياسي الحاكم، فتارة يتحدث عن دولة ديمقراطية اتحادية، وأهمية ضمان حقوق كل المواطنين ، ودولة مؤسسات وقانون، وتجدها بنفس الوقت تتحدث عن مشاريعها الدينية لبناء العراق والدولة العراقية الدينية ضمن تسميات مختلفة !!!
خلاصة القول أن العقل المتأسلم يعاني التناقض الفاضح في السلوك والممارسة والأيمان ودرجة الاعتقاد ، لا بل التناقض يصل إلى ما بين أقراره بفساد المتحكمين بشفاعته وأمله بدخول الجنة، وبين أن يرفض هؤلاء أو يلطم ورائهم!!!!!

 

3/ 11/ 2014