بطاطو مؤرخ أنصف الشعب العراقي .../ علي عبد الكريم حسون

 عندما طرحت الترجمة العربية بقلم عفيف الرزاز عام 1995 , لكتاب المؤرخ الفلسطيني حنا بطاطو الموسوم " الطبقات الأجتماعية القديمة والحركات الثورية الحديثة في العراق " , بعد أن أنجزه بطاطو بالأنجليزية عام 1978 ..... لم نكن نحن رواد شارع المتنبي  آنذاك , بمصدقين اننا  سنطّلع في ظّل حصار دول التحالف وديكتاتورية صدام حسين , على تأريخ حزبنا الشيوعي العراقي , ومن قبل كاتب وباحث لايحمل الجنسية العراقية وليس بشيوعي , لابل أن المفارقة أنه يعمل أستاذا في الجامعات الأمريكية .هذه المفارقة جعلت أحدنا يقول متحمسا : أن الشيوعيين العراقيين , لو عملوا لبطاطو تمثالا من ذهب فلن يوفوه حقه .       

بطاطو المولود عام 1926 في القدس الفلسطينية , والمتوفي  عام 2000 في وينستد – كونيكتيكوت – الولايات المتحدة الأمريكية ,  والتي هاجر اليها عام 1948 – عام النكبة في فلسطين , حيث درس في مدرسة أدموند ويلش للشؤون الخارجية بجامعة جورج تاون , وفي  1960 حصل على الدكتوراه في  العلوم السياسية من جامعة هارفرد بأطروحة عنوانها " الشيخ والفلاح في العراق 1917 – 1958 " .

ومن عام 1962 ولغاية 1982 درّس في  الجامعة الأمريكية ببيروت , ومن بعدها غادر بيروت ليتقاعد عام 1994 في جامعة جورج تاون في الولايات المتحدة الأمريكية . ومما يذكر أنه وفي بيروت فقد الكثير من المادة الخام الأولية والتي هي بمثابة الأرشيف الشخصي له , خلال الحرب الأهلية اللبنانية , عنما أضطر لمغادرة شقته .

في عام 1978 نشر دراسته التي  عمل عليها طيلة  عشرين عاما عن العراق وبثلاثة أجزاء , خصّ الحزب الشيوعي العراقي بالجزء الثاني حصرا , والثالث عنونه  " الشيوعيون والبعثيون والضباط الأحرار " .  وفي الفترة الممتدة من أواخر خمسينيات القرن العشرين  , حيث حلّ ببغداد ,  كانت ملفات الشرطة  السرية في العهد الملكي مفتوحة أمامه , حيث كان يبيت في دوائر التحقيقات الجنائية والأمن , ببجامته مع ترمس الشاي وسندويشات تعينه على أستلال مايريده لبحثه .

كانت له مقابلات مع عدد من  السجناء السياسيين , وحصرا الشيوعيين في سجون العهد الملكي , حيث يقول :  بأنه كان عندما يقابل السجين الشيوعي مثلا , يريه كتاب توصية من أحد الوطنيين العراقيين يوصي به , وفي نفس الوقت يصرح له بأنه : قرأ ملفه الشخصي في دوائر التحقيقات الجنائية , ويريد منه الآن أن يسمع روايته الشخصية للأحداث . مما  حدا بالرفيق الراحل زكي خيري الى سؤاله عن طبيعة الحياد العلمي الذي يصف بطاطو نفسه به , وهو يعمل في نفس الوقت في الجامعات الأمريكية , والتي تضع وكالة الأستخبارات الأمريكية , دراسات وبحوث هذه الجامعات في صدارة ماتستفيد منه في رسم السياسة الأمريكية .

آخر ماكان الراحل يخطط له من كتابات ومنهجه في البحث

دراسة حول سوريا بعنوان : " فلاحو سوريا  سليلو الوجهاء القرويين الأقل  شأنا وسياستهم " .

بطاطو حسبما يقول من كتب عنه , أنه : " استخدم في بحثه العلمي منهجية اجتماعية ملائمة لدراسة المجتمع العربي بصورة عامة , والمجتمع العراقي بصورة خاصة , الذي له خصوصيته , وأخضعه لمنهج بحث جدلي مركب من ماركسية محدثة , ومنهج فيبري , / نسبة الى عالم الأجتماع  ماكس فيبر , وتحليل بنيوي "  ( 1 ) .

في الثمانينات , زار بطاطو العراق مرة أخرى , وهو الغير مرضي عليه من قبل نظام البعث آنذاك , ربما لأنه لم يمتدحهم أو يشيد  بتجربتهم في الحكم / الأولى الممتدة من 8  شباط ولغاية 18 تشرين 1963 والثانية الممتدة من 17 تموز 1968 ولغاية التاسع من نيسان 2003 . وكذلك لألقائه محاضرات في مؤتمر جمعية  الخريجين العرب من الجامعات الأمريكية , وبأتجاه واضح النبرة ضد نظام البعث .

خدث أن قال له أحد العراقيين  ببغداد وهو يلتقي به ليلا , أنه قرأ كتابه ,  فسأله بطاطو : كيف تسنى لك قراءة كتابي وهو ممنوع هنا ؟ فأجابه : لقد أستعرت نسخة فاضل البراك  ( 2 ) .

أهمية الكتاب ومصادر معلوماته

بعض الباحثين , يؤكد على كم المعلومات والجداول التي أوردها بطاطو , بأنها هي التي أكسبت الكتاب أهميته , مترادفة مع المنهج الذي أختطه , بالمزج بين الماركسية والفايبرية أي المزج بين التحليل الطبقي والتراتبي في تقسيم المجتمع .

مصادر معلومات بطاطو , حسبما أوردها في الصفحة 14 من المجلد الأول هي :

1 – ملفات الشرطة السرية العراقية عن الأحزاب والشخصيات السياسية العراقية .

2 – أوراق ومدونات صادرتها الشرطة السياسية العراقية تعود لقيادات الحزب الشيوعي العراقي وحزب البعث .

3 – مخطوطات شيوعية عثر عليها في سجني الكوت وبعقوبة .

4 – مدونات حرفية لأستجوابات أجريت لأعضاء  مهمين من الكادر الشيوعي عام 1963 .

5 – تقارير الأستخبارات البريطانية للفترة 1917 – 1931 .

6 – الملفات السرية للضابط البريطاني الرائد ويلكنز , الذي كان رئيسا لأدارة التحقيقات الجنائية في العراق ومستشارا أمنيا للنظام الملكي العراقي .

7 – المذكرات غير المنشورة للعقيد رجب عبد المجيد سكرتير حركة الضباط الأحرار .

8 – المقابلات الشخصية التي أجراها بطاطو مع السياسيين العراقيين .

9 – السجلات البريطانية العامة والمصادر العربية المطبوعة .

البعض يمتعض والبعض الآخر يبحث عن نواقص وأخطاء بين السطور

وصل الأمر ببعضهم الى الطعن بديانته وقوميته بالأدعاء بأنه يهودي . والقسم الآخر كان متذمرا من تخصيص جزئين من الكتاب للحديث عن الشيوعيين , بحيث أغفل الحديث عن باقي الأحزاب وأن تحدث عنها , فبمقدار علاقتها بالشيوعيين , والتشكيك في منهجية بحثه  ( 3 ) . كما انصب امتعاض عزيز الحاج الى أن الراحل بطاطو عندما قابل الفقيد زكي خيري وبهاء الدين نوري في سجن بعقوبة المركزي قبل ثورة الرابع عشر من تموز 1958 , لم يطلب مقابلته هو شخصيا . كذلك ينتقد الحاج تركيز بطاطو على دور بهاء وخيري على حساب دور الشهيد سلام عادل .

يشتد امتعاض الحاج من بطاطو عندما يورد الأخير  أن  والد الحاج كان عامل حمل , ويصحح ذلك بالقول : أنه كان يعمل متعهدا في الجمارك . كما يتحفظ على رأي بطاطو بأن أحد أسباب أنتماء الحاج للحركة الشيوعية يعود لوضعه العائلي المتواضع , ويصحح ذلك بأنه تأثر بالدعاية الشيوعية بعد الحرب العالمية الثانية في كلية دار المعلمين العالية , وكثرة مطالعاته للماركسية وتأثره بالأوضاع المأساوية لكادحي العراق .

الهوامش :

1 – مقالة ابراهيم الحريري منشورة في موقع الطريق .

2 – مقالة لأسعد أبو خليل منشورة في موقع الأخبار .

3 –الدكتور سيار كوكب الجميل من مقالة له في موقع الحوار المتمدن في 26 – 10 – 2014 حيث  يصف بطاطو بأنه مؤرخ غريب الأطوار .

4 – مقالة للدكتور عزيز الحاج بثلاث حلقات منشورة بعنوان حنا بطاطو والحركة الشيوعية العراقية . في موقع الحوار المتمدن في 18 – 2 – 2012