
من ذاكرة الفن التشكيلي العراقي المعاصر ../ كاظم السيد علي*
فنان يدعو للإعجاب.. ينقلك بهدوء الى عالمه.. بما يصنعه من نماذج بشرية متفاعلة بتقنيتها اللونية والشكلية وفي تعبيرية متميزة اشتهر بها، ليعود بك من خلالها إلى ذكريات النضال، وتأملات الرجال.. والمعتقلات والسجون.. كل هذه جسدت بانفعالات صادقة، من ذلك المعتقل الرهيب "نقرة السلمان" وسجن "الكوت" يمجد فيها الرجال الذين يناضلون ويخططون لكي يعملوا لإسعاد الشعب وهم يعاندون القدر لبناء المستقبل، ينقلها من خلال خطوطه ونماذج لوحاته، وتفاؤله بالأحاسيس الموغلة في الصدق الإنساني.. وباسلوبه المباشر ليجد فيها الإنسان "المشاهد" ذاته ووجوده .
انه الفنان الراحل رشاد حاتم، الإنسان النموذج للفنانين الوطنيين الذين يناضلون دائما من اجل تغيير الواقع من خلال تجسيدهم واستغلالهم لتطلعات وهموم الجماهير مكرسين طاقاتهم الإبداعية والنضالية، وذلك لانتمائهم السياسي والنضالي.. وهذا ما حصل عند الكثير من الفنانين أمثال جواد سليم ومحمود صبري ومحمد الحسني ونداء كاظم وعبد الجبار البناء وعزيز سباهي وفائز الزبيدي وشمس الدين فارس وغيرهم من الفنانين الوطنيين.
لقد استلهم الفنان رشاد حاتم تجربة شعبنا ونضاله، فأخذ على عاتقه معالجة جميع الظواهر الحياتية من خلال عمله التشكيلي كعامل جوهري في تغيير الواقع المعاشي، فأخذ يكرس أعماله في هذا المضمار لما تستوجبها الحياة المعاصرة منطلقا من مفهوم أن الفن ركن من أركان هذا المجتمع ويقوم بتغييره وتحريكه بل انه "هوالحياة" كما عرفه "تولستوي".
كل هذه الأمور، وبسبب كفاحه من اجل استقلال البلاد وفي سبيل تحريره من قيود الاستعمار البريطاني البغيض وسيطرته المفروضة، من قبل أبناء الشعب، دفعت برشاد إلى السجن وهو بعمر الـ 20 عاما من السلطة الملكية، إذ اعتقل وادخل معتقل الكوت الذي ضم الآلاف من المناضلين الشيوعيين والوطنيين، وفي مقدمتهم مؤسس الحزب الشيوعي يوسف سلمان يوسف "فهد" وحسين محمد الشبيبي "صارم" وزكي بسيم "حازم".. فأخذ رشاد يتطلع إلى تلك الجدران والقضبان التي وضع داخلها والى عالمه لكي يرسم مايدور في ذلك السجن من صور المناضلين السجناء وحالاتهم، فلقي تشجيعا من السجناء أنفسهم وبخاصة من الرفيق الخالد "فهد"، ويقول الفنان في احد لقاءاته عن تلك الذكريات: "طلب مني الرفيق فهد ان ارسم، لكني قلت له إن هذا غير ممكن، وتساءلت: أي شيء سأرسمه في السجن ياترى! أيوجد غير هذه الجدران؟!! قال: ادفعها.. ادفع هذه الجدران وسترى إن الحياة في السجن واسعة، ونحن الذين نفرض اتساعها، المهم أن ترسم".
هكذا كان فهد يشجعه لكي يرسم تلك الحياة النضالية التي يخوضها المناضلون خلف الجدران من اجل الوطن والشعب، وفعلا رسم رشاد عشرات اللوحات حتى أصبح بحق رسام السجون والسجناء.. فأغلب أعماله خلف تلك القضبان تؤكد على إن "الإنسان هو القيمة العليا" بتطلعاته ومعاناته وظروفه، اذ استخدم اللون والشكل والتكتيك.. بما ينسجم مع وحدة الانتماء الفكري والنضالي وبرؤية سياسية متبلورة وبوعي متقدم في تجسيد الظواهر والقيم النضالية، وبريشة شفافة صورت هموم الإنسان وطموحاته وعذاباته وآماله العريضة في الحياة، وأول ما يلفت نظر المتلقي للوحات رشاد حاتم هو شعبية موضوعاته التي تلامس هموم الناس البسطاء والفقراء من الطبقات المسحوقة، ونادرا ما نجده يعبر عن هموم ميتافيزيقية بعد خروجه من السجن.
أخذ الفنان العراقي يعي ويتنفس نسيم الحرية فظهر شباب من الجيل الجديد، وفي مقدمتهم فنان الشعب جواد سليم، ليمارسوا عملهم في خلق فن ملتزم بقضايا الإنسان العراقي واتخاذ البيئة العراقية موضوعا لهم، حتى قاموا بتأسيس جماعة بغداد للفن الحديث برئاسة "جواد" وكان من ضمن هذا التجمع الفنان رشاد حاتم، فأنجزت هذه النخبة أعمالا فنية موزعة بين الرسم والنحت وباسلوب جديد.. أكدوا فيها على الهوية الحضارية والإنسانية في الفن من خلال الالتزام الواضح في المزج بين استلهام التراث من جهة واقتباس الأساليب الحديثة من جهة أخرى، وأصدرت بيانها عام 1955، ومما جاء فيه: "تتألف جماعة بغداد للفن الحديث من رسامين ونحاتين، لكل أسلوبه المعين، ولكنهم يتفقون في استلهام الجو العراقي لتنمية هذا الاسلوب.. فهم يريدون تصوير حياة الناس في شكل جديد، يجدده إدراكهم وملاحظتهم لحياة هذا البلد الذي ازدهرت فيه حضارات كثيرة واندثرت ثم ازدهرت من جديد"، وعمل رشاد مع زميله جواد في هذه الجماعة وأسهم في جميع معارضها ونشاطاتها الفنية والثقافية التي كان يريد من اقامتها تثقيف المتلقين، لقد وظف فنه هذا وبوعي من اجل التعبير عن الموقف الفكري للفنان الملتزم في جميع أعماله التي قام برسمها داخل الزنزانات والتي تعتبر ذات قيمة فنية ووثائقية كبيرة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* رئيس تحرير مجلة "الشرارة"
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مجلة "الثقافة الجديدة"
العدد 368/ 369
أيلول ـ ت1 / 2014