
الرئاسات الثلاث في النجف: لبننة المحاصصة ..؟ / علاء اللامي
الإعلام العراقي الحكومي مبتهج هذه الأيام وكأنه اخترع "اللبلبي" لأنه اكتشف أن تنظيم داعش مرتد! قناة " العراقية" وصحيفة " الصباح" والصحف والقنوات القريبة منهما، وباقي مفردات شبكة الإعلام العراقي الحكومية، تكرر دون سأم عبارة "تنظيم داعش المرتد". ترى هل يعلم القائمون على جهاز الإعلام الحكومي وفي مقدمتهم السيد عبد الجبار الشبوط وهو كاتب إسلامي كما نعلم، أن هذه المفردة الخطرة "المرتد" تشكل ركنا أساسيا من الخطاب التكفيري القديم والمعاصر؟ وهل يعلمون أن داعش والفكر السلفي الانتحاري يقوم عليها أي على وصم الآخر بالكفر والارتداد عن "صحيح الإسلام " الذي يحتكرون النطق والقتل باسمه؟
حين تلجأ إلى وصم عدوك بذات الصفات التي يصمك بها فأنت لا تختلف عنه في النوع ولا في الدرجة بل في جهة الخندق ولكن سلاحكما، كليكما، واحد.
في المناسبة : الإعلام الحكومي السعودي كان أكثر فطنة من زميله العراقي حين اختار كلمة إنشائية باهتة لوصف داعش فقال " التنظيم المتطرف" فهو بهذا عزل أصدقاءه في الجيش الحر وأمثاله عن التطرف وسلط الوصم والذم بالتطرف على داعش.
لماذا لا يعتبر الإعلام العراقي بسوء المآل الذي انتهى إليه إعلام نظام صدام حسين والذي فاق الجميع باختراعه لنماذج بائسة من هذا النوع فوصف الحزب المعارض له بالعميل والتمرد المسلح في إقليم كردستان بالجيب العميل والانتفاضة الشعبية في ربيع 1991 بـ"صفحة الغدر والخيانة" ! لماذا لا يقلد هذا الإعلام الحكومي المحاصصاتي أجهزة الإعلام المستقلة " نسبيا/ فلا وجود للاستقلال المطلق في عصرنا" و التي خرجت من عباءة التقليد والمناكفة والتكفير المضاد فيبدأ بوصف الأشياء والأشخاص والأحداث بمسمياتها الوصفية البسيطة؟
سيكون من المثير للشفقة فعلا أن يفهم كلامي هذا كتبرئة لداعش من هذه التهمة، لأنني وادٍ و هذا الفهم وأصحابه في واد آخر!
إن الحديث عن علاقة بين الدولة و الدين، و بتحديد أكثر بين الدولة والمرجعيات الدينية يقودنا إلى طرح سؤال آخر فمن حيث شكل ومضمون العلاقة بينهما، هل يمكن اعتبار العراق اليوم، بنظام حكم المحاصصة الفاشل فيه والعملية السياسية التي أنتجت وتنتج المزيد من الكوارث السياسية والاجتماعية والأمنية، أقرب إلى نموذج لبنان بنظامه الانتخابي الطائفي الصريح أم إلى نموذج إيطاليا بنظامها الانتخابي المدني و العلماني الصريح؟ نسأل هذا السؤال بمناسبة الزيارات المتعاقبة للرئاسات العراقية الثلاث إلى النجف ولقائها بالمرجعية الدينية هناك.
في لبنان تتدخل المرجعيات الدينية وبخاصة البطرك الماروني بشارة الراعي في كل صغيرة وكبيرة من قضايا الشأن السياسي العام، فقد أعلن هذا المرجع قراراته ومواقفه القاطعة حول قضايا سياسية مهمة عديدة منها انتخاب الرئيس والتجديد للمجلس النيابي ورفض تعديل اتفاق الطائف حتى يمكن اعتباره أهم فعالية سياسية في البلد؛ أما في إيطاليا فليس ثمة أي دور لأي مرجعية دينية من هذا النوع لأن الدولة تقوم على أساس المواطنة وليس على أساس المكونات، وكمثال على ذلك فقد وجه البابا الكاثوليكي - أعتقد أنه يوحنا بولص الثاني- قبل سنوات، رسالة تهنئة إلى العمال بمناسبة عيد العمال العالمي في الأول من آيار فهاجت إيطاليا وماجت، واحتجت النقابات والأحزاب، وطالبوه بالاعتذار عما اعتبروه تدخلا في الشأن العام والكف عن ذلك. ومنذ ذلك الحين لم يوجه البابا أية تهنئة أو تعزية بمناسبات كهذه، رغم أن الفاتيكان دولة رمزية مستقلة عن إيطاليا؟
السؤال العراقي الفرعي من سؤالنا أعلاه هو : في ظل فشل نظام الحكم القائم والفساد الشامل في العراق، هل يعزز شكل ومضمون العلاقة الراهنة بين الدولة ومؤسساتها التشريعية والتنفيذية والقضائي و بين المرجعيات الدينية على اختلاف انتماءاتها الاستقطاب والانقسام الطائفي المستعرين في العراق أم يكبحهما ويعيقهما؟ وما مدى مسؤولية الرئاسات الثلاث ومؤسسات الدولة الأخرى عن ذلك؟
هل يمكن الحديث بثقة اليوم عن أن عملية "لبننة" العراق قد اكتملت سياسيا ومؤسساتيا في حين يشق لبنان طريقه، بعد سلسلة الهجمات والاختطافات التي قام بها داعش والنصرة لجنود الجيش ومحاولة احتلال طرابلس، نحو "التعريق" أمنيا؟