
الإقليم والنازحون قسراً إليها، مخيم آسيان في ناحية باعذرا / كاظم حبيب
الحلقة الثانية
يقدر عدد سكان إقليم كردستان بـ 5 مليون نسمة أو ما يعادل 17% من مجموع سكان العراق. ولكن هذا العدد من السكان يتحمل اليوم عدداً كبيراً جداً من النازحين قسراً إلى الإقليم من عدد من محافظات العراق مثل نينوى، الأنبار، صلاح الدين، ديالى وبغداد أو غرها, إذ يقدر عددهم بين 1450000 – 1500000 نسمة، أي أن حصة كل ثلاثة أشخاص من سكان الإقليم يتحملون وجود شخص واحد من النازحين قسراً تقريباً. وهو كما يرى القارئ والقارئة عبء ثقيل وثقيل جداً على الإقليم وميزانيته وسكانه وقدراته الاستيعابية وتوفير مستلزمات احتضان هذا العدد المتزايد، رغم إن هناك الكثير ممن هاجر أو يسعى للهجرة إلى خارج العراق. يضاف إلى ذلك أن التعاون بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم، رغم تحسنها النسبي، ما زالت بعيدة عن المطلوب منه في هذا الظرف الاستثنائي الذي يمر بالإقليم والعراق عموماً، كما إن الدعم الدولي ليس بالمستوى المطلوب، سواء بالنسبة لجبهات القتال أو بالنسبة للمواقع الخلفية أو السكان المدنيين والنازحين قسراً.
بلغ عدد النازحين من سوريا إلى إقليم كردستان وقبل وأثناء وبعد أحداث اجتياح داعش للموصل في العام 2014 بحدود 260 ألف نسمة، وعدد النازحين قسراً من مختلف مدن العراق وصل في نفس العام إلى 2400 ألف نسمة، منها من مدن المحافظات العراقية المستباحة بحدود 1200 ألف نسمة. ويشير تقرير الجمعية العراقية لحقوق الإنسان في الولايات المتحدة الأمريكية إلى توزيع مجموع النازحين إلى إقليم كردستان على النحو التالي:
330 ألف عائلة من الموصل وتكريت وديالى ومدن محافظة الأنبار
19 ألف عائلة من سهل نينوى والموصل
58 ألف عائلة من الموصل وتلعفر وكركوك
60 ألف عائلة من سنجار والموصل
33 ألف عائلة من مدن محافظة نينوى
120 عائلة من الجنوب وبغداد
أقيم عشرات المخيمات للنازحين المسيحيين قسراً من الموصل وسهل نينوى أو النازحين الإيزيديين من مدن سهل نسهل وسنجار وزمار وغيرها، إضافة إلى إسكان أعداداً أخرى في البيوت غير الكاكلة البناء والتي يطلق عليها بالهياكل أو في بيوت في عنكاوا وكذلك مخيمات في الكنائس والنوادي وغير ذلك.
توجد في دهوك خمسة مجمعات تحتوي على 20 ألف خيمة (وحدة سكنية) موزعة على النحو التالي:
آسيان 3000 خيمة في ناحية باعذرة، 3000 خيمة في قضاء بردة رش في دهوك، 3000 خيمة في عقرة، 3000 خيمة ف كابرتو، و3000 خيمة كابر بك و3000 خيمة في سميل و5000 خيمة في جامشكو زاخو. وهناك مخيمات أخرى كثيرة للنازحين قسراً في دهوك غير التي ذكرتها ويصل مجموعها إلى 18 مخيم تعيش فيه جماعات من مختلف القوميات والديانات. ومجموع الإيزيديين في هذه المخيمات يتراوح بين 120-150 ألف نسمة. ساهمت الحكومة الاتحادية بالتمويل وحكومة الإقليم في تنفيذ إقامة المخيمات وإدارتها. لا توجد إدارة مركزية لكل المخيمات.
واليكم معلومات عن واحد من هذه المخيمات السكنية المقام في ناحية باعذره في محافظة دهوك واسمه "مخيم "آسيان". توجد في هذا المخيم 3000 خيمة للسكن تسكن فيها حتى الآن 2480 عائلة أو ما يساوي 14440 نسمة. المخيم مزود بالكهرباء والماء وهو من المخيمات المحسنة نسبياً بسبب وجود مطبخ وحمام في مقابل كل خيمة.
لا توجد مدرسة للأطفال ولا خدمات اجتماعية ضرورية ولا أي نشاط اجتماعي والبطالة منتشرة بين أبناء وبنات هذا المخيم كما هو حال بقية المخيمات. رغم صدور قرار بمنح كل عائلة مليون دينار شهرياً فالكثير من العائلات لم يتسلم هذه المنحة الضئيلة حتى الآن. أقل من نصف القاطنين تسلموا النفط والغاز في حين لم يتسلم البقية ذلك رغم قساوة برد الشتاء في المنطقة. في هذا المخيم نلتقي ب 54 معاق من ذوي الاحتياجات الخاصة و104 يتيم الأبوين.
يعاني الأطفال وكذلك الكثير من الشباب والنساء من أوضاع نفسية معقدة جداً ومن كوابيس مستمر ولا توجد أي معالجة نفسية لهؤلاء الناس. الكثير من العوامل التي تعيش في هذا المخيم خسرت الكثير من أفرادها بعضهم قتل البعض الآخر اختطف ولم يعد ولا يعرفون مصيره ومن بينهم نساء. فعائلة واحدة فقدت 38 شخصاً، منهم 23 امرأة وثلاثة أطفال و12 رجلاً من مختلف الأعمار.
الأوضاع الحياتية في هذه المجمعات بائسة حقاً ومريعة، خاصة وان اغلبهم من سكان المدن وكانت لهم دورهم ومعيشتهم وعملهم وحياتهم الاجتماعية، وبالتالي فهم يعانون من الكثير من المصاعب اليومية التي لا تستطيع إدارة هذه المخيمات على حلها لأنها فقيرة ولا تمتلك الموارد الضرورية.
من الجدير بالإشارة إلى إن العائلات الإيزيدية قد استقبلت النساء الأسرى الذين عادوا إلى أهلهم بصورة حسنة متفهمة لأوضاعهم، فهم لم يكونوا مخيرين بل أسروا وعانوا من العذابات المريرة الشيء الكثيرة وهن يواجهن أوضاعاً نفسية وكوابيس قاسية وخشية دائمة تؤرقهم دوماً وتنغص حياتهم.
إن الإشكاليات التي يعاني منها النازحون قسراً لا تنتهي بانتهاء حياة المخيمات، بل ستكون عبئاً ثقيلاً على أوضاعهم النفسية والاجتماعية والاقتصادية لاحقاً، إضافة على انعدام الثقة بين المكونات العراقية، إزاء أولئك الذين شاركوا في اضطهادهم واغتصاب النساء أو قتل الأقرباء أو الاختطاف وقتل الأطفال. والطبيبة النفسية الدكتورة فيان وزوجها الأستاذ نهاد القاضي يطلقون على معاناة وأوضاع النازحين قسراً بعد التحرير بـ"أزمة ما بعد الأزمة" التي يستوجب الأمر الاستعداد لها منذ اليوم لمعالجة فقدان الثقة بين مكونات الشعب العراقي في المناطق التي تم اجتياحها واستباحتها.
الحلقة الثالثة
في مخيمات جبل سنجار الموحشة
على الساعة السادسة صباحاً تركنا أربيل باتجاه شيخان ووصلنا إليها قبل التاسعة لنغادرها باتجاه جبل سنجار الحصين الذي احتمت به مئات العائلات الإيزيدية ودافع الناس والرجال ببطولة وجدارة عن عائلاتهم. وفي الطريق إلى هناك مررنا بدهوك ومن ثم بالمحمودية وربعة وعلى امتداد هذه القرى والمدن شاهدنا البيون والأسواق والمحلات التي فجرها الداعشيون المجرمون وحولوها إلى ركام. وبعد مسيرة دامت أكثر من اربع ساعات إضافية وصلنا إلى جبل سنجار حيث امتدت بامتداده الخيم المبعثرة هنا وهناك حتى وصلنا إلى مجمعات الخيم الكثيرة التي تضم عدة آلاف من المواطنات والمواطنين الإيزيديين ومن مختلف الأعمار، وكثرة من الأطفال. التقينا بالمقاتلات والمقاتلين الشجعان الذين حملوا السلاح دفاعاً عن وطنهم وأرضهم وعائلاتهم بجرأة فائقة. من أربيل كانت قد انطلقت سيارات تحمل مساعدات عينية إلى العائلات القاطنة في تلك الخيم، بطانيات وأحذية وقمصان وسراويل.