
الحركات الاجتماعية: الجوهر,المفهوم, والسياقات المفسرة / د. صالح ياسر
كما معروف فقد أصبحت الحركات الاجتماعية موضوعا للدرس والتحليل، ينشغل به الكثيرون من اهل العلوم الاجتماعية والسياسية، بهدف فهم شروط انتاجها وسيرورتها وآفاق تطورها. وتجنبا لأي التباس، لا بد في البداية من التأكيد على ان المقصود بالحركات الاجتماعية في هذه المداخلة هو تلك الحركات ذات الأهداف النوعية أو الاجتماعية العامة العابرة لحدود الطبقات الاجتماعية والبناء السياسي، وأيضا الحركات الاجتماعية القديمة وهي ما يشار بها إلى الحركات القائمة على الموقع والهوية الطبقية، والتي تعمل في علاقة مع البناء السياسي. وعند الحديث عن الحركات الاجتماعية، فانه تجري الاشارة في الغالب الى جماعات متنوعة الأهداف من خلال مصطلحات قابلة للتداول والتبادل مثل التحالفات، والحلفاء، والشبكات. وهي جميعها أشكال مميزة من مستويات العمل الجماعي، فجميع هذه الأشكال يمكن أن تكون جزءًا من حركات اجتماعية والعكس صحيح (1 )..
أولا: جوهر ومفهوم الحركات الاجتماعية.
لم يحظ مفهوم "الحركات الاجتماعية" (2) بالاهتمام من طرف الباحثين في العلوم الاجتماعية إلا قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية بسنوات وذلك ارتباطا بظهور النازية والفاشية والحركات اليسارية الامر الذي حفز الباحثين على البحث والتفكير في اسباب صعود هذه الحركات.
ويمكن اعتبار الفترة التي تلت الحرب العالمية الثانية نقطة البدء في مسار الدرس المعرفي للحركات الاجتماعية. فقد عرفت السنوات الاولى لما بعد الحرب احتداما قويا للنقاش السوسيولوجي والسياسي بشان تفسير الفعل الاحتجاجي الذي تمارسه هذه الحركات (3)
ولا بد من الاشارة الى ان سوسيولوجيا الحركات الاجتماعية تدين نظريا ومنهجيا للكثير من المفكرين والباحثين من قارات معرفية متنوعة (4). ويمكن التمييز في تاريخ هذه السوسيولوجيا بين ثلاث مراحل مهمة:
- الاولى هي مرحلة ما قبل عام 1968، التي ظهرت فيها اجتهادات منظري الحركات الجماهيرية، هذا بدون اغفال التراث المتصل بالمجتمع المدني والصراع الطبقي العائد الى كل من هيغل وكانط وماركس وغرامشي، فضلا عن نتاجات منظري السلوكات الجماعية المتأثرة ببارسونز(5( .
- الثانية وتمتد لأكثر من عشرين عاما (1968 – 1989). فقد شهدت هذه الفترة ظهور الحركات الاجتماعية الجديدة متمثلة بصعود الحركات الطلابية في اوربا وحركات السود في الولايات المتحدة المطالبة بحقوقها، وغيرها من الحركات مثل الحركات النسائية والحقوقية والبيئية، والتي دفعت الباحثين الى الاهتمام بزوايا جديدة ودوائر اوسع من الاهتمام وظهور نظريات جديدة.
وكانت حركة الشباب في اوربا عام 1968 قد شكلت بداية لمرحلة جديدة طرحت فيها لأول مرة مطالب سياسية لم يستطع احد ان يصنفها ضمن المطالب اليسارية، او اليمينية التقليدية رغم الطابع اليساري العام لها، ورغم ان بعض مؤسسيها كانوا من اصول يسارية او على علاقة باليسار.
وبعد ذلك انتقلت هذه الظاهرة الى بلدان "العالم الثالث" وأمريكا اللاتينية بصفة خاصة، وأخيرا انتشرت هذه الحركات، وترسخت جذورها على نحو ملحوظ في اسيا ثم تنامت لاحقا في المنطقة العربية (6). واللافت للنظر ان الحركات الاجتماعية الجديدة في طبعتها الاسيوية واللاتينية ولدت وتحركت في اطر وسياقات جديدة حيث تأسست في خضم حركة مطلبية اقتصادية، أو مهنية مباشرة للتعبير عن مطالب بعض الفئات الاجتماعية صاحبة المصلحة في تحقيق هذه المطالب الاقتصادية.
- الثالثة وتتعلق بالفترة الزمنية الممتدة من 1989 والى الآن وقد عرفت تطويرا للمقاربات النظرية بهدف فهم التحولات التي تعرفها دينامية الحركات الاجتماعية. وارتباطا بعولمة الحياة الاقتصادية – الاجتماعية اكتسبت الحركات الاجتماعية ابعادا جديدة بظهور انماط وأساليب وأنواع جديدة منها تلك المناهضة للعولمة والنيوليبرالية (7) .
واللافت ان هذه الحركات، سواء في طبعتها الاوربية او في طبعاتها التالية في العالم النامي (8) (المطلبية الاقتصادية)، ناضلت من اجل تحقيق مطالبها بعيدا عن اطر الاحزاب والنقابات التقليدية رغم قوة الاحزاب والنقابات في العديد من هذه البلدان.
ويمكن القول ان هذه الحركات الاجتماعية الجديدة التي تتبنى بصفة عامة مطالب اقتصادية واجتماعية تندرج في مجموعتين:
الأولى: تتبنى مطالب اقتصادية او مهنية لفئات اجتماعية جديدة بعضها لم يعرف طريقه الى التنظيم النقابي أو الاجتماعي من قبل. وقد يرجع ذلك الى ان هذه الفئات في معظمها فئات مهمشة (التي تعيش في العشوائيات البائسة على اطراف المدن، يطحنها الفقر والجهل والمرض) اعتادت قوى اليمين – وبالذات قوى اليمين الفاشي - ان تستخدمها فيما اهملتها بعض قوى اليسار.
الثانية: وتتبنى مطالب اقتصادية او مهنية لمجموعات سكانية لا تندرج ضمن اطار فئة اجتماعية واحدة من حيث التقسيم الاجتماعي للعمل.
بالرغم من الحضور القوي الذي باتت تسجله الحركات الاجتماعية في مختلف الانساق الاجتماعية والسياسية، فان ايجاد مفهوم دقيق ومحدد لها، ما زال بعيدا. فما زال تعريف هذه الحركات يثير الكثير من الاختلافات، تبعا لتعدد المقاربات والمنطلقات النظرية والمنهجية، إلا ان الاختلاف لا يبدو محتدما حول تحديد خصائصها المحتملة.
ولهذا فانه وعلى الرغم من كثرة تعريفات مفهوم الحركات الاجتماعية، إلا ان الباحث يواجه جملة من الصعوبات عند التصدي لتعريف هذه الحركات وتحديد خصائصها وأنماطها. ويعود ذلك الى جملة أسباب من بينها:
1. تنوع هذه الحركات واختلاف ادوارها وتداعياتها.
2. تعدد الاتجاهات النظرية القائمة على دراستها، الأمر الذي يخلق صعوبة في التعميم بشأنها (9)
إن التباس المفهوم يثير من ناحية ثانية اشكالية اخرى على مستوى القراءة والنمذجة؛ ففي أي سياق يمكن تفكيك الحركات الاجتماعية، ووفق أي منظور او توجه سياسي او ايديولوجي يمكن تحليلها؟ خصوصا وان التراكم المعرفي لم يسلم كثيرا من ثقل الايديولوجيا؛ فالحركات الاجتماعية ظلت لزمن بعيد اسيرة فهم متأثر برهانات الصراع الذي كان دائرا بين المعسكرين الشرقي والغربي في حينه، بما يفيد في انتاج قراءات ماركسية اكثر انتصارا للحركات الاجتماعية، باعتبارها صراعا طبقيا وجسرا نحو التغيير، وأخرى رأسمالية لا ترى في هذه الحركات سوى "عدو احتياطي" يتوجب التخلص منه في اقرب فرصة تتيحها شروط التاريخ (10).
وإذ لا يتسع المكان هنا لخوض سجال حول التعاريف، وهي كثيرة، غير انه يمكن القول ان أغلبها تؤكد ان الأمر متصل بجملة من القضايا من بينها:
-جهود جماعية مقصودة لأفراد ذوي اهداف محددة يسعون الى تحقيقها بمقاربة جماعية.
-كما ان الامر يتصل ايضا بوجود معايير مقبولة اجتماعيا، ومن الممكن ان يتحقق في صددها نوع من الاجماع في شكل تضامن وتأييد مطلق او تعاطف نسبي.
- كما تتميز الحركات الاجتماعية في غالبيتها بالإرادة الواعية للأعضاء، على اعتبار ان التغيير يفترض بداهة درجة معينة من الوعي بالحاجات والمطالب.
- وجود حد ادنى من التنظيم كخصيصة مميزة للحركة الاجتماعية.
- طبيعة العمل الجماعي والأهداف او الادعاءات الموجهة نحو التغيير.
-درجة المؤسسية والتنظيم في العمل الجماعي.
-معيار الاستمرارية في الحركة.
الركائز التي يستند عليها تعريف (الحركات الاجتماعية )
•تكوينها: هي جماعة من الناس تحظى بحد ادنى من التنظيم ابتداء من مستوى محدود وضيق من التنظيم (غير الرسمي) حتى مستوى مؤسسي قوي ومحكم له اجهزته وجماعاته التضامنية.
•خصائصها: تتميز في الغالب بالتغيير الاجتماعي، وبوجود بناء فكري متميز. مقابل ذلك تتسم بوجود بناء تنظيمي ضعيف، او شبه تنظيم يقود أعضائها وأنها تعمل خارج الاطر المؤسسية. ومن جانب اخر تتميز هذه الحركات بوجود تضامن داخلي قوي ما بين اعضائها والقادة، وتغلفه قوة الولاء الذي يشعر به المشاركون في الحركة باتجاه الاهداف التي تسعى اليها.
•شروط تواجدها: توافر عوامل رئيسية تتمثل في الوعي والإيمان بين الاعضاء، حيث ان الانتماء للحركة يحقق لأعضائها الاستقرار والمكانة الاجتماعية المفقودة. يضاف الى ذلك، وجود عدد من الرموز والمقولات الفكرية والمعتقدات التي تجمع الاعضاء حولها.
•أهدافها كعمل جماعي، تستهدف الحركة الاجتماعية احداث تغيير اجتماعي أو سياسي باتجاه ما.
•اساليبها وآلياتها تتنوع الاساليب التي تستخدمها الحركة لتحقيق أهدافها، كإقامة شبكة من التحالفات، واستخدام التكتيكات النضالية من قبيل المظاهرات والاحتجاجات والأعمال الرمزية، واستخدام سبل التأثير والضغط السياسي لتحقيق مطالبها. وقد تتعدى الحركة الاساليب السلمية الى الوسائل العنفية، كما قد تلجأ الى الوسائل السلبية كالانسحاب.
ثانيا: انماط وأنواع الحركات الاجتماعية
من المفيد الاشارة هنا الى تباين الاتجاهات في تحديد انماط وأصناف الحركات الاجتماعية نتيجة لاختلاف السياق الاجتماعي والتاريخي الذي وضعت فيه تلك الاتجاهات. وفي ضوء ذلك يشير معظم الباحثين المهتمين بالحركات الاجتماعية الى انه لا يوجد تصنيف مثالي واحد لهذه الحركات، بل هناك العديد من التصنيفات التي تتفاوت من حيث الدقة والشمول.
- فمثلا اتخذت بعض الدراسات المعيار القيمي كأساس للتصنيف. في ضوء هذا المعيار يتم التمييز بين:
"الحركات المعيارية" والمقصود بها تلك الحركات التي تنشد التغيير في الاجراءات والقواعد الخاصة بالقيم في المجتمع ولكنها لا تتحدى القيم نفسها. ومثال على ذلك حركات الاصلاح الاجتماعية.
"الحركات القيمية" وهي تلك الحركات التي تنشد تغيير القيم ذاتها. وتعتبر حركات "الاصلاح الديني" مثالا على ذلك.
هذا مع العلم ان هذا المعيار يعتمد ايضا لتصنيف الحركات الثورية التي تهتم باستبدال تلك القيم بقيم جديدة والحركات الاصلاحية التي تهتم بالتغيير الذي يحفظ القيم.
وما يعاب على هذا التصنيف أنه يتسم بالتداخل الكبير في توصيفه لأنواع الحركات الاجتماعية.
- معيار الاختلاف في البناء والأهداف. بموجب هذا المعيار تصنف الحركات الاجتماعية الى:
• حركات عامة، وتنشأ من حدوث تحول ثقافي كبير في المجتمع وتتسم بالغموض والعمومية في الأهداف، كما تفتقر للتنظيم والتناسق في جهودها.
• حركات خاصة، وتنشأ من ظروف اجتماعية وثقافية محددة ولها تنظيم ومعايير وأهداف محددة.
- معيار المجال الذي تتوجه إليه اهداف تلك الحركات الاجتماعية. هنا يتم التركيز على الفواعل التي سيحدث فيها التغيير سواء اكانت المؤسسة الاجتماعية او المجتمع او الافراد انفسهم. وفي هذا الصدد يميز الباحثون المتخصصون في الحركات الاجتماعية بين اربعة انواع من الحركات الاجتماعية:
• حركات الخلاص: وهي تلك الحركات التي توجه جهودها لا لتغيير المجتمع وإنما لتغيير الافراد انفسهم. وفي الغالب يكون هذا النوع من الحركات حركات دينية تنشد التحويل الكلي في القيم والمعتقدات التي يؤمن بها الافراد، مثل الحركات التبشيرية.
• حركات طرح البديل: وهي حركات تنشد التغيير بين الافراد كسابقتها. إلا انها تختلف عنها في ان هدفها احداث تغيير جزئي محدود، لا شامل في القيم والمعتقدات.
• حركات اصلاحية: ومثل هذا النوع من الحركات يسعى الى تغيير المجتمع في نطاق محدود يتعلق بهدف ما او مجموعة اهداف.
•الحركات التحويلية: وهي تلك الحركات التي تسعى الى التغيير الشامل والكلي للمجتمع من جميع قطاعاته. ويختلف هذا النوع من الحركات عن سابقاتها في طبيعة الأهداف، التي لا تقتصر على هدف محدد، وإنما تتسم بالشمولية.
- معيار السمات العامة للحركات الاجتماعية. وعلى اساس هذا المعيار يتم تصنيف الحركات الاجتماعية الى:
• حركات دينية.
• حركات سياسية (تهدف مثلا الى دمقرطة النظام السياسي) .
• حركات اقتصادية (تهدف مثلا الى تحريك الاقتصاد او جعله ملكا للدولة) .
• حركات اجتماعية (كتلك التي تدعو للحياة الاجتماعية الكريمة والكرامة والمساواة) .
- معيار المكون الاجتماعي. وبموجب هذا المعيار تقسم الحركات الى عدة أنواع: العمالية، الطلابية، الفلاحية، النسائية، والثقافية. ويستند هذا التمييز الى الفئات الاجتماعية الداخلة فيها تلك الحركات، والتي تشكل القوى الرئيسية المكونة لأغلبية المجتمعات المعاصرة.
- هناك عدد من الباحثين يميز بين الحركات الاجتماعية القديمة والحركات الاجتماعية الجديدة وفقا لعنصرين اساسيين.
• أولهما، ان الحركات الجديدة قد نقلت الاهتمام من فهم وتحليل البنى الاجتماعية الى التركيز على الحركة الاجتماعية نفسها. بعبارة أخرى، انتقل التركيز الى «الفاعل الاجتماعي» وجعلت الانسان وفعله محور اهتمامها باعتباره هو الطرف الرئيسي في عملية التغيير الاجتماعي.
• اما ثاني هذه الاعتبارات فيتمثل في الانتقال الى الاهتمام من القضايا المادية الى القضايا المرتبطة بالعلاقات الاجتماعية بما في ذلك الجوانب الرمزية كتلك المتعلقة بالهوية.
ثالثا: السياقات النظرية المفسرة لصعود الحركات الاجتماعية
بالنظر لمجموع التراكمات الحاصلة في دراسة هذه الحركات، فان ثمة اسئلة تطرح نفسها من قبيل:
- هل يمكن الحديث عن تأصيل نموذج نظري للفهم والتفسير؟
- هل هناك نظرية/ نظريات عامة للحركات الاجتماعية؟ أم ان الامر ما زال حتى الآن متعلقا بجهود متفرقة تحاول، كلٌ من منطلقاتها، أن تؤسس لفهم سوسيولوجي خاص لها؟
وبالرغم من جدة التعاطي العلمي مع موضوع الحركات الاجتماعية، فقد تمكن عدد من الباحثين من بناء نظريات قائمة الذات والسؤال للتفكير فيها وتقديم خلاصات بشأنها. وفي هذا السياق يمكن التمييز بين النظريات والمقاربات الآتية(11):
1. الاتجاه الماركسي في تفسير وفهم الحركات الاجتماعية
باختصار شديد فانه ووفقا لهذه المقاربة، فان الحركات الاجتماعية هي ذلك الحراك الجماهيري الذي ينشأ كنتيجة للصراع الطبقي ولصراع المصالح المادية (الاقتصادية – الاجتماعية) ويهدف الى تحقيق التغيير في الاوضاع القائمة.
بهذا المعنى فإن المقاربة الماركسية تنظر الى الحركات الاجتماعية بكونها حركات تنشأ كنتيجة لظروف اقتصادية – اجتماعية قاسية، تدفع طبقة من الطبقات الى توحيد صفوفها وراء طليعة مؤمنة بالتغيير وعازمة على القيام به، لتحسين الاوضاع الاقتصادية وتحقيق التقدم الاجتماعي لجميع افراد تلك الحركة. وانطلاقا من فكرة التغيير المشار اليها أعلاه فان نشاط الحركات الاجتماعية - حسب المقاربة الماركسية ـ ينطوي على السعي لتغيير القاعدة الاقتصادية والبناء الفوقي التي يقوم عليها، الأمر الذي يرتب توازنات جديدة للقوى وأشكال جديدة للملكية والسلطة.
ينطلق هذا الاتجاه من دراسة الواقع الاجتماعي للحركات الاجتماعية من واقع ان الحركة الاجتماعية محكومة بجوهر الانسان الذي يكمن في منظومة علاقات الانتاج الاجتماعية التي تحكم طبيعة النظام القائم. وترتكز تلك المنظومة على علاقات الانتاج الاجتماعية، التي تعتمد على شكل الملكية لوسائل الانتاج وأشكال توزيع الثروات وأوضاع الطبقات. ويعتمد الفكر الماركسي على مفهوم الصراع الطبقي كقاعدة لتفسير وفهم الحركات الاجتماعية، من خلال مضاهاته الحركة الاجتماعية بالطبقة العاملة (البروليتاريا) – المقهورة والمستغلة (بفتح الغين) التي تدخل في صراع ضد الطبقة الرأسمالية (البرجوازية) المسيرة، الأمر الذي سيقود الى انتصار الاولى على الثانية، مفضيا الى الغاء الطبقات في المجتمع، وما يعنيه من عدم وجود مبرر لبقاء واستمرار الحركات الاجتماعية.
ملخص القول، ان الاتجاه الماركسي في تناوله نشأة الحركات الاجتماعية وظهورها يطابق بين مفهومي الحركة الاجتماعية والطبقة، ويجعل التناقض بين قوى الانتاج والصراع بين الطبقات القاعدة لنشأة الحركات الاجتماعية ولأفولها بمجرد انتهاء الغرض من وجودها، وهو القضاء على الطبقة المسيطرة والوصول الى حالة المجتمع بلا دولة، وبلا طبقات.
2 .الاتجاه البنائي الوظيفي في تفسير الحركات الاجتماعية
انطلاقا من الفكر البنائي الوظيفي، ظهرت العديد من النظريات التي تتناول الحركات الاجتماعية وتفسر اسباب وظروف نشأتها وأفولها، ومن بينها:
•نظرية السلوك الاجتماعي. وهي تعود الى سنوات الاربعينيات والخمسينيات من القرن العشرين حيث انطلق درس وتحليل الحركات الاجتماعية. وتستند هذه النظرية في تفسيرها للحركات الاجتماعية الى خلاصات علم النفس الاجتماعي وسيكولوجية الجماهير. كما أنها تربط ميلاد الحركات الاجتماعية بحدوث مظاهرات وأشكال من "الهيستيريا الجماعية"، حيث تنتقل العدوى الجماعية التي تجعل الفرد منسابا مع السلوك الاندفاعي. بمعنى ان الحركات الاجتماعية، وفقا لهذا الفهم، تنطوي على ردود فعل ليست بالضرورة منطقية تماما، في مواجهة ظروف غير طبيعية من التوتر الهيكلي بين المؤسسات الاجتماعية الاساسي.
ويرى انصار هذا المقترب Approach ان نشأة الحركات الاجتماعية ترجع بالأساس الى الاستجابة غير العاقلة لتوترات عنيفة في المؤسسات الاجتماعية، والتي تؤثر على مجمل النظام الاجتماعي كله وتهدد وجوده واستقراره. وبهذا المعنى، فبروز الحركات الاجتماعية انما يشكل انعكاسا للمجتمعات المريضة التي تعاني من وجود خلل في مؤسساتها، لأن المجتمعات السليمة – بحسب هذه المقاربة – لا تظهر بها مثل هذه الحركات، وإنما تتواجد فيها الاشكال الصحية للمشاركة السياسية والاجتماعية.
•نظرية الحرمان النسبي. تفسر هذه النظرية بروز الحركات الاجتماعية ونشأتها استنادا الى شعور الافراد الواعي بالحرمان من جراء احساسهم بالتناقض بين التوقعات المشروعة والواقع الفعلي، وميلهم لعقد المقارنات بين احوالهم في الماضي وفي الحاضر، او ما بين انفسهم والآخرين، فيشعرون بالرضى اذا ما كانوا افضل حالا، وبالسخط والإحباط اذا ما كانوا اسوأ حالا. ولكي يتحول السخط الى حركة اجتماعية، لا بد من توفر عدد من الشروط:
- اولها الشعور بالحرمان النسبي.
- ثانيها، وجود وعي لدى الناس بمشروعية أهدافهم وان لهم الحق في المطالبة به.
- وثالثها، شعور الناس انهم يستحقون وضعا افضل مما هو عليه فعلا.
- رابعها، طبيعة النظام السياسي ومدى ضعفه في مواجهة الحركة الاجتماعية.
- خامسها، ضرورة وجود احساس وإدراك عام لدى الافراد بأن انضمامهم للحركة سيحسن اوضاعهم.
يؤخذ على هذه النظرية تركيزها على عامل الحرمان الاقتصادي بالأساس دون غيره من العوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية التي قد تسبب مثل هذا الشعور بالحرمان. فضلا عن ذلك، لا تفسر هذه النظرية اسباب قيام العديد من الحركات الاجتماعية وانضمام الافراد اليها، دون ان يكون لديهم احساس بالحرمان النسبي.
• نظرية الضغوط البنائية. وفقا لهذه النظرية فان هناك جملة من العوامل التي تشير الى التفاعل بين مؤثرين هما:
- الخلل المؤسسي في البنى الاجتماعية من جانب، نتيجة لعدم قدرة تلك المؤسسات على القيام بوظائفها المطلوبة وعجزها عن الاستجابة للمطالب الجديدة وإفساح المجال أمام القوى الاجتماعية الجديدة؛ وما يؤدي إليه مثل هذا الخلل من تفشي الشعور بالسخط والاغتراب وانتشار الظلم والإحباط.
- ومن الجانب الآخر ظهور الاعتقاد العام الذي يتبلور في صورة ايديولوجيات ورؤى جديدة تسعى لإحداث مثل هذا التغيير للأوضاع القائمة.
إلا ان تفاعل هذين الشرطين لإحداث الحركات الاجتماعية يستلزم وجود شرطين آخرين:
أولهما: تبلور وتحول هذا الاعتقاد العام الى شكل من اشكال الحركة، ذات القدرة على الحشد والتعبئة الجماهيرية للمشاركين في هذا الاعتقاد العام بضرورة التغيير.
وثانيهما: ضعف ميكانيزمات الضبط الاجتماعي والسيطرة من قبل النخبة الحاكمة بالشكل الذي يسمح للحركة بالنزول الى الشارع والتعبير عن مطالبها وتحقيق اهدافها. وضعف الميكانيزمات هذا أما ان ينشأ نتيجة لعدم قدرة النخبة الحاكمة/ الدولة على استخدام القوة العسكرية أو عدم امتلاكها لأدوات اقناع الرأي العام المضاد والمطالب بالتغيير.
ووجهت لهذه النظرية العديد من الانتقادات من بينها انها لا تفصل بين الموارد المتاحة وكيفية نشأة الحركات الاجتماعية والعوامل الخارجية المؤثرة عليها.
ثالثا: الاتجاهات الحديثة في تفسير الحركات الاجتماعية
من ابرز الاتجاهات الحديثة في تفسير الحركات الاجتماعية هو نظرية تعبئة الموارد. وقد تبلورت هذه النظرية في ستينيات القرن العشرين استنادا الى فهم خاص يبحث في نشوء الحركات الاجتماعية وآليات تدبيرها وتشكلها بواسطة الموارد الاقتصادية والسياسية والتواصلية، التي تتوفر للأفراد والجماعات المنخرطة في الفعل الاحتجاجي، بدون اغفال القدرة على استعمال هذه الموارد. وقد ظهرت البدايات الاولى لهذه النظرية في الولايات المتحدة، في سياق البحث عن اطار تحليلي للحركات الاجتماعية، خصوصا مع تنامي الحركات النسائية وحركات السود والمدافعين عن البيئة. تعير هذه النظرية جانبا كبيرا من الاهتمام الى العلاقات القائمة بين هذه الحركات والقضايا السياسية المثارة في النسق المجتمعي، لاكتشاف جدل التأثير والتأثر بين الفعل الاحتجاجي والفعل السياسي.
يرى هذا المقترب الحركات الاجتماعية باعتبارها استجابة عاقلة ومنطقية في مواجهة مواقف وإمكانات جديدة طرأت على المجتمع حديثا، تشكل فرصا لانتقال المجتمع من الوضع الحالي لوضع افضل. ومن ثم، لا ينظر للحركات الاجتماعية على اساس انها مصدر من مصادر خلل المجتمع بل كجزء من العملية السياسية، والنظام السياسي نفسه، تسعى لا الى تغييره تغييرا شاملا، وإنما الى الوصول به الى «الصورة الافضل». ويتم ذلك من خلال قيام تلك الحركات بتعبئة الموارد وتوظيفها لصالح المجتمع وتطوره.
يؤخذ على هذا المقترب/ النظرية تركيزه على كون الموارد عاملا اساسيا لتشكل الحركات الاجتماعية، مع اغفاله للحالة التي قد تفتقر فيها بعض الحركات الاجتماعية للموارد، وعلى الرغم من ذلك تحقق اهدافها وتزدهر.
رابعا: الاتجاهات المفسرة للحركات الاجتماعية في زمن العولمة
شهدت دراسة الحركات الاجتماعية "منعطفا ثقافيا" في مطلع الثمانينيات من القرن العشرين، حيث بدأ التركيز على الابعاد الثقافية – غير المادية – من الهويات الجديدة الجماعية Collective Identity والعواطف والمشاعر للأفراد الداخلين في الحركة وتأثيرها على نشاط الحركة الاجتماعية. وهناك ثمة اتفاق على ان ذلك الاتجاه الثقافي يتضمن اقترابين اساسيين هما:
أ. نظرية الحركات الاجتماعية الجديدة.
تم تأصيل هذه النظرية في اوربا لتبرير مجموعة من الحركات الجديدة التي عرفتها الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين. كما قلنا سابقا فان مصطلح الحركات الاجتماعية في اوربا الغربية بدأ في اواخر الستينيات من القرن العشرين، عقب حركة الشباب والطلبة التي رفعت شعارات نزع السلاح، وتحرير المرأة، والدفاع عن البيئة، وعن الهويات.. الخ. ان طبيعة المطالب التي رفعتها تلك الحركات قد شكلت نقلة نوعية في الحركات الاجتماعية، حيث طرح للمرة الاولى بشكل يصعب تصنيفه تحت أي تيار سياسي (سواء يميني او يساري) .
وعلى عكس الاتجاهات الكلاسيكية التي ركزت على التناقضات بين الدولة والمجتمع، او بين الدولة والطبقة او بين النظام الاجتماعي ومؤسساته، كأساس لبروز الحركات الاجتماعية، جاءت نظرية الحركات الاجتماعية الجديدة لتنقل الاهتمام الى فهم وتحليل «التفاعل الانساني» كفاعل اجتماعي يشكل الطرف الاساسي في عملية التغيير الاجتماعي(12) .
وتنظر هذه النظرية للحركات الاجتماعية كفعل اجتماعي عاكس لتناقضات المجتمع الحديث بسبب العولمة والنيوليبرالية والبيروقراطية المفرطة. ويتم التشديد دوما، في اطار هذه النظرية، على الاختلافات القائمة بين الحركات الاجتماعية القديمة والأخرى الجديدة، التي تؤشر الانتقال من الدفاع عن المصالح الطبقية الى الدفاع عن المصالح غير الطبقية المتعلقة بالمصالح الانسانية الكونية. وهو ما يعبر، حسب منظري هذه المقاربة، عن ان هذه الحركات الاجتماعية الجديدة تهتم اكثر بتطوير الهوية الجماعية والمراهنة على الفئات الوسطى بدلا من الطبقة العاملة.
وما يميز هذه النظرية هو ابتعادها عن اطار الطبقة، وتبنيها للهويات المتنوعة عابرة الطبقات. ويشكل المكون الثقافي فيها جوهرا للعمل والنشاط، وحيث يركز على الهويات والقيم والاعتبارات الثقافية التي تبتعد عن تلك الابعاد المادية والاقتصادية التي دعت اليها الحركات الاجتماعية (التقليدية).
ومن الجدير بالذكر، ان تكوين الحركات الاجتماعية الجديدة لا يتأسس بالضرورة على اطار ايديولوجي واحد يجمع بين افراد تلك الحركة. فألاهم – عند هذه الحركات – من المرجعية السياسية هو قدرة الحركة على المزج بين القضايا الاجتماعية – العامة والخاصة – والسياسية والبيئية بالشكل الذي يمكنها من تحقيق الهدف العام والمتمثل في محاولة تخليص حالة الاغتراب التي يعيشونها – والتي تتعدى الاغتراب الاقتصادي الذي قصده ماركس لتشمل الاغتراب السياسي والبعد عن مؤسسات الدولة.
وعلى الرغم من الملاحظات اعلاه التي تميز هذه النظرية، إلا انها واجهت العديد من الانتقادات لعل ابرزها هو مسعاها بحد ذاته. فقد شككت العديد من الانتقادات في ان مصطلح «الجديدة» ليس له اية دلالات مفاهيمية، خصوصا وانه يبالغ في تحديد الاختلافات بين الحركات التقليدية والجديدة بالشكل الذي يعتم على الاشياء المشتركة بينهما سواء في الأهداف او النشأة، وغيرها.
ب. المقاربات الثقافية Cultural Approaches. ويندرج ضمن هذه المقاربات ما يأتي:
• الاقتراب الاطاري. بموجب هذا الاقتراب يتم التأكيد على اهمية العامل الانساني في تفسير الحركات الاجتماعية، وتركيزه على كيفية دمج المشاركين في الحركة الاجتماعية البعد الثقافي مع البعد العملي – المتعلق بالنشاط الجماعي – من خلال توظيف اطار يقوم على الرموز والهويات والأبعاد الثقافية المشتركة بين هؤلاء المشاركين، بما يحقق الهدف من الحركة الاجتماعية.
• نموذج (براديغم) الفعل – الهوية. تعتبر هذه النظرية الحركات الاجتماعية ديناميات اجتماعية حائلة دون الركود او الثبات الاجتماعي؛ فهي افعال احتجاجية تروم التغيير ومقاومة جميع امكانيات التكريس وإعادة انتاج القائم من الأوضاع، وهو ما يجعل منها ممارسات ضد الهيمنة. وفي هذا الصدد يلح انصار هذه المقاربة على ان المجتمع المبرمج والموجه من جانب التكنوقراط يبخس دور الطبقة العاملة ويحد من فعالياتها في صناعة التغيير. لذا ينبغي وفقا لهذا البراديغم النظري فهم الحركة الاجتماعية كفعل ضد الهيمنة من اجل تحصين الهوية.
ويرى هذا النموذج أن الحركات الاجتماعية تلعب دورا رئيسيا في مقاومة المجموعات المهيمنة على عمليات اعادة الانتاج الاجتماعي والاقتصادي، وتحول دون الركود الاجتماعي، بالشكل الذي يجعلها تقوم بالأساس ضد الاشكال المؤسسية القائمة والمعايير المعرفية المرتبطة بها، وتسعى لتشكيل معايير اجتماعية جديدة.
وهكذا فإذا كان النقاش قد تمحور في وقت سابق حول مفهوم الحركات الاجتماعية وأشكال الاحتجاج، فان الاجتهادات النظرية في الوقت الحاضر باتت تنشغل اساسا بالمضامين والهويات والشروط البنيوية التي تميز هذه الحركات.
ويلح العديد من الباحثين المشتغلين على هذه الحركات (مثلا عالما الاجتماع الفرنسيان: الان تورين وبيير بورديو) على التذكير دوما بانها تضم ثلاثة عناصر أساسية هي(13) :
• الدفاع عن الهوية والمصالح الخاصة.
• النضال ضد الخصم.
• الرؤية العامة التي يتقاسمها الافراد.
فالحركات الاجتماعية في طبيعتها القديمة والجديدة تفترض وجود صراع حول مصالح ودفاع عن حقوق، مع ما يعنيه الصراع والدفاع من وجود خصوم او مالكين لوسائل الانتاج والإكراه، وآخرين غير مالكين بتاتا، وكل هذا يتطلب حدا ادنى من التنظيم والرؤية وقواعد اللعب.
ونظرا لكون العلاقات الاجتماعية قائمة على الصراع الدائم بين من يملك ومن لا يملك، فان الصراع الطبقي يتواصل ويمهد لانبثاق الحركات الاجتماعية. من هنا، فانه يمكن اعتبار العمال فاعلين تاريخيين، وأصحاب الحركات الاجتماعية فاعلين جددا في انتاج المجتمع وإعادة انتاجه.

مساهمة بيير بورديو
يعد عالم الاجتماع الفرنسي (بيير بورديو) (1930 – 2002) واحدا من أهم المفكرين الذين اسهموا في توسيع دائرة النقاش والتحليل حول الحركات الاحتجاجية التي عرفتها فرنسا والعالم منذ انتفاضة الشباب في اوربا سنة 1968. فمنذ ذلك التاريخ استمر بورديو في التقاط تفاصيل هذه الحركات، مسائلا شروط انتاجها وتناميها في المجتمع الفرنسي وغيره من المجتمعات، الى الدرجة التي صار فيه اسمه مرتبطا بحركات مناهضي العولمة، ليس كباحث فقط، وإنما كمنظر ومشارك ملتزم ايضا. فهو يشكل مع نعوم شومسكي وانطونيو نيغري وتيار (اللوموند دبلوماتيك) ابرز المنظرين للحركات الاحتجاجية المناهضة للعولمة المتوحشة(14) .
اهتم بورديو بتناول أنماط السيطرة الاجتماعية بواسطة تحليل مادي للنتاجات الثقافية يَكفُل إبراز آليات إعادة الإنتاج المتعلقة بالبنيات الاجتماعية، وذلك بواسطة علم اجتماعي كلي يستنفر كل العتاد المنهجي المتراكم في مختلف مجالات المعرفة عبر التخصصات المتعددة. ولهذا فانه يركن في تحليله للحركات الاجتماعية الى ما بلوره من مفاهيم واطروحات بخصوص «الحقل» و»رأس المال» و»العنف» و»جدوى العلم الاجتماعي» و"المثقف الجمعي". فأدوات التحليل التي اعتمدها بورديو تفيد كثيرا في فهم وتفهم ديناميات الحركات الاجتماعية، خصوصا عندما يتم تمثلها كحقول صراعية في نزاع وتنافس مستمر مع مؤسسات الهيمنة والاحتواء، وأيضا عندما يتم النظر اليها عبر مقتربات العنف وراس المال وغير ذلك من المفاهيم التي توصل اليها وهو يؤصل لسوسيولوجيا متقدمة في النوع والدرجة.
وفي سياق التزامه بالحركات الاحتجاجية، دعا بورديو الى «حركة احتجاجية اوربية» تكون خطوة اولى على طريق بناء اممية جديدة، وهي حركة تفترض مزيدا من الالتزام والانخراط الايجابي للنقابات والحركات الاجتماعية والمثقفين، والذين لا بديل امامهم لمواجهة إكراهات العولمة واقتصاد السوق غير ابداء الرفض والاحتجاج ماديا ورمزيا، دفاعا عن «الاجتماعي» وذلك بإبداع قنوات جديدة لمواجهة الرأسمالية العالمية التي زاوجت بين التكنولوجيات الحديثة وسلطة رأس المال، وهو يمنحها امكانيات قصوى للهيمنة والتأثير، داعيا بقوة الى تحصين العلاقات والممارسات الاجتماعية ضد النيوليبرالية، حيث هذه الأخيرة تسعى الى تفكيك المجتمعات ومحو قيم التضامن الاجتماعي على جميع الاصعدة المحلية والكونية واستئصال البنى الجماعية التي قد تعوق منطق السوق.
مساهمة ألان تورين
تعتبر الحركات الاجتماعية من بين أهم المباحث الأساسية التي اشتغل عليها الان تورين(15). تتميز الحركات الاجتماعية الجديدة عند تورين بقدر معين من التنظيم والاستمرارية اللذين من خلالهما يسعى إلى الفعالية في إعادة إنتاج تاريخ الأنساق الاجتماعية.
يؤسس ألان تورين الحركة الاجتماعية على ثلاثة مبادئ أساسية:
(1) مبدأ الهوية: يقصد به ضرورة تحديد الهوية الذاتية التي يمكن أن تكون متعددة ومركبة (مجموعة، طبقة، شريحة اجتماعية...) وبمقابلها أيضًا يجب تحديد هوية الخصم.
(2) مبدأ التعارض: يفترض مبدأ التعارض في الحركة الاجتماعية تحديد الخصم، أي يجب أن يكون الخصم الذي تقوم عليه الحركة واضحًا وموضوعيًا. أو بصيغة أخرى يكون لسؤال :اذا الحركـة الاجتماعية؟ جوابا واضحا مثل: الحركة العمالية ضد تنظيم العمل، من أجل الاستقلال العمالي.
(3)مبدأ الكلية: ويقصد ألان تورين بهذا المبدأ أن تكون الحركة الاجتماعية مكونة من وعي جمعي وبصيغة جمعية وشمولية، لا أقلية وفردية من أجل النجاح في التأثير على الرأي العام والحصول على الحقوق والمطالب، لأنه إذا كانت هناك حركة كلية شمولية فمن المستحيل السيطرة عليها.
لمزيد من التفاصيل قارن: ألان تورين، براديغما جديدة لفهم عالم اليوم، مصدر سابق؛ كذلك: ألان تورين، نقد الحداثة، ترجمة انور مغيث، المجلس الاعلى للثقافة، المشروع القومي للترجمة، القاهرة 1997.
الهوامش:
1- (Mario Diani and Ivano Bison, Organizations, Coalition, and Movements, Theory and Society, Vol.33 - 2004).
-2يعتبر الباحث والمؤرخ الالماني (لورينز فون شتاين) هو اول من نحت مفهوم الحركة الاجتماعية للدلالة على اشكال وصيغ الاحتجاج الانساني الرامية الى التغيير وإعادة البناء. وفي هذا المفهوم يحصر فون شتاين الحركة الاجتماعية بفعل الحركة العمالية على غرار النظرة الماركسية وبعيد عن المثالية الهيكلية. وضمن هذه الرؤية تتحمل الحركة العمالية وزر قدر التاريخ. وستتكرس هذه النظرة لاحقا، خاصة مع الماركسية، تجعل من الصراع الطبقي محركا وحيدا للتاريخ.
-3 لمزيد من التفاصيل قارن: عبد الرحيم العطري، « سوسيولوجيا الحركات الاجتماعية «، إضافات، العدد الثالث عشر/شتاء 2011، ص 17 ولاحقا.
-4لمزيد من التفاصيل قارن: أندريه غندر فرانك ومارتا فونتيس (1991)، الحركات الاجتماعية في التاريخ العالمي الحديث، في: إيمانويل فالرشتاين وآخرون، ترجمة عصام الخفاجي وأديب نعمة، الإضراب الكبير، بيروت، دار الفارابي.
-5 تالكوت بارسونز Talcott Parsons 1979 – 1902 واحد من أبرز علماء الاجتماع المعاصرين في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث ولد فيها وتوفي في مدينة مونيخ. وتكشف سيرته عن اهتمامه المبكر بالعلوم الطبيعية، وعلم الحياة، ومن ثم تخصصه المعمق في علم الاجتماع، بعد أن تنقل خلال حياته بين الولايات المتحدة، وبريطانيا وألمانيا، وعدد من الدول الأوربية الأخرى. له مؤلفات عديدة يظهر من خلالها تأثره الواضح بأعمال كل من ماكس فيبر، وإميل دوركهايم، و باريتو وغيرهم.
-6 قارن: سمير امين (2003)، المنظمات الشعبية في العالم العربي، في: سمير أمين وفرانسوا أوتار (محرران)، مناهضة العولمة. حركة المنظمات الشعبية في العالم. (القاهرة، مركز البحوث العربية والمنتدى العالمي للبدائل، 2003) .
-7 لمزيد من التفاصيل قارن: سمير أمين، الحركات الاجتماعية والديمقراطية في مواجهة امبريالية العولمة. (في:) عزة خليل (محرر)، الحركات الاجتماعية في العالم العربي، الفصل الاول، الطبعة الاولى، (مركز البحوث العربية والإفريقية، القاهرة 2006)
-8 قارن: - فريد زهران، الحركات الاجتماعية الجديدة، الطبعة الأولى، (القاهرة: مركز القاهرة للدراسات وحقوق الانسان 2007)
-9 لمزيد من التفاصيل قارن: عبد السلام نوير، «الحركات الاجتماعية والسياسية: دراسة نظرية «، شؤون اجتماعية، السنة 25، العدد 100 (2008)، جمعية الاجتماعيين والجامعة الامريكية في الشارقة: الامارات العربية.
-10 قارن: عبد الرحيم العطري، «سوسيولوجيا الحركات الاجتماعية»، مصدر سابق، ص 19-18.
-11 قارن: عبد الرحيم العطري، «سوسيولوجيا الحركات الاجتماعية»، مصدر سابق، ص 23 ولاحقا؛ كذلك: ألان تورين، براديغما جديدة لفهم عالم اليوم، ترجمة: جورج سليمان، مركز دراسات الوحدة العربية، المنظمة العربية للترجمة؛ كذلك: عبد السلام نوير، «الحركات الاجتماعية والسياسية: دراسة نظرية»، مصدر سابق؛ كذلك: سمير أمين وفرانسوا أوتار (محرران)، مناهضة العولمة. حركة المنظمات الشعبية في العالم. (القاهرة، مركز البحوث العربية والمنتدى العالمي للبدائل، 2003) .
-12 قارن: عبد الرحيم العطري، «سوسيولوجيا الحركات الاجتماعية»، مصدر سابق، ص 24 ولاحقا.
-13 قارن على سبيل المثال: ألان تورين، براديغما جديدة لفهم عالم اليوم، ترجمة: جورج سليمان، مركز دراسات الوحدة العربية، المنظمة العربية للترجمة؛ كذلك:.
-14 عالج بورديو ذلك في عدة اعمال من بينها: Bourdieu, Pierre (1998). “L, Essence du neoliberalisme”. Le Monde diplomatique: mars. 15- لمزيد من التفاصيل قارن: ألان تورين، براديغما جديدة لفهم عالم اليوم، مصدر سابق؛ كذلك: ألان تورين، نقد الحداثة، ترجمة انور مغيث، المجلس الاعلى للثقافة، المشروع القومي للترجمة، القاهرة 1997.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مجلة "الثقافة الجديدة"
العدد 371
كانون الثاني 2015