من يهمش من؟ / احمد خلف                                         

يعتقد الكثير من المثقفين ان فعل التهميش يصدر اساسا من اشتغال المركز على الاقصاء المقصود للفئات التي لا تنسجم وطروحاته سياسيا واجتماعيا وثقافيا، اي الفئات او الشرائح الاجتماعية المقصية، وغالبا ما يعاني المهمش من انحسار دوره الاجتماعي في الحياة اليومية، ويقع فعل التهميش على فئة المثقفين الواعين لدورهم والعارفين بقابلياتهم الذاتية على التطوير والتجلي اكثر من سواهم، أولئك الذين يستنكرون عادة كل طروحات الفئة المسيطرة على رؤوس الاموال، ونعتقد ان من هنا تبدأ لحظة الافتراق التاريخية بين المتن والهامش او بين المركز والاطراف، حيث تتكدس رؤوس الاموال والثروة الوطنية بيد فئة صغيرة لها قدرة التحكم بنبض الشارع او حياة المثقفين بالذات وغالبا ما يقع فعل التهميش او الاقصاء المتعمد على نوع معين من الادباء والفنانين المبدعين الذين يمكن لهم ان يتبوأوا مكانة تفوق مكانة من يقوم بفعل التهميش والاقصاء للقابليات الكامنة في داخل واعماق ذلك المهمش، عندئذ يسعى من هو في طليعة المشهد الثقافي او الأدبي الى تحطيم وتمزيق صورة ذلك المهمش الذي يجد في نفسه الطاقة والقابلية على التحرر بل الانعتاق من اسر التهميش الى حالة او وضعية تتسم بالتفوق على نفسه او فرض خطوة ملموسة الى امام اي محاولة الانتقال من الظل الى اطراف الضوء وربما الى أعماقه.

لا تتم هذه الخطوة بدون ثمن ولو مجرد احساس نفسي بالانحراف عن سير خط الجماعة المهمشة التي كان ينتسب اليها  ذلك المهمش المتطلع الى عالم الضوء (ويحمل معظم المهمشين فكرة مركزية عن تهميشهم من قبل المنظمات او الكيانات السياسية او الرسمية: هي فكرة الاضطهاد بانواعه المعروفة: السياسية والاجتماعية والثقافية، ويزداد مركب الاضطهاد السياسي لدى هذه الشريحة او الفئة كلما اتجه نظام الحكم نحو الشمولية والتفرد بالسلطة ومارس نوعا من انواع الاقصاء تجاه خصومه السياسيين الاخرين، اي تثبيت المركز على حساب أطرافه).

ويميل المهمش الى نوع من انواع العزلة وهي عزلة ارادية اي صدرت باختيار المنعزل وغالبا ما يكون الوسط الاجتماعي والسياسي هو الدافع الخفي للعزلة وان جاء ذلك بصورة غير مباشرة، ولتوضيح مفهوم المهمش ترى "سعاد العنزي" في كتابها - المهمشون في الادب: (المهمش بشكل عام هو من يقصى بشكل متعمد من نسق إنساني اجتماعي وثقافي غالب، ومهيمن على الفضاء المكاني والزماني الذي يتحرك به الفرد، ولنلاحظ ان المهمش يختلف عن المنفي، فالمنفي قد يكون اختار المنفى، فهو منفي باختياره الإنساني المحض، لكن المهمش هو معزول عن قصدية تقف خلف هذا الغياب. والمهمش هو حاضر ولكنه يغيب عن ذهن المجتمع لأسباب عدة)، وتأتي الفقرة المجتزأة هذه على فعل الاقصاء، ونعتقد ان الاقصاء متأتٍ عن تخطيط وقصدية سياسية او اجتماعية تفوق حالات التهميش التي يمكن التحايل عليها من قبل بعض المهمشين الواعين لدورهم في الحياة الاجتماعية وربما السياسية ويكون المجال مفتوحا امام المهمش كلما اقترب من الفئة المتحكمة او المنتسبة للسلطة وهو بهذا قد يدفع ثمنا لم يفكر به من قبل وقد يدخل هذا الثمن من باب المساومة والتنازل للآخر الذي يمتلك القوة والمال في الوقت الذي لا يمتلك المهمش ايّ شيء مادي يعطيه للآخر، لذا يمكن ان يعتبر في عرف المهمشين الآخرين مجرد شخص طاريء ومتواطيء مع فئة او طبقة تسعى الى تهميش من وقع عليه التهميش الحقيقي، وبهذا الفعل الجدلي يكون المهمش قد مارس فعل التهميش على احد ابناء فئته حالما حاول ذلك المهمش ان يفتح كوة في جدار الصمت المتعمد والمقصود.. ويبدو فعل التهميش والاقصاء، تاريخيا، بعيد الغور في حياة العديد من المجتمعات والشعوب على مر الحقب والعصور، ولعل المثل البارز في التاريخ القديم هو نموذج الثائر العالمي الشهير "سبارتكوس"، فهو خير دليل على ان افعال تهميش الفئات المسحوقة ليس امرا عجيبا، وفي مجتمعنا الاسلامي لدينا خير مثال هو الثائر الحصيف ابو ذر الغفاري، ومن الفئات التي خلدها التاريخ الثقافي مجموعة الشعراء الصعاليك، ولعل سيدهم في الصعلكة كان عروة بن الورد، وكل واحد من هؤلاء الثائرين يمثل عصرا من العصور المنصرمة، ونمطا من العيش والتعامل اليومي مع الحياة آنذاك، اما نموذج العصر الحديث فهو الثائر الأرجنتيني غيفارا، لهذا لا يمكن للاقصاء السياسي والاجتماعي ان يحدد بفترة زمنية او مرحلة من مراحل التطور التاريخي للمجتمعات في العالم.

وغالبا ما يلجأ المهمشون الى اعلان عدم الرضا او حالة رفض القبول بما تطرحه الفئة الحاكمة او السلطة، وذلك لاختلاف النزعة والتوجه في معالجة القضايا التي تهم المجتمع، ويتصدر هؤلاء المهمشين: المجموعة المثقفة من شعراء وادباء وفنانين تشكيليين ومسرحيين، الذين لم يجدوا الفرصة المناسبة للنهوض بنتاجهم الأدبي والفني ونشره على الملأ كما هو الحال لدى ادباء الكيانات والمنظمات المنضوية تحت حماية سلطة اوحزب او جماعة، والتي تدرك خطورة ما تطرحه السلطات من النوايا والأهداف قد تجرّ البلد الى محن كثيرة، وليس بعيدا ان يكون عدم الرضا نابعا عن حالة من حالات الغيرة او الحسد الشخصي بل وحتى الفئوي وليس نتيجة لموقف او وجهة نظر متكاملة الرؤيا والاتجاه الفكري، وتلك لعمري، هي اسوأ حالات عدم الرضا والاختلاف مع الآخر الذي يملك كل شيء، اذ ينبغي لعدم الرضا ان ينبع من موقف متكامل سياسيا واجتماعيا وثقافيا ايضا.

غير ان الكثير من المهمشين على مستوى الثقافة والفنون يتناسون الدور الذي يلعبه فعل التهميش في المحصلة الأخيرة وذلك عندما يضطر المركز او السلطة او الكيان السياسي الى الاستعانة بالمهمشين في الغالب الأعم من الأمور والقضايا التي تعني ما تعنيه تحريك ماكنة الجماعة او الدولة وعلى اقل تقدير تنشيط فاعلية العمل الجماعي الذي يصبّ في مصلحة الكيان او الدولة التي تنوي استغلال طاقة المهمشين في بلدانها.

ان هذا الاحتياج الاضطراري قد لا يتكرر، ولكن المركز او المتن يعلم ان الهامش او الاطراف اثبتت وجودها ومن المحتمل انها ستدخل حلبة الصراع غير المتوقع بين الاطراف وبين المركز وبهذا سيقوم الهامش بدحر المتن اذا احسن ادارة الصراع الذي لا مفرّ منه.. وتسعى المعارضة السياسية في اي بلد من بلدان العالم الثالث الى اعلان رفضها لفعل التهميش، وتتهيأ ـ عادة ـ الى خوض غمار الصراع من اجل الوصول الى السلطة عن طريق الاقتراع في الدول التي تؤمن بنهج التعددية، غير انها (المعارضة السياسية التي تعاني التهميش) وحالما تفوز باستلام مقاليد الحكم تبدأ بدورها في تهميش من كانوا اسياد الموقف ويعتبرون هم المركز ويتحكمون بمصائر خصومهم، ويصبح من كان قد جرى عليه فعل التهميش والاقصاء قد تبادل المواقع مع خصومه ليصبح هو في المركز مستقطبا الاخرين الى ظلاله، وقد يتطلب منه ذلك تعطيل القوانين التي كانت تخدم السلطة السابقة لتحل محل الفئة التي كانت تمارس التهميش ضدها، ولا يعيد ميزان القوى الى وضعه الطبيعي الا اذا بدأ الصراع مجددا، لنعرف اخيرا:

- مَن يهمش مَن ؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كلمة "ادب وفن" مجلة "الثقافة الجديدة"

العدد 371

كانون الثاني 2015