رُهاب التربية والتعليم /  صادق الازرقي                          

اظهر شريط فيديو بث من على شبكة الانترنت رجلاً يبدو انه في كامل قواه العقلية، قيل انه مدير احدى المدارس في محافظة ميسان، وهو يقوم بضرب تلاميذ صغار اصطفوا لتسلم حصتهم من عقاب جماعي، مارس فيه المدير الضرب بيده تارة وبالعصا كرّة اخرى، بحق مجموعة من التلميذات والتلاميذ.

بدءا نقول، صحيح ان السنوات العجاف التي مر بها العراق طيلة عقود تسببت في خلخلة، اذا لم نقل انهيار قيم ايجابية كثيرة كان يتمتع بها العراقي في سالف ايامه الدارسة، ومنها عاطفة المعلمين تجاه التلاميذ الصغار، واحترام التلاميذ العظيم لمعلميهم، وصحيح ان الوضع العراقي يعاني من سيادة مظاهر العنف في الشارع حتى بين الاطفال؛ غير ان ذلك لا يسوغ لمن يفترض انه شخص تربوي لإنزال العقاب الجماعي بتلاميذ صغار، كان لزاماً عليه ان ينجح في تعليمهم ويسهم في تربيتهم، لا ان يرفع العصا بوجههم؛ فاذا كان قد فشل في تحقيق مهمته تلك الى الحد الذي اوصل عدداً كبيراً من التلاميذ الى ارتكاب ما يوجب العقاب الجماعي ـ على افتراض انهم ارتكبوا جرماً ـ فهل يحق له بعد ذلك مواصلة دوره التربوي وهل انه يصلح اساسا لتأدية هذا الدور؟!

لا نقول ان المدارس في السابق لم تشهد عمليات عقاب للطلاب؛ ولكنها لا تحدث الا نادراً وبصورة فردية في الأغلب.

الغريب في الأمر ان الرجل المعاقِب كان يمارس دوره الارهابي بهدوء اعصاب، فيما لم يظهر أي احتجاج او محاولة منعه من قبل أي من اعضاء الهيئة التدريسية، في حين ظهر احدهم قبل نهاية التصوير، يضع يديه في جيوبه مبتسماً وهو يتطلع الى المصور، ما يعني ان الخلل شامل وليس مقصوراً على شخص بعينه؛ وان خطراً كبيراً يكمن في العملية التعليمية التي يظهر انها تسير في الطريق الخطأ.

أما كان الاجدر بالمدير، اذا كان يعتقد ان الطلاب ارتكبوا جرماً كبيراً يستحق العقاب الجماعي، ان يدعو اولياء امور التلاميذ الى اجتماع خاص، على افتراض ان جميع الطلاب قد اخطأوا، ويناقشهم في "جريرتهم" و يبحث معهم السبل الكفيلة بمعالجتها؛ الا يشكل ذلك دافعا لإعادة اللحمة بين اولياء الامور والاسرة التربوية ام ان تلك الاسرة بدورها سادرة في طريق مجهول لن يعنى بتطوير الطلاب ولا بمستقبلهم.

في الاخبار ان رئيس الوزراء حيدر العبادي، امر "بفتح تحقيق عاجل وسريع بشأن الفيديو"، كما قيل ان وزارة التربية "اعلنت عن ارسالها لجنة تحقيقية بحادثة ضرب التلاميذ، مرجحة أن تصل العقوبةُ بحق المدير الى الاحالة للمحاكم"، وهناك حديث عن اعفاء المدير من منصبه، ولكن ماذا عن المعلمين المتفرجين.. ألم يسهموا فيها، وكيف لم يعترض احد منهم حتى بمجرد الكلام تجاه عمل بربري لا يليق بالأسرة "التربوية"، ام اننا وصلنا الى نقطة اللاعودة في تكريس المقدمات لمجتمع متخلف تدام فيه سطوة العنف والتسلط، وينتشر فيه الرُهاب حتى من التعليم.