عَنتريات العرب ونجاحات إيران الفارسية / محمد وذاح             

هكذا هي السياسة إذاً، يكسب رِهانُها من يمتلك أسرار اللعبة ويجيد التخطيط لها؛ الجمهورية الإسلامية الإيرانية تنجح غالباً في جميع خططها الإستراتيجية سواء ما يتعلق بشأن برنامجها النووي أو تعزيز نفوذها في المنطقة العربية، فيما يبقى العرب بعنترياتهم، والتي لا تجني سوى الخذلان ومزيد من الانقسامات الطائفية والسياسية.

الجمهورية الإسلامية الفتية، تمكنت أمس، من قطف ثمار أول نجاحاتها من خلال الخطة التي وضعتها مُنذ عامين، بعد تولي الرئيس الإيراني حسن روحاني عام 2013 مقاليد الحكم في البلاد بدعم من تيار الإصلاح المعتدل، والذي جاء انتخابهُ لوضع تسوية في ما يتعلق بالملف النووي مع الغرب والولايات المتحدة خصوصاً، والسعي لإقامة علاقات مريحة مع دول الجوار الخليجي.

الإستراتيجية التي نجحتْ فيها طهران، جاءت واضحة في الخطاب الذي ألقاه روحاني منذ إعلان فوزه بانتخابات الرئاسة في (15 من حزيران/ يونيو 2013)، والذي حدد ملامح العلاقة بين إيران والولايات المتحدة والغرب عموما، فقد وضع روحاني شروطاً للحوار الذي يجب أن يتم "ضمن المساواة والاحترام المتبادل"، مع الإقرار بـ"الحقوق النووية" لإيران. وقال إن "زمن المطالب الغربية لوقف تخصيب اليورانيوم قد ولى". واعتبر أن هناك "سبلاً عديدة لإرساء الثقة مع الغرب، لأن إيران ستبدي مزيداً من الشفافية لتظهر أن أنشطتها تتم في إطار القوانين الدولية".

أما فيما يتعلق بالمنطقة العربية، فالجمهورية الإسلامية بقت تُراهنّ على ما تعيشه الدول العربية من انقسامات وتشظّي لتوسع دائرة نفوذها، الأنظمة العربية وتحديدا الخليجية منها ولِما تمتلكهُ من ضيّقٍ بالأُفق ومحدودية في التفكير ظَلَّ هاجس التخوين مسيطر عليها في معادلة التعامل مع اي معارضة سياسية تظهر والتي تطالب بالتغيّير أو الإصلاح، على إنها مدعومة من إيران، ولم تستطيع استيعاب على الأقل تلك الأصوات لسحب البساط من أي فرصة لطهران لتقديم الدعم وتعزيز تلك التهمة.

وحتى الرئيس السوري بشار الأسد، نجحت إيران في استمرارهِ وتدعيم نظامه لمدة خمس سنوات ليُذعن المجتمع الدولي في النهاية ويعيد النظر في دعمه لمشروع الإطاحة بالأسد، وما إعلان المبعوث الدولي لسوريا ستيفان دي ميستورا في شباط الماضي دليل على ذلك، والذي أكد أن "الرئيس بشار الأسد جزء من الحل للأزمة السورية وسوف نستمر في إجراء مناقشات مهمة معه".

بالمقابل ماذا صنعت الدول العربية وتحديدا الخليجية منها، من إشعال وتغذية العنف في سوريا، سوى إيجاد تنظيم إسلامي متطرف أستغل الدعم المالي واللوجستي من دول الخليج ليُعلن الحرب على الأنظمة العربية التي دعمته، وتأتي نيرانه من الشرق العربي وحتى مغربهِ، وما حادثة الهجوم على المتحف في تونس مؤخرا إلا إحدى تجليات هذا التنظيم.    

عودة إلى بدء، حسم توقيع الاتفاق النووي بين إيران ومجموعة 6+1، يطرح الكثير من الأسئلة، هل ستتعامل إيران بأنانية سياسية وتتخلى بحسب الاتفاق الأمريكي عن أصدقائها الاستراتيجيين على الأقل في العراق وسوريا واليمن ولبنان، مقابل بلورة طموحها النووي، أم مخيال طهران أوسع حتى من أفق الولايات المتحدة الأمريكية وكيف لا وهي من أجبرتها على الجلوس صاغرة على طاولة النقاش، هذه الأسئلة ستبقى الأيام المُقبلة هي الكفيلة في الإجابة عنها.