مغادرة الخانق الطائفي السبيل الوحيد للنجاة / صادق الازرقي    

برغم ان المشكلة الايرلندية كانت قد ارّقت العالم في عقود سابقة؛ فاننا لم نعد نسمع في هذه الايام عن أي صراعات مسلحة، او نزاعات طائفية بين سكان ايرلندا الشمالية، مثلما كان يحصل في تلك الاوقات؛ فيما يشير المختصون بالشؤون الايرلندية والبريطانية الى ان ذلك، يشكل عاملاً يرسخ السلام في ايرلندا الشمالية، لأن الاجيال الجديدة من الايرلنديين لم تعانِ من ويلات الحرب الأهلية ما يشكل دافعاً مضافاً الى الثقة في ترسيخ الامن والسلام.

اردنا من هذه المقدمة ان تكون مدخلاً للإشارة الى ما يحدث لدينا في العراق طيلة السنوات الماضية، من تصعيد للخطاب الطائفي، وإحداث التوترات في المجتمع؛ ومثلما حدث الامر في ايرلندا فانه تكرر لدينا انما بحدة اقوى، وكان السياسيون الاوروبيون قد اشاروا الى ان انبثاق الصراع في ايرلندا منذ اواخر ستينيات القرن الماضي، قد جرى استغلاله وتصعيده من قبل السياسيين الايرلنديين، لأغراض خاصة بهم، فعملوا على اذكاء التشدد الطائفي لدى المتطرفين من الجانبين، الذين انشأوا احزابهم على اساس اثني توزعت بين "الوحدويين" الذين يريدون البقاء جزءاً من المملكة المتحدة، و بين القوميين أو الجمهوريين الذين يرغبون في استقلال ايرلندا الشمالية والانضمام الى جمهورية ايرلندا، ومثل هذا الاستقطاب حصل ويحصل حتى الآن لدينا.

لقد تجاوز العراق بصعوبة، مرحلة ما سمي حينه الاقتتال الطائفي، اعوام 2006 ـ 2007 ، الذي اجج ناره سياسيون طائفيون و ذهب ضحيته آلاف الابرياء من ابناء الشعب العراقي؛ الا ان الخطاب الطائفي لم يزل يفعل فعله حتى الآن، الى الحد الذي يخفق السياسيون حتى عن التوصل الى موقف موحد ازاء التطورات الحاصلة على صعيد العمليات العسكرية في مواجهة تنظيم "داعش"؛ ومحاولة الاستهانة بالانتصارات العسكرية المتحققة، والتشكيك فيها لدوافع سياسية مبنية على اساس طائفي.

لقد جاء التحرك العسكري الذي اسهمت فيه قوات الجيش والشرطة والحشد الشعبي ومقاتلو المناطق المغتصبة، الممثلة بمسلحي العشائر؛ فرصة لإعادة الوحدة للخطاب السياسي باتجاه وطني موحد، همه الانسان العراقي، بصرف النظر عن عرقه او دينه وطائفته او توجهه الفكري والسياسي، ولقد شاهدنا تلاحماً واضحاً بين سكان المناطق التي حُررت وبين المقاتلين المحررين، تمثلت في اهازيج ورقصات مشتركة لم تغب عن وسائل الاعلام؛ وكالعادة لم ينتفع السياسيون من هذا التلاحم فانبرى اشخاص، كثير منهم يعيشون خارج العراق او خارج مناطقهم المغتصبة ـ وبعضهم لا يريد العودة الى منطقته ـ واخذوا يصرحون من منابر في دول الجوار، عما اسماه البعض "احتراق تكريت"، مهولين الاخبار المتعلقة ببعض اعمال النهب، التي قام بها اشخاص تعهدت الحكومة بملاحقتهم وانزال العقاب بهم.

ان المواقف المتشنجة المتخذة على اساس طائفي لن تنفع في بناء البلد، وحتى اذا اتفق السياسيون على منح صلاحيات واسعة للمحافظات، او تشكيل اقاليم و بناء "فيدراليات"، فمن الضروري ان يكون ذلك سنداً للعلاقات الاعتيادية بين ابناء الشعب المتنوعين وليس مفرقاً لهم، لقد حاولت المجموعات المتطرفة المسلحة، التي تدعي كل واحدة منها انها تدافع عن طائفتها، ان تحدث تمزيقاً غير قابل للرتق بين فئات الشعب العراقي، على وفق مواقف مسبقة حاولت ان تبنيها، على اساس الدين مرة، و الطائفة والعرق مرة اخرى، وتلك شؤون ليست في صلب اهتمامات الانسان المعاصر اليومية؛ بل ان اثارتها كعامل اختلاف بين القوميات والاديان والطوائف والشعوب، والمفاخرة بالعرق او الدين او الطائفة، يؤدي الى احداث صدع خطير في بنية المجتمع البشري فيما لو اخفقنا في علاجه، ولعل تجربة الشعوب الاخرى حري بها ان تكون رافداً لنا في مواجهة مثيري النعرات الطائفية والاثنية؛ فالشعب اللبناني مثلاً، رأيناه يتغلب على الخلافات في كل مرة يسعى فيها بعض الاطراف لإثارة نزاعات مسلحة، بتغليب الحس الوطني المشترك لدى ابناء الشعب اللبناني بشتى تنوعهم؛ الى الحد الذي دفع احزاباً كانت تصنف في خانة الاحزاب "المسيحية" المتطرفة، الى الانصهار في روح العمل الوطني، وادانة محاولات احياء الحرب الاهلية اللبنانية من جديد؛ فاثبت الشعب اللبناني وعيه ووحدته، ونريد ان نحقق مثل ذلك او افضل منه في العراق.

اننا الآن بإزاء وضع حرج وحاسم وبمواجهة خيارين فقط؛ اما ان ننجح في الامتحان الجديد المتعلق بمواجهة الارهاب والخروج من محنته، وانجاز الدولة المدنية التي يحيا فيها الناس بأمان ورخاء، واما البقاء في دوامة صراعات متواصلة لن نتمكن في ظلها من بناء البلد او تحقيق مطالب سكانه الساعين الى العيش الكريم. و مثلما عالج متنورو ايرلندا اشكالية الحرب الاهلية باتفاقات تاريخية مصيرية، حقنت دماء الاجيال الحالية من ابنائهم، وضمنت مستقبل الاجيال المقبلة، فاننا نطمح الى بتر سرطان الطائفية في العراق. لقد كان من ضمن الامور التي جرى تحقيقها في ايرلندا، ان جميع الفئات المسلحة قامت بالتخلي عن سلاحها، في حين نُفذ على الصعيد السياسي اصلاح شامل مبني على توافق حقيقي، وجرى تشكيل "لجنة مساواة" عليا مهمتها "القيام بالتحقق من عمليات التمييز الطائفي" بحسب تصريح لرئيستها السابقة، مبينة ان "عدد الشكاوى التي تصل الى اللجنة سنوياً استقر عند 2500 شكوى، أغلبها بشأن التمييز في العمل بما في ذلك فرص العمل الجديدة"، ومنوهة على ان تلك القضايا تتابع آنياً ويجري علاجها فوراً.

ان العراق، لن يبنى بالطائفية والطائفيين، فلكل الناس الحق في الحياة والعمل وحيازة الفرص المتساوية لتحقيق استقرارهم المعيشي وامنهم؛ تلك الفرص التي يجب ان يوفرها السياسيون ويسهم فيها الجميع، وبخلاف ذلك لن تقوم للعراق قائمة.