
هل يفلح "المتدينون" في بناء مؤسسة الحكم / صادق الازرقي
انتج التغيير في العراق عام 2003 تسارعاً كبيراً في تكون الائتلافات السياسية ونشوء الكيانات الجديدة بنحو غير اعتيادي؛ القى بظلاله من ثم على مجمل الوضع السياسي طيلة الاثنتي عشرة سنة الماضية، وبرغم ان الشعب العراقي اغتبط بإسقاط النظام المباد و بالتحول بعد معاناته الطويلة من الانظمة الدكتاتورية، لاسيما في السنوات الخمسة والعشرين الاخيرة قبل اسقاط النظام؛ فان العملية السياسية المستحدثة، انتجت وضعاً معقداً امتاز بالتسابق على نيل المقاعد النيابية، في ظل نظام انتخابي غير مكتمل وغير عادل، و في خضم التسابق على حيازة المناصب الحكومية بغياب البرامج السياسية الفاعلة، التي تعنى بهموم الناس والبلد وتسعى الى البحث عن علاجات لأوضاع الناس و حل مشكلاتهم؛ وفي الحقيقة فانه لم يبرز الى الساحة أي تيار موحِد للرأي العام، بل سعت النسبة الاعظم من السياسيين العراقيين الذين ظهروا الى الساحة منذ عام 2003 و حتى القوى القديمة التي كانت تمتلك تراثاً نضالياً معروفاً في مقاومة الانظمة القمعية، الى التفكير بمصالحها الضيقة، واستغلال فرصة الاثراء السريع الذي يؤمنه المنصب السياسي.
و مما زاد الطين بلة، انه في ظل هذا الصراع، حاولت بعض القوى والافراد اقحام الدين في السياسة بصورة غير نافعة، بل سعى البعض صراحة الى المجاهرة بالدعوة الى حكم رجال الدين والمؤسسات الدينية؛ ومن جراء ذلك برز التنافس والصراع الطائفي على الحكم؛ فكل يدعي احقيته بالسلطة ويحاول التهجم على الآخر، ولقد ساد هذا الخطاب حتى الآن مع محاولات خجولة من البعض لطرح خطاب حكم غير ديني او علماني مثلما يحلو للبعض ان يصفه، غير انه لم يزل خطاباً سياسياً غير مكتمل بدوره، بل ان بعض ممثليه يلجؤون الى التشنج في احيان كثيرة للتعبير عن مواقفهم، او طرح برامجهم التي يفترض ان تكون بديلاً واضحاً عن الوضع الحالي المدمر، كما ان تلك القوى لم تصمد امام الخطابات الطائفية والعرقية التي "تسيدت" الساحة العراقية طيلة السنوات الماضية.
فهل ان الدين مثلما يطرحه البعض، قادر على انتاج مؤسسة الحكم والسير بها بما يلبي طموحات الناس في البناء والحرية؟
امامنا تجارب شعوب ودول جربت الاعتماد على رجال الدين لبناء دولها، وفي الحقيقة فانها دفعت ثمن ذلك من دماء ابنائها وحياتهم.
يشير المؤرخون الى ان محاكم التفتيش او ما يطلقون عليه "الطغيان الديني" التي يعرفونها "سلطة قضائية كنسية استثنائية" أنشئت في أوائل القرن الثالث عشر بقرار من البابا جرينوار التاسع "شملت قراراتها جميع أنحاء العالم المسيحي، لقمع ما اسمته قوانينها جرائم البدع والردة"، وامتدت سطوتها نحو 400 سنة أي من القرن الثالث عشر إلى القرن السادس عشر، ويوضح المؤرخون ان "محكمة القضاء المدني الأوروبي قامت بمحاكمة 100 ألف امرأة، 50 ألف منهن جرى حرقهن، 25 ألف أحرقن في ألمانيا خلال القرن السادس عشر كنّ من أتباع مارتن لوثر. وكانت سلطة محاكم التفتيش على أتباع الكنيسة من المعمدين فقط، والذين كانوا يشكلون الغالبية من السكان، لكن كان ممكنًا لغير المسيحيين أيضًا أن يحاكموا بتهمة سب الدين"، مردفين، ان "استعمال وسائل التعذيب في حق من كان يُظن أنه من الهراطقة أمر مألوف كأسلوب بشع للعقاب من قطع أوصال وحرق الناس أحياء، فوصلت الأعداد التي تم تعذيبها ثلاثمئة ألف من البروتستانت ومئة ألف بلغاري وفرنسي وأرثوذكسي، كما تم تعذيب المسلمين المقيمين في بلاد الأندلس بعد سقوطها في قبضة المسيحيين".
ولم تبرأ الشعوب الاوروبية وتشرع في بناء حياتها، الا بعد ان انعتقت من سلطة الكنيسة وفصلت الدين عن السياسة، وكرست ذلك في الوقت الحالي بسن قوانين عصرية تحفل بالإنسان وهمومه، وتسعى الى تلبية متطلباته الحياتية، وكان اول اجراء اتخذته فصل السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية فلم تعد للكنيسة اليد الطولى التي كانت تحتوي كل تلك السلطات؛ فتشرع وتقاضي وتنفذ على هواها، وكانت لقراراتها وافعالها نتائج مدمرة على النوع البشري، كما ان الكنائس سعت الى السيطرة على الاملاك والاراضي وفي هذا يقول المؤرخ ،ول ديورانت "أصبحت الكنيسة أكبر ملاك الأراضي وأكبر السادة الإقطاعيين في أوروبا، فقد كان دير "فلدا" مثلا، يمتلك (15000) قصر".
وبالعودة الى وضعنا العراقي، الذي هو بأمس الحاجة الى البناء والاعمار والتوحد، نعتقد ان محاولة اقحام الدين بالسياسة هي اساءة بالغة الى كلا الامرين، فانها من جهة تفقد الدين قدسيته واعتباره عن طريق انشغاله واشغاله بأمور دنيوية وهو ما حاول المتدينون الاوائل وجميع متبني العقائد تجنبه، و آثروا الزهد وحياة التقشف، حتى لا يساء فهمهم وحتى يظل الدين والعقيدة على احترامهما لدى الناس، وهي من جهة اخرى اساءة الى السياسة، اذ اننا سنكون عندئذ بإزاء سياسة لا تحمل من العلم السياسي سوى اسمه، وتعتمد على ردود الافعال والتزمت وعدم تقبل الآخر والدعوة الى محاربته وافنائه، وهو ما يجري الآن في افضل تمثل له بمحاولة انشاء "دولة الخلافة" في بعض مناطق العراق والمآسي التي نتجت عنها؛ وبالنتيجة ارى ان الوضع الامثل للعراق هو ان ينأى رجال الدين لدينا عن الانغمار في العمل السياسي لسلبياته الكثيرة الواضحة، وان يظل الدين على وقاره ويمارس الناس عباداتهم بكل حرية في ظل قوانين عصرية، تنص على خدمة الناس وتحسين احوالهم وذلك الهدف وغيره يوحد الجميع بغض النظر عن اديانهم وطوائفهم في ظل حكومة غير دينية وغير طائفية.