اضراب سواق السيارات – 4 / ابراهيم الحريري                  

على حافة ألأضراب العام

كان الأضراب و مضاعفاته ينتشران بسرعة . و كان هذا مفهوما . و اذا كنت غير متأكد من مشاركة عمال النقل العام ( باصات الآمانة ) فانه من غير المستبعد انهم شاركو ا في اضرابات تضامنية رمزية . ( كنت اشرت في الحلقة السابقة ان قيادة الحزب و جهت بدعم الأضراب حيثما امكن , باضرابات تضامنية مساندة ) كما كان جرى تنظيم اضرابات تضامنية في بعض ورش السكك . و لا اتذكر اذا كانت امتدت الى تجمعات و و رش و مصانع اخرى . و الأكثر اثارة للانتباه ان الأضراب امتد أو اثّر على الأسواق التجارية , الشورجة خصوصا . و يمكن فهم ذلك لأرتباط هذه الآسواق بحركة نقل البضائع بين الريف و مراكز التسوّق بالجملة ( الشورجة و غيرها ) و لابد ان سواق النقل في هذه المجالات شاركوا  ,كما يمكن الأستنتاج , بهذا القدر  او ذاك , بحكم تأثّرهم بقرار زيادة اسعار البانزين , و بالتالي على علاوي تسويق الخضر و الفواكه  و الفواكه المحيطة ببغداد . و لا يستبعد دور المنظمة الحزبية في الأسواق التجارية في الحث على امتداد الآضراب الى الآ سواق التجارية .

 و من المعروف انه كان للحزب نفوذ داخل نقابة مالكي السيارات ( بيت الحمره ) و علآقتهم بالشخصية الشعبية ( الشقاوة سابقا ) الشهيد خليل ابو الهوب , الذي نظمت اجهزة أمن عبد المجيد جليل اغتياله على يد منحط كان يريد ان يحسب نفسه على الشقاوات , اعني جبار الكردي الذي انتظم . فيما بعد , في جهاز حنيّن و اغتيل على يديه . ( ان فهم هذه العلاقات و تداخلها  ,كان ( ضروريا للأستفادة منها عند الضرورة )  و على حد علمي فان حركة الأضرابات التضامية امتدت الى بعض الكليات او اقسام منها . ( ارجو ان يصحح لي الصديق باسم مشتاق و كان يشغل في ذلك الوقت موقعا قياديا في التنظيم الحزبي الطلابي ).

كان واضحا ان الأضراب يتحول الى ما يشبه الأضراب العام , ان لم يكن على عتبته

في هذا الوقت بالذات , توصل المركز القيادي للإضراب و بالتشاور مع قيادة الحزب بالتأكيد , و كان جزءا منها , و بالتشاور مع القيادة الميدانية ( آرا خاجادور , رئيس النقابة ماهود و الحريري و ربما جاز لي القول , بالحاح منها  ) ا نه آن الأوان لتنظيم فعالية تضامنية أعلى , اعني مظاهرة جماهيرية  و هذا ما حصل.

لا اتذكر في اي يوم تقرر ان تكون  المظاهرة  (يمكن الرجوع الى صحافة ذلك الوقت ) و من اين ستنطلق , لكنه كان ,  على الأغلب , اما من ساحة حافظ القاضي او ساحة الشهداء , اذ لا يعقل ان يتم اختيار  ساحة التحرير مكانا للأنطلاق بسبب بُعد المسافة بينها و بين وزارة الدفاع , مما كان يتيح لأجهزة القمع  ( الشرطة, الأنضباط العسكري , الأمن  و ما " شاكل ذلك " مثل افراد العصابات الذين كان بدا يجري  " تنظيمهم " لفضّ و تفريق ( قمع ) التظاهرات و التحشدات و ارهاب القوى الديمقراطية في انتخابات النقابات العمالية و النقابات المهنية.

كلفني الرفيق ابو العيس بكتابة تقرير عن التظاهرة  , ربما لأغراض التقييم و للنشر. 

أجمعَت اغلب التقديرات ان عدد المشاركين في المظاهرة قارب العشرة آلاف ان لم يزد,

لكنه ما كادت المظاهرة تصل الى وزارة الدفاع  ( و كان تقرر ان يتشكل وفد ’من قيادة النقابة يحمل مطالب سواق السيارا ت الى رئيس الوزاراء عبد الكريم قاسم ) حتى جوبهت بالرصاص الحي و اعتقل بعض اعضاء الوفد  , على ما اتذكر , و لست متأكدا الآن ما اذا كان رئيس النقابة , ماهود , بين من جرى اعتقالهم.

كان هذا هو  ألأضراب االعمالي الثاني الذي يجري استخدام الرصاص الحي لأنهائه . كان جرى ,  قبل ذلك باشهر  فض اضراب / اعتصام  عمال شركة السكاير الأهلية  بالرصاص الحي بعد ان فشلت خراطيم مياه المطافئ في اقتحام الأعتصام , و كنت شاهدا على ذلك من سطيحة دار مجاورة لمبنى المعمل , بتكليف من هيئة تحرير صحيفة "اتحاد الشعب " و كنت اعمل محررا للشؤون العمالية فيها , و لم تكن اغلقت بعد  , و قيادة الحزب ( كان ابو العيس حاضرا في مبنى الجريدة تلك الليلة )   و كان يتم الأتصال بيني و بين قيادة الأضراب برسائل تعكس و ضع  الأضراب من الداخل , تربط باحجار  تُرمى على السطيحة  ( معاجيل ) و لحسن الحظ عثرت على رفيق او اثنين من سكان المنطقة كنت اكلفهما بأيصال الرسائل و تقاريري الى مقر الجريدة في الشيخ عمر , علمت فيما بعد انها وصلت , كلها .

و هكذا انفض الأضراب ( بالأحرى جرى فضه بقوة الرصاص و لم يكن متوقعا غير ذلك , بسبب  اولا : تركيبة المضربين , أعني انتشارهم على مساحة واسعة ,  ثانيا , و هذا هو الأهم   لم يعد بأمكان الأضراب تحقيق اهدافه بقوته الذاتية .

كان قد تحول الى حدث وطني ,و كان  -اي هذا الحدث - على حافة التحول الى اضراب عام,  و لم يكن شأن قيادة الأضراب ان تتخذ قرارا بذلك  بل قيادة الحزب,  ويبدو ان  قيادة الحزب لم تكن مستعدة لأتخاذ قرار بذلك .

و هذا ما عرضتَهُ في التقرير عن الأضراب الذي قدمته في اول اجتماع للُجنة المشاريع الصغرى , بعد الآضراب . و للتاريخ يجب ان ادوّن ان الشهيد علي الوتار , عضو لجنة المشاريع الصغرى , انتقد , انتقدني و قيادة الأضراب و قيادة الحزب , لعزل لجنة المشاريع الصغرى عن كل ما يتعلق بالأضراب,  و هي المعنية به . تذرّعتُ بضيق الوقت الذي لم يكن يسمح بعقد الأجتماعات و النقاشات , و انه كان ينبغي اتخاذ قرار , و انا اتحمل مسؤولية اتخاذ هذا القرار الذي اقرني عليه الرفيق آرا.  

هل كان بامكاني ان اقول اننا  "هرّبنا " قرارنا حتى عن قيادة الحزب ؟  بالطبع لا ..

لكنه ينبغي , قبل الختام  , ازجاء التحية الى الرفيق الرائع ماهود و الى امه , ام ماهود , المرأة الطيبة الباسلة  التي اوحت لي بعض  "حكايات حمدان " بل اني كرست واحدة لها  و هي :" الله وياج " و الى ابو سلام , مسؤول منظمة السواق , و الى سائر الرفاق و الأصدقاء و عموم سواق السيارات الذين عرضوا صدورهم للرصاص.

ان ذكراكم و ذكرى العمال الذين عملت معهم و في مقدمهم عمال النسيج اليدوي الذين تعلمت  منهم  و منكم الكثير , ان صوركم و مآثر تضحياتكم و بسالتكم ,  تؤنس أيامي الأخيرة و انا بعيد عنكم , خصوصا في هذه الأيام ,  أيام احتفالكم بعيدكم المجيد : الأول من ايار.

                             ******

 

 الآن , و بعد مرور ما يزيد على ال 54 عاماً على الأضراب يتساءل المرء :

ما هي الدروس المستخلصة منه ؟

و هل كان يمكن, هل كان يجب تطويره ؟

لعلي ساتناول ذلك في حلقات قادمة , ربما ستعرج على بعض المنعطفات و المواقف  التي كنت شاهدا عليها . وكنت اتردد, او  ارى انه لم يحن الوقت بعد, او لم يكن لدي الوقت  للكتابة عنها

اما ألآن , اما ألآن ...

فقد ادرك شهرزاد الصباح و سكتت عن الكلام المباح ... و ربما غير المباح !

ابراهيم الحريري

هاملتون /كندا

 6 / 5 / 2015

---------------------------

*يلاحظ القارئ انني اعتمدت فيما كتبت على ذاكرتي وحدها و ارجو ان يعذرني اذا كان اكتشف بعضا من عدم الدقة . سأكون ممتنا لكل من يصحح او يضيف.