الذكرى السبعين لاستسلام ألمانيا النازية (ج 1)/ د. يوسف شيت

يعتبر سقوط ألمانيا النازية التي يمثّلها الرايخ الثالث في الحرب العالمية الثانية واستسلام قيادتها العسكرية أمام القيادة العسكرية السوفييتية وبحضور ممثلين عن القيادات العسكرية الأمريكية والبريطانية بدون قيد أو شرط في برلين يوم 8 أيار 1945 بعد انهيار قواها العسكرية على يد جيوش الحلفاء من الأحداث المهمة خلال القرن العشرين، ليفسح هذا السقوط المدوّي، المجال أمام تطور العالم من كافة النواحي، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والفكرية والنفسية بعد أن كانت ثروات الشعوب تنهب، وطاقاتها البشرية تستغل من قبل الدول الاستعمارية. ولكن هذا لا يعني بأنّ كافة شعوب العالم نالت حريتها وتخلّصّت من نير الامبريالية أو من الأنظمة الدكتاتورية التي ترعاها، أو  الاستغلال البشع للقوى البشرية وتساوى كلّ الناس بالحقوق والواجبات ويتمتع كلّ فرد بالإفصاح عمّا يمليه تفكيره بعيدا عن الكره والبغضاء الديني والقومي والعنصري والعقائدي، فلازالت الكثير من الشعوب حتى يومنا هذا تعاني ذات المشاكل رغم تعدد الأساليب كفرض الإملاءات على الحكومات الضعيفة من الخارج سواء برغبتها أو عدمها وتنفيذ أجندات قد تضرّ بمصلحة الشعب مقابل الحصول على امتيازات للطرف القوي. إنّ الأمم المتّحدة بعد تأسيسها في 24 أكتوبر 1945 صاغت وأقرّت الكثير من القوانين لصالح حرية الشعوب وتطورها وصيانة الحريات الفردية والمساواة بين الناس، بغض النظر عن الجنس أو العرق أو الدين أو القومية، ومحاربة العنصرية، خاصة "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان" لعام 1948، ولكن الكثير من الدول انتهكت وتنتهك هذه القوانين وبشكل سافر.

تؤكّد الماركسية بأنّه منذ تقسيم المجتمع البشري إلى طبقات، أي منذ ظهور نظام العبيد، بدأت معه الحروب والصراع بين الطبقات المستغلّة(بكسر الغين) والمستغلّة(بفتح الغين). وبتطور المجتمعات تطورت معها تقنيات الحروب وأشكالها ومسمّياتها، ويمكن إيجازها ب: حروب داخلية (أهلية) وخارجية، عدوانية ودفاعية، تحررية واستعمارية، حروب عنصرية ودينية ومذهبية وقومية. مهما تكن الحرب، فهي كارثة إنسانية لأنّها تسيل دماء البشر وتدمّر اقتصاد البلدان المتحاربة (ثرواتها الزراعية والحيوانية والصناعية ومدنها وقراها)، تدمّر حضارتها وثقافتها ونفسية مواطنيها، وتخلّف الأيتام والأرامل والمعوقين وتزداد معها أيديولوجية العنف والكره. وهناك فئات تستغل الحروب لزيادة أرباحها بالترويج لبضائعها من مواد غذائية وملبس ومسكن وصولا إلى الأسلحة، وهؤلاء هم تجّار الحروب. والحرب ليس فقط القتال، بل وتشمل الإعلام والإستخبارات والمعلومات اللوجستية ومدّ المحاربين بالمؤن والعتاد. وهذا يعطي صورة واضحة، كم من الأموال تهدر على الحروب، عدا إزهاق أرواح البشر. بالإضافة إلى ذلك، فإنّ الحرب تخلق أناسا يتعلّمون على مزاولة العنف بكلّ أشكاله ومحتفظين بالسلاح المناسب لهم ويتحولون إلى عصابات للسرقة والابتزاز، أي ما يسمّى بالجريمة المنظمّة. وتستغل هذه العصابات من قبل منظمات وأحزاب سياسية كدرع لها في الصراعات السياسية وخلق أوضاع غير طبيعية في بلدانها. في الحروب تدخل في الإنتاج عادة أحدث التقنيات المتوفرة لتطوير الأسلحة التي تنزل أفدح الأضرار بين البلدان المتحاربة. وبشكل عام، الحروب قسمين، حروب عادلة لردّ العدوان أو تحرير الأرض من المحتلّ للحفاظ على ثروات البلد، وحروب غير عادلة وعدوانية، تسبقها الدعاية والتضليل، لنهب الثروات وتغيير الخارطة الجيو- سياسية. يقول الضابط البروسي كارل كلاوزفيتس (1870- 1831) " الحرب هي امتداد للسياسة، ولكن بأسلوب آخر". هذا يعني عندما تفشل الأساليب الدبلوماسية، طالت أم قصرت، حول الامتيازات المتنازع عليها تتخذ السياسة منحى آخر وهو الحرب التي تكون بحاجة لفتيل (حجّة) في إشعالها. يقول لينين بأنّ "السياسة هي تعبير مكثّف عن الاقتصاد". الاقتصاد هو العمود الفقري للبلد وشريانه الرئيسي تستوجب، ليس حمايته فقط، بل طريقة إدارته بما يخدم مصلحة شعب ذلك البلد، أو حسب المصطلح الشائع، التوزيع العادل للثروة! (وهذا حديث آخر لسنا بصدد ذلك).

دار في أوروبا 150 نزاعا مسلّحا بعد قيام الثورة الفرنسية في 14 تمّوز 1789 وحتى انتهاء الحرب العالمية الثانية في أيار عام 1945 وفي حوالي 600 موقع. وكانت أبشع هذه النزاعات وأوسعها الحربين العالميتين الأولى والثانية.

الحرب العالمية الأولى، كانت شرارتها (حجّتها) اغتيال ولي عهد النمسا الأرشيدوق فرانز فيرناند وزوجته في 28 حزيران 1914في عاصمة صربيا. لكن عقيدة الهيمنة لدى الامبراطوريات الرأسمالية العظمى في ابتلاع ما تسع أفواههم من الدول الأضعف هي المحرّك الرئيسي للحرب. بعد شهر من المفاوضات ومحاولة نمسا فرض شروطها ورفضها من قبل صربيا أعلنت الأولى الحرب على صربيا في 28 تمّوز نفس العام. إلاّ أنّ التعبئة العسكرية من قبل الدول المتخاصمة كانت مستمرّة، لكنّها ازدادت بعد عملية الاغتيال وظهور فتيل لإشعال الحرب. وقد شاركت في هذه الحرب أكثر من خمسين دولة من أوروبا وآسيا وأفريقيا والولايات المتّحدة ذهب ضحيّتها ما يقارب 20 مليون إنسان، وكما سمّاها لينين " حرب لإعادة اقتسام العالم بين الدول الامبريالية". وظهرت بوادر انتهاء الحرب بعد قيام ثورة أكتوبر الاشتراكية في 7 تشرين الثاني 1917، وقررت حينها الحكومة الجديدة في روسيا بقيادة لينين عقد معاهدة صلح مع ألمانيا وسحب قواتها من جبهات القتال والمباشرة لإعادة ما خرّبته الحرب. انتهت العمليات العسكرية للحرب العالمية في 11 تشرين الثاني 1918 وأنهتها رسميا معاهدة فرساي المذلّة لألمانيا التي وقّعتها مع انكلترا وفرنسا في 28 حزيران 1919. وبعد قيام ثورة أكتوبر الاشتراكية مباشرة فضح لينين اتفاقية سايس بيكو الموقعّة بين المملكة المتحدة وفرنسا وبموافقة روسيا القيصرية في أيار 1916 لإعادة اقتسام مستعمرات الدولة العثمانية المسمّاة ب"الرجل المريض". وبعد فضح هذه الاتفاقية وصدور وعد بلفورد المشئوم في الثاني من تشرين الثاني 1917 أصدر وزير المستعمرات البريطاني آنذاك وينستون تشرشل ما سمي "بالأوراق البيضاء" عام 1922 لتبرير الاتفاقية وظرف الدموع على اليهود لتبرير وعد بلفورد لإقامة دولتهم على أرض فلسطين.

أمّا الحرب العالمية الثانية، تنوّعت أماكن وتواريخ شرارتها، لكن العقيدة القومية المتطرفة وظهور الفاشية في إيطاليا والنازية في ألمانيا كانتا وراء إشعالها بإتباعهما سياسة عدوانية توسعيّة، وصعود هاتين الظاهرتين إلى قمة السلطة جاء كنتيجة لأزمة الاقتصاد العالمي للرأسمالية التي دفعت الكثير من الدول لفرض الحماية الكمركية لمنتوجاتها والسيطرة على الأسواق الخارجية وضمّ الأراضي مما أدّى إلى حدوث مواجهات مسلّحة فيما بينها تطوّرت إلى حرب شاملة. ولم تستطع عصبة الأمم التي شكلتها الدول المتحاربة بعد الحرب العالمية الأولى حلّ أي مشكلة، أو إيقاف أي عدوان من دولة على أخرى، مع العلم كانت من أولويات العصبة حماية السلم العالمي، وفشلت عمليا في أداء مهامها وأهملت من قبل الدول المعتدية كاليابان وإيطاليا وألمانيا، بينما بريطانيا وفرنسا اكتفتا  بالتفرّج أو بموافقتهما المعلنة وغير المعلنة على العدوان. في أيلول 1931 احتلّت اليابان منشوريا وأسست دولة عميلة لها تحت اسم مانشوكو، وعندما اعترضت عصبة الأمم على ذلك انسحبت اليابان من العصبة، وكانت اليابان آنذاك تحت حكم شمولي قومي وعلى رأسه الإمبراطور هيروهيتو. في عام 1935 اتّفقت بريطانيا وفرنسا على إعادة إقليم سار إلى ألمانيا بالضدّ من معاهدة فرساي، أي بعد تولّي أدولف هتلر السلطة في ألمانيا عام 1933 وخروجه من عصبة الأمم. في أكتوبر نفس العام غزت إيطاليا أثيوبيا ولم تعترض أمريكا وبريطانيا وفرنسا على هذا الغزو، وعندما اعترضت عصبة الأمم عليه انسحبت إيطاليا من العصبة، وكان على رأس السلطة آنذاك مؤسس الفاشية الإيطالية بينيتو موسيليني الذي قام بتصفية كل من عارض حزبه. واستنتج هتلر من عدم اكتراث الدول الكبرى بما يقوم به وحليفه القادم موسيليني بان "الحلفاء ليسوا على استعداد لخوض الحرب"! وهذا ما أعطى هتلر زخما مضافا لتنفيذ مشاريعه العدوانية. بعد قيام الجمهورية الاسبانية  الثانية على اثر انتخابات برلمانية ديمقراطية عام 1936 فازت بها الجبهة الشعبية والتي تضمّ  الشيوعيين واللبراليين والاشتراكيين قام الجنرال فرانكو بالتعاون مع القوى القومية المتطرفة بانقلاب عسكري في تمّوز نفس العام وأشعل حربا أهلية تلقى فيها المساعدات المالية والعسكرية والإعلامية من هتلر وموسيليني. أمّا الإتحاد السوفييتي قدّم مساعدات عسكرية ومتطوعين، إلاّ أنّ بعد الأحداث عنه كان أحد العوائق لمساعدة الحكومة الشرعية الاسبانية. أخذت الحكومتان الفرنسية والبريطانية دور المتفرّج المحايد ظاهريا، لكن عمليا كانت لهما الرغبة في القضاء على الجمهورية الفتية. أمّا الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت طالب بسحب أسلحة الطرفين المتنازعين وإيقاف الحرب، ورغم ذلك واصلت الشركات الأمريكية وتحت أنظار حكومتهم، خاصة شركات جنرال موتور وفورد وفايرستون مدّ الانقلابيين بالسلاح والعتاد والعربات والإطارات، وقام مدير شركة مكسيكو أويل المدعو توركيلد ريبر المؤيّد للفاشية بتزويد قوّات الانقلابيين بالنفط  والتفاهم مع فرانكو بتسديد الثمن لاحقا كي لا يحرج قادة الفاشية الاسبانية في طريقة الحصول على الأموال، جاء ذلك رغم تهديد روزفلت بفرض العقوبات على هذه الشركات، ولكن بدون جدوى. وبالضدّ من ذلك كان قد شكلّ الأمريكيون المعادون للفاشية سريّة مقاتلة باسم " أبراهام لنكولن" من 2800 مقاتل أميركي مدعومة من الحزب الشيوعي الأمريكي للقتال ضدّ الفاشية ضمن الحملة الأممية لمحاربة الفاشيّة. انتهت الحرب الاسبانية بالقضاء على الحكومة الشرعية في نيسان 1939وقيام نظام فاشي في اسبانيا. هكذا كان الردّ الدولي ضعيفا تجاه مساندة الحكومة الشرعية في اسبانيا، وحينها صرّح الرئيس الأمريكي روزفلت بأنّ سياسته تجاه اسبانيا كانت غلطة فادحة سيدفع الجميع ثمنها، واعتبر الكثير من السياسيين بأنّ الحرب الأهلية الأسبانية بمثابة المعارك الأولى لحرب عالمية قادمة. في آذار 1936 استرجعت ألمانيا مقاطعة الراين المحايدة ومنزوعة السلاح الواقعة بين فرنسا وألمانيا بعد غزوها، بهذا الصدد قال هتلر:" كانت الساعات ال 48 التي تلت الغزو أكثر توترا في حياتي، حيث لم تكن الموارد العسكرية تناسب وضعنا على الإطلاق، ولو أنّ فرنسا هاجمت الراين لعدنا أدراجنا منهزمين". في تشرين الثاني 1936 عقدت ألمانيا واليابان معاهدة سمّيت ب"الحلف المناهض للكومنترن"أي الأممية الثالثة التي كان يترأسها جيورجي ديمتروف سكرتير الحزب الشيوعي البلغاري ومقرّها في موسكو، والحلف موجّه بشكل أساسي ضدّ الاتحاد السوفييتي. في تمّوز 1937 اجتاحت اليابان الصين والتي سمّيت بالحرب اليابانية الصينية الثانية. وفي آذار 1938 ضمّت ألمانيا النمسا بدون أية ردود فعل من بريطانيا وفرنسا، واعتبر هتلر ذلك برجوع الفرع إلى الأصل. في تمّوز نفس العام غزت اليابان منشوريا على حدود الاتحاد السوفييتي وهزّمت من قبل الجيش السوفييتي، ثم قامت في أيار 1939 بالعدوان على نهر غول ودارت معركة بين الطرفين في منطقة خالخين غول تلقّى فيها الجيش الياباني ضربة قاسية على يدّ الجيش الأحمر السوفييتي بقيادة الجنرال جوكوف. في أيلول عام 1938 ضمت ألمانيا إقليم السوديت الجيكي إليها حسب اتفاقية ميونيخ التي وقّعت في 30 أيلول 1938 بين رئيس وزراء بريطانيا جمبرلن والفرنسي دالاديه والألماني هتلر والايطالي موسيليني، وأطلق عليها الجيك والسلوفاك بإملاءات ميونيخ" لأنها تمّت بدون  حضورهم، ما هذه الثقة الكبيرة بهتلر؟. وفي آذار 1939 قام هتلر بغزو كامل الأراضي الجيكية وأمام أنظار الحكومتين البريطانية والفرنسية اللتين لم تقدما أي دعم لجيكوسلوفاكيا التي تربطها معاهدة الدفاع المشترك مع الحكومتين. وفي نفس العام غزت إيطاليا ألبانيا. في أيار 1940 ضمّت بريطانيا أيسلاندا وغرينلاند وجزر فارو الدانماركية إليها استباقا للغزو الألماني، وقام الاتحاد السوفييتي بتوقيع معاهدة مع استونيا وليتوانيا ولاتفيا في آب 1940تسمح بتواجد قوّاته فيها، ثمّ قام بضمّ الجزء الشرقي لبولونيا ( وهو الجزء الغربي لأوكرانيا و بيلاروسيا)  إليه لنفس السبب.

في الوقت الذي كانت الدول الكبرى تضمّ أو تغزو مقاطعات ودول ضعيفة أليها بشتى الأسباب، أخذ سعير التسليح في أوروبا يتصاعد، وبشكل ملفت في ألمانيا، ولم يبقى سوى انتظار شرارة الحرب التي أصبحت على الأبواب رغم المعاهدات التي وقّعت فيما بينها. فمعاهدة ميونيخ التي وافقت بموجبها بريطانيا وفرنسا على ضمّ ألمانيا لجزء من أراضي جيكوسلوفاكيا بررها رئيس وزراء بريطانيا تشمبرلن بأنّها المنفذ الوحيد لتجنب أوروبا الحرب!!! بينما اعتبرها ستالين عدم قدرة بريطانيا وفرنسا على حماية السلام في أوروبا، وهذا ما حدث. من جانب آخر، رفضت بريطانيا وفرنسا دعوة الاتحاد السوفييتي لتوقيع معاهدة تعاون فيما بينهم لتفادي الحرب في أوروبا آملتان باندلاعها بين ألمانيا والاتحاد السوفييتي مما يؤدّي إلى إضعاف القوّتين المتحاربتين لتحتفظا، أي بريطانيا وفرنسا، بقوّتهما العسكرية والاقتصادية وتتمكّنا من رسم سياسة جديدة لأوروبا والعالم وفق نظرتهما الاستعمارية إلى العالم. لذلك اضطر الاتحاد السوفييتي إلى توقيع معاهدة عدم الاعتداء مع ألمانيا في آب 1939 والتي سميّت بمعاهدة "مولوتوف- روبنتروب" ليتمكّن من الاستعداد للحرب القادمة مع ألمانيا النازيّة. وحينها قال وزير الخارجية السوفييتي مولوتوف،  بأنّه لم يندم أبدا على توقيعه على المعاهدة التي مكّنت الاتحاد السوفييتي من الاستعداد لحرب لا مناص منها بعد فشل محاولته التحالف مع فرنسا و بريطانيا. دور المعاهدة بالأساس كان لتأخير الصراع قدر الإمكان لتتيح للاتحاد السوفييتي فرصة تدارك تأخره التكنولوجي ورفع  قدرة الجيش السوفييتي ولخلق منطقة عازلة إلى الغرب لحماية المراكز السياسية والاقتصاديةعلى امتداد السنتين التي دام فيها الاتفاق، وسمح بذلك توفير قاعدة خلفية في سيبيريا بعيدة عن جبهة الصراع  لنقل المعامل والمصانع وإجلاء السكّان إليها. أمّا المفاوضات مع فنلندا والتي فشلت بسبب انحيازها  إلى ألمانيا كانت لتوفير الأراضي القريبة من مدينة لينينغراد لمنع محاصرتها من قبل ألمانيا النازية في حال وقوع الحرب معها.اعتبر تشرشل رفض بريطانيا وفرنسا  عقد معاهدة مع الاتحاد السوفييتي، وعقد الأخير معاهدة مع ألمانيا بأنه دليل فشل ما وصلت إليه السياسة الخارجية لبريطانيا وفرنسا خلال السنوات الأخيرة. لم تكن نوايا هتلر في احتلال أوروبا والعالم وإقامة الرايخ ذي 1000 سنة خافية على أحد، خاصة على الاتحاد السوفييتي وعلى بعض القادة الغربيين، لكن إدارة الدولة في انكلترا وفرنسا كانت متخلفة وذات نظرة قاصرة إلى الأوضاع في أوروبا والاعتداد بقوتهما الاقتصادية والعسكرية. لذلك فإنّ المعاهدات والاتفاقيات والتفاهمات تظهر عدم رغبة الدولتين الاستعماريتين الكبيرتين والمنتصرتين في الحرب العالمية الأولى في إضعاف ألمانيا النازية، بل ترغبان في رؤيتها قويّة، ولكن بدون أن تتعدّى قوتهما العسكرية والاقتصادية كي تتمكّن ألمانيا الجديدة من شنّ حرب ضدّ الاتحاد السوفييتي، بل كانتا ترغبان في إسكات هتلر وإبعاد شروره عنهما وترويضه لصالحهما، بمعنى آخر أنّ الديمقراطية الرأسمالية تلتقي مع الديكتاتوريات الفاشيّة في محاربة الشيوعية، وهذا ما لم يخفيه رؤساء الوزارات البريطانية، خاصة تشمبرلن وتشرشل والرئيس الأمريكي هاري ترومان ورؤساء فرنسا وغيرهم من قادة الدول الرأسمالية والذين مهّدوا للحرب الباردة. بهذا الخصوص يعتبر جيورجي ديمتروف الفاشية بأنّها ظاهرة سياسية جاءت خلال تطور الرأسمالية عشية الحرب العالمية الثانية وأكثر رجعية ودموية للرأس المال المالي وصعودها للسلطة نتيجة الأزمات الحادة للنظام الرأسمالي. في سبتمبر 1940 وقّعت كلّ من ألمانيا واليابان وإيطاليا اتفاقية شكلوا بموجبها "قوّات دول المحور"، وخلال ستة أشهر من توقيعها انضمّت إليهم المجر ورومانيا وسلوفاكيا وبلغاريا ويوغوسلافيا وكرواتيا. وبموجب الاتفاقية، على اليابان احترام والاعتراف برغبة ألمانية وإيطاليا في إنشاء نظام جديد في أوروبا. وكذلك احترام واعتراف ألمانيا وايطاليا برغبة اليابان بإنشاء نظام جديد في شرق آسيا ( أنظر رأي تشرشل عندما أعطى الحقّ لليابان في احتلال منشوريا خوفا منه على انتشار الشيوعية).

من الضروري إلقاء نظرة سريعة على نشاط وتفكير وأيديولوجية زعماء الدول التي خاضت الحرب :

آرثر تشمبرلن (1869- 1940) ، أحد زعماء حزب المحافظين البريطاني ورئيس وزراءها في الفترة أيار 1937  وأيار1940 وجاء بعد استقالة بلدوين . كان والده جوزيف تشمبرلن إحدى الشخصيات البريطانية التي ساهمت بتوسيع مستعمراتها، خاصة عندما كان وزيرا للمستعمرات من 1895- 1903، وكان عنصريا معروفا يؤمن بأهميّة العرق، وكان يرى ضرورة وضع السياسة الخارجية على أسس عرقية تستند إليها التحالفات الدولية، وكانت نظرته للعرق هرمية يتربّع العنصر الانكلو- ساكسوني (الانكليزي الأمريكي) قمة الهرم ثمّ تليهم أجناس أدنى منهم. كان تشمبرلن الابن أيضا، أحد زعماء حزب المحافظين.  تقلّد منصب وزير الصحة، وبعدها وزيرا للمالية. ادّعى تشمبرلن بأنّه يستطيع الحفاظ على السلام بمهادنة وإرضاء هتلر وموسيليني وترويضهما، حيث سكت ونظيره الفرنسي إدوارد دلادييه عن ضم هتلر لنمسا واجتياحه لكامل الأراضي الجيكوسلوفاكية بينما رفض الاثنان عقد معاهدة مع الاتحاد السوفييتي لتقوية الحلف المعادي للفاشية والنازية والكفّ عن إطلاق العنان لهتلر وموسيليني. وقد فشلت سياسته التي أدت إلى قيام الحرب العالمية الثانية عندما اجتاحت الجحافل النازية بولندا في الأول من أيلول 1939، وفي الثالث من أيلول أعلنت بريطانيا الحرب على ألمانيا ولكن بدون عمليات حربية مهمّة تذكر. وبعد فشل حملة بريطانيا لاحتلال النرويج واحتلالها من قبل ألمانيا ثار ضدّه البرلمان واستقال في أيار 1940 ليخلفه وينستون تشرشل.

وينستون تشرشل (1874- 1965)، رئيس وزراء المملكة المتحدة (10 أيار 1940- 26 تموز 1945) ومن الزعماء البارزين الذين لعبوا دورا هاما في الحرب. وهو من عائلة ارستقراطية من دوقات انكلترا، وظل متمسكا بتلك التقاليد ومحتفظا بعلاقات رسمية مع غيره.

 وكان من أبرز زعماء بريطانيا في النصف الأول من القرن الماضي. لم يكن تشرشل سياسيا فقط، بل كان كاتبا وأديبا وصحفيا وفنانا ومراسلا حربيا، وقد حاز على جائزة نوبل للآداب. تقلّد عدة مناصب مدنية وعسكرية في الجيش والبحرية البريطانية، وتقلّب بين حزب المحافظين والحزب اللبرالي أو مستقلا من أجل الفوز بمقعد في البلدية أو البرلمان. وتقلّد كذلك عدة مناصب وزارية منها، الحرب والمالية والداخلية والمستعمرات. كان شديد الميل لقمع التظاهرات والإضرابات العمالية، وساهم بشكل مباشر في قمعها عندما كان وزيرا للداخلية، فكان يعتبرها تهديدا لوجود الدولة ،إلى جانب دعوته لتعويض أصحاب الصناعات المتضررين من تلك الإضرابات. ونقلا عن صحيفة "الجازيت" البريطانية يقول "إما أن تقصم الدولة ظهر الإضراب أو يقصمها الإضراب"، مشيدا بذلك فاشية موسيليني بأنّها قدّمت خدمة للعالم أجمع وخلقت وسيلة لمحاربة القوى التخريبية ( المقصود إضرابات الشغيلة المطالبة بحقوقها). كما ادّعى تشرشل بأنّ "موسيليني سليل عباقرة الروم وأعظم صاحب قانون في العالم". كان تشرشل من الداعمين للتدخّل ضدّ روسيا السوفييتية، وبهذا الصدد كتب عدة مقالات تحريضية ضدّ ما أسماه بالخطر الشيوعي كون الشيوعية تهدد السلام العالمي! بينما أشاد بالفاشية الإيطالية والنازية الألمانية. وفي إحدى خطبه في مجلس العموم البريطاني عام 1937 قال"لن أقرّ بأنني  لو خيّرت بين الشيوعية والنازية، أنني سأختار الأول"، أي يريد القول بأنّ النازية والفاشية هي أيضا واجهة أخرى من أوجه النظام الرأسمالي. بهذا الصدد نشر تشرشل مقالا في كتابه "معاصرون عظماء" يقول فيه " إذا كان هتلر قد أجبر على اختيار الدكتاتورية والكراهية والعنف كوسيلة للسلطة، على التاريخ أن يذكره كرجل أعاد الشرف والطمأنينة لشعبه، وأعاد سكينته وأمنه، مما جعله شعبا صالحا ومفيدا وقويا يتصدّر أوروبا بأكملها". وهنا يبرر تشرشل  قيام الدكتاتورية الفاشية كنظام أجبر عليه هتلر وكأنّ الفاشيّة ليست من أهدافه وعقيدته التي كان تشرشل على بيّنة منها وربّما قرأها عدة مرّات في كتابه السيئ السمعة "كفاحي". واعترض تشرشل على عصبة الأمم التي عارضت احتلال اليابان لمنشوريا قائلا "أأمل بأننا في انكلترا أن ندرك مكانة اليابان كدولة لها تاريخ، وهي مهددة من قبل روسيا السوفييتية"! لم يرغب تشرشل بشكل عام طرح الحقيقة كما هي كون ألمانيا وإيطاليا واليابان دول معتدية تريد التوسّع اقتصاديا وجغرافيا وهي بحاجة إلى أسواق لتصريف بضائعها واستعباد الشعوب الأخرى، لأنّه، أي تشرشل ساهم في نفس الدور، خاصة عندما كان وزيرا للمستعمرات البريطانية في عشرينات القرن الماضي. وكان من مناصري مفهوم تفوّق العرق الأنكلو-سكسوني.

بغض النظر عن عقيدته البرجوازية والدفاع عنها بأسلوبه "الهجوم خير دفاع"، وخاصة في كتاباته المكرّسة للهجوم على الشيوعية، ووقوفه إلى جانب حكومته في محاولة القضاء على ثورة أكتوبر الاشتراكية منذ لحظة قيامها في روسيا، كان تشرشل خطيبا ذا أسلوب مقنع وسياسيا بارعا، وله القدرة على تغيير مواقفه السياسية وآراءه بسرعة. استغل تشرشل ضعف حكومة تشمبرلن لكيل الانتقادات لها ومن يقف معها من البرلمانيين بعد فشلها في احتلال خامات الحديد في مديني نارفيك النرويجية  وكيرونا السويدية في نيسان 1940 لقطع إمدادات الحديد الخام على ألمانيا النازية.وأصبح تشرشل من الداعين إلى تسليح بريطانيا وتطوير معداتها الحربية بكلّ أنواعها، البحرية والجويّة والبريّة والاستعداد لأي حرب محتملة، لأنّه كان يقيّم بشكل جيّد الأوضاع في أوروبا وأطماع هتلر، وفي هذا الصدد قال في خطابه في مجلس العموم البريطاني منتقدا معارضيه ورئيس الوزراء تشمبرلن "مٌنحتم خياري الحرب والعار، اخترتم العار وستلاقون الحرب" ( ويقصد معاهدة ميونيخ في أيلول 1938). كان الشعب البريطاني، كغيره من الشعوب، تواقا للسلام وكان يرغب أن تعقد حكومته معاهدة سلام مع ألمانيا النازية رغم إعلان بريطانيا الحرب عليها. لكن تشرشل كان يرى عكس ذلك، بأنّ هتلر لا يريد السلام، لذلك كانت خطاباته تحرّض الشعب على خوض غمار الحرب والدفاع عن الإمبراطورية البريطانية وكانت هذه الخطابات مصدر إلهام كبير للبريطانيين، وزادت شعبيته وأصبحت الناس تثق بكلامه، واستطاع تشرشل بذلك استغلال الظروف المهيأة للعمليات الحربية، مثل تطوير عمل المصانع العسكرية والتدريب في الجيش والبحرية والطيران واستلام المزيد من المساعدات العسكرية الأمريكية وبتسهيلات مالية واستغلال ثروات المستعمرات البريطانية وشعوبها لزجّها في الحرب. ومن كلماته التي ألهمت البريطانيين في الدفاع عن وطنهم "لا أستطيع أن أوعدكم إلاّ بالدم والدموع والبكاء والألم". لم يتوان تشرشل في التهجم على القيادة السوفييتية مستغلا بذلك الغزو النازي لأراضي الاتحاد السوفييتي ونعتها بالغباء والإهمال, مع العلم لم يكن لدى تشرشل أية فكرة عن البناء الحاصل هناك من الناحية الصناعية والزراعية والتصنيع العسكري والبدء من الصفر تحت قيادة الحزب الشيوعي الروسي  بعد الخراب الذي أحدثته مشاركة روسيا القيصرية في الحرب العالمية الأولى ثمّ الحرب الأهلية التي ساهمت فيها أربعة عشر دولة، ومن بينها بريطانيا في إمداد القوّات المعادية بالمال والسلاح, وكان تشرشل من الدعاة لهذه المساعدة التي أنهكت شعوب روسيا السوفييتية. وفي مذكّراته حول لقاءاته مع ستالين، يقول تشرشل، بأنّ رسائله إلى ستالين كانت تنمّ عن تفهمه لموقف السياسة الخارجية الروسية قبل الحرب، وصمم ستالين، كما ذكرت من قبل (والحديث لتشرشل)، على أنّ من مصلحة روسيا الإستراتيجية تقضي بقاء القوّات الألمانية في أبعد مكان ممكن غربا في بولونيا اغتناما للفرصة وتنفيذا للخطط التي رسمت للنهوض بروسيا وإعدادها عسكريا، ولم أهوّن من شأن دفاع ستالين هذا (المقصود هنا معاهدة مولوتوف- بنتروب، من الكاتب). وبعد انتهاء الحرب ألقى خطابا في 6 آب 1946 في مدينة فولتين بولاية ميسوري  الأمريكية دعا فيه إلى إقامة حلف عسكري من دول الانكلوسكسونية لمحاربة الشيوعية العالمية.

كتب الكثير عن شخصية تشرشل، وبشكل خاص منجزاته وقيادته للدولة خلال سنوات الحرب العالمية الثانية، وأنتجت أفلام عن سيرة حياته.

بعد تحرير الأراضي السوفييتية انظمّ الأنصار إلى الجيش الأحمر لمواصلة تحرير دول أوروبا من القطعان النازية. لم تقتصر حرب الأنصار على أراضي الاتحاد السوفييتي المحتلّة فقط، بل انتشرت في معظم الدول الأوروبية الواقعة تحت النير النازي والفاشي وشارك فيها حوالي 40 ألف نصير سوفييتي. استشهد الآلاف من الأنصار أثناء الصدام مع قوّات العدو أو إعدامهم أثناء وقوعهم بقبضته أو بسبب المرض والأحوال الجوية القاسية. ومن شهداء الأنصار: ماريا ميلنيكايتة (1923- 1943) من جمهورية لاتيفيا، جرحت في معركة غير متكافئة مع القوّات النازية، وأسّرت وعذّبت لمدة خمسة أيّام وأعدمت رميا بالرصاص بعد أن بصقت بوجه مستجوبها، منحت لقب "بطل الاتحاد السوفييتي". زويا كوسموديميانسكايا، وقعت في الأسر بيد الألمان، بصقت بوجه المستجوب ثمّ أعدمت شنقا، وكان قد صوّرها أحد الضباط الألمان، وبعد فترة قتل الضابط وبحوزته فيلم حول عملية إعدامها. منحت النصيرة البطلة لقب "بطل الاتحاد السوفييتي".

نيكولاي كوزنتسوف، (1911- 1944) وهو أوكراني، من أشهر المستطلعين في حركة الأنصار، يجيد الألمانية قراءة وكتابة، وعمل في إحدى مقرّات القيادات الألمانية وانتحل أسماء ألمانية. اغتال عدد من القيادات الألمانية في أوكرانيا. استشهد ومرافقه أثناء اشتباكهما مع ما يسمى بجيش تحرير أوكرانيا العميل للقوّات النازية. منح لقب "بطل الاتحاد السوفييتي". في عام 1990 قام القوميون النازيون الأوكرانيون في مدينة لفوف بهدم قبره. أصدر القائد الأنصاري الجنرال ديمتري مدفيديف الذي عمل كوزنتسوف تحت قيادته  قصة عن حياة هذا البطل وتمّ تصويرها في فيلم سينمائي " كان هذا في ضواحي روفنو".

 في الثامن من أيار 1945 أعلن في موسكو عن رفع التعتيم الليلي في المدينة ليتحوّل يوم 9 أيار، بعد توقيع القيادة النازية وثيقة الاستسلام، إلى يوم الفرح والبهجة التي عمّت قلوب، ليس فقط شعوب الاتحاد السوفييتي، بل وشعوب العالم أجمع. واتّخذت شعوب الدول المستعمرة (بفتح الميم) وشبه المستعمرة من هذا النصر منارا لتحررها. لكن الرأسمالية العالمية لم ترضى بالأوضاع التي تهدد أرباحها، فعمدت إلى إثارة الحرب الباردة بينها وبين الاتحاد السوفييتي، والتي بدأت عمليا قبل سقوط الرايخ، بإشعال الفتن والتدخّل في شؤون الدول الأخرى بشتى الأساليب، وخاصة العسكرية، وأصبح السلام العالمي مهددا بحرب تحرق الأخضر واليابس على الأرض بفعل السلاح النووي الذي جرّبته الولايات المتحدة في مدينتي هيروشيما وناغازاكي اليابانيتين. كان القصف النووي تهديدا مبطنا للاتحاد السوفييتي للبدء الفعلي للحرب الباردة التي انتهت بانتهاء التجربة الأولى للبناء الاشتراكي في منظومة الدول الاشتراكية بسبب أخطاء تراكمية استغلّت من قبل الطرف الآخر المدعوم بأموال هائلة وماكنة إعلامية غطّت نصفي الكرة الأرضية . ولكن لا محالة سيكون النصر دائما لما هو أفضل لحياة البشر على الأرض، خاصة أنّ شعوب المعمورة تتابع عن كثب ما تقوم به الدول " المنتصرة في الحرب الباردة" والمآسي التي تخلقها في الكثير من مناطق العالم، وخاصة في منطقة الشرق الأوسط، باستخدام مطاياها في المنطقة.