
"الطوب أحسن لو مكواري" / عادل عبد الزهرة شبيب
لمناسبة ثورة العشرين في الثلاثين من حزيران
معنى الاهزوجة هل المدفع الانجليزي أفضل من عصاي الخشبية ذات الرأس المطلي بالقار (المكوار)، وقد ردد ثوار العشرين عند قنطرة الرارنجية أهزوجة (الطوب أحسن لو مكواري) بعد أن غنموا مدفعا بريطانيا بواسطة المكوار كانت ثورة العشرين شعبية شاركت فيها فئات المجتمع من عمال وفلاحين وكسبة ورجال دين ومثقفين من كل انحاء العراق من الشمال الى الجنوب، وهي ثورة الفلاحين ضد الإقطاع حيث الصراع بينهما.
وفي هذه الثورة أدرك العراقيون أهمية مقاومة المحتلين الغزاة وأهمية التكاتف والتلاحم ووحدة الصفوف.
لقد كانت هناك أسباب عديدة في اندلاع الشرارة في الثلاثين من حزيران 1920 منها سياسية واجتماعية واقتصادية، ونود التركيز هنا على الجانب الاقتصادي في هذه الثورة، ان الجوع والظروف الاقتصادية والمعيشية وراء هذه الثورة وتأججها، اذ فرض المستعمرون البريطانيون الضرائب على الشعب العراقي والتي أثقلت كاهل الفقراء، وكان للضرائب الزراعية أثرها السلبي على الفلاحين وعلى الانتاج الزراعي عموما الذي تميز بانخفاضه وارتفاع اسعار المحاصيل الزراعية، وان لجوء الجيش البريطاني المحتل الى استهلاك الانتاج الحيواني والنباتي في ظل انخفاض الانتاج ادى الى الجوع وانتشار القحط وكان ذلك احد الاسباب التي ادت الى كره البريطانيين، الى جانب ذلك فقد اعتمد البريطانيون (السخرة) وهي العمل المجاني لاستغلال الأيدي العاملة في انجاز المشاريع العسكرية البريطانية.
لقد احتلت الزراعة في العراق مكان الصدارة في اقتصاد البلاد في حين كان الانتاج الصناعي ضئيلاً جدا، وقد ادت ادارة الدولة العثمانية السيئة للعراق الى تخلف الزراعة وهبوط الانتاج واهملت مساحات شاسعة من الاراضي الزراعية التي غزتها الرمال والاملاح الى جانب انهيار منظومة الري وحدوث الفيضانات التي الحقت بالعراق خسائر فادحة.
كانت معظم القبائل العراقية وبضمنهم البدو تشكو الفقر المدقع وتحول الكثير من البدو الى رعاة للماشية المملوكة من الشيخ وأغنياء القبيلة وبذلك اصبح افراد القبيلة خاضعين اقتصاديا إلى الشيخ الذي ازدادت موارده، أما الإنتاج الحرفي فقد تعرض إلى الخراب، وأدى خضوع العراق إلى سيطرة الدولة العثمانية والتي امتدت لأربعة قرون الى تكريس النظام الاقطاعي وعرقلة التجارة والصناعة والحرف والزراعة، واثقلت المواطنين بالضرائب المختلفة، وعند دخول الاستعمار البريطاني العراق عام 1914 واحتلاله له سعى الى تحويله الى منتج للمواد الاولية وجعله تابعا إلى الدول الرأسمالية والسوق التجارية العالمية، تطورت بشكل محدود بعض الفروع الانتاجية لتلبية احتياجات السوق المحلية كإنتاج الاقمشة ومواد البناء وصناعة السجاد والصباغة وتعبئة المنتجات الزراعية لأغراض التصدير واعمال الحدادة والسراجة والنقل وبذلك تم تأسيس عدد من المعامل الصغيرة في مختلف انحاء البلاد.
كانت اجور العمال منخفضة مع وجود عدد كبير من الفلاحين المعدمين المحرومين من الارض والمستعدين للاشتغال في اي عمل، اضافة الى استخدام الاطفال والنساء في المؤسسات الصناعية باجور اقل مما يتقاضاه العمال البالغون، كان الاستغلال بشعا للغاية في ظل انعدام السكن الانساني المناسب، الى جانب ذلك فقد وضع الرأسماليون الانجليز أيديهم على التجارة الخارجية وشبكة المواصلات في العراق وحولوا العراق الى سوق لتزويد الصناعة البريطانية بالمواد الخام، واسهمت احداث الحرب العالمية الاولى في زيادة تأزم الوضع الاقتصادي في العراق وفرض اعمال السخرة المرهقة على المواطنين وبإلزامهم عنوة على الخدمة في الجيش، وعمل الانجليز على خنق الصناعة الوطنية والحرف المحلية وتوطيد السيطرة الاقتصادية الكاملة لرأس المال البريطاني المحتكر، وسعى الى الحفاظ على نظام الانتاج الاقطاعي واستعباد الشعب العراقي، واشاعة البؤس والفاقة في اوساط جماهير الشغيلة واهدار حقوقها، ولم يكن بوسع السياسة البريطانية تلافي مقاومة الجماهير الشعبية في البلاد وفي مقدمتها الفلاحون والبدو الذين كانوا يمثلون القوة الرئيسة للحركة الوطنية التحررية حيث امتزج نضال الفلاحين ضد الاستبداد الاستعماري البريطاني بنضالهم ضد الاستغلال الإقطاعي.
أما الطبقة العاملة العراقية فكانت عندئذ قليلة عدديا وضعيفة سياسيا ولم تكن تملك اي نوع من التنظيم، وهي عاجزة عن القيام بدور قيادي مستقل وملحوظ مع انها أسهمت مساهمة فعالة في الحركة الوطنية التحررية ضد المستعمرين، كما لم يكن بوسع البرجوازية العراقية قيادة الحركة الوطنية التحررية لأنها كانت ضعيفة من الناحيتين الاقتصادية والسياسية.
لقد قاومت الجماهير الشعبية في العراق السياسة الاستعمارية للمحتلين منذ أيام العدوان البريطاني الأولى على العراق فامتنعت عن دفع الضرائب ورفضت بإصرار القيام بأعمال السخرة المفروضة عليها ولم تعترف بسلطة المحتلين وهاجمت الفصائل الوطنية الصغيرة الوحدات العسكرية البريطانية التي ارسلت لجمع الضرائب والاستيلاء على المواد الغذائية والمواشي، كما قامت الجماهير بانتفاضات عديدة ضد الانجليز في النجف والكوفة وابوصخير عام 1917 وانتفاضة عام 1918 في النجف وانتفاضة القبائل الكردية عام 1919 حول العمادية وانتفاضات رانية وراوندوز، ونتيجة لتصاعد الحركة المعادية للاستعمار في الدول المستعمرة فقد اضطر المستعمرون الى التخلي عن خططهم السابقة في إلحاق العراق بالمستعمرات البريطانية.
ان ثورة العشرين ثمرة النضال الطويل الذي خاضه الشعب العراقي ضد الاستعمار البريطاني، وكان للوضع الدولي في نهاية حزيران 1920 أثر كبير في تصعيد النضال التحرري لشعبنا حيث نجاح ثورة اكتوبر الاشتراكية وفضحها للمعاهدات الاستعمارية مثل سايكس- بيكو وغيرها، الى جانب اتساع الحركة المعادية للحرب والاستعمار في مختلف اوساط الشعب البريطاني المستاء من السياسة الاستعمارية لبلادهم.
وبالرغم من استعداد الجيش البريطاني عسكريا لخنق الحركة الوطنية في العراق، وبالرغم من تسليحه بأحدث الاسلحة الفتاكة، الا أنه لم يستطع التغلب على مقاومة الشعب العراقي الذي امتاز بروح نضالية عالية، وانطلقت شرارة الثورة في الثلاثين من حزيران عام 1920 على اثر قيام الضابط البريطاني في الرميثة باعتقال الشيخ شعلان الو الجون زعيم عشيرة الظوالم بسبب امتناعه عن دفع ضريبة الارض إلى السلطات الاستعمارية ومن ثم قيام افراد مسلحين من قبيلته باقتحام السجن واطلاق سراح الشيخ السجين وما لبثت الثورة ان عمت الرميثة برمتها وانتشارها الى المناطق الاخرى من العراق.
لقد استأثرت ثورة العراق باهتمام الرأي العام العالمي والقوى التقدمية، وتضمن البيان الذي اصدرته (الاممية الشيوعية) فصلا خاصا بالشعب العراقي حيث توجه الى فلاحي العراق قائلا: ((يا فلاحي بلاد ما بين النهرين ان الانجليز قد أعلنوا عن استقلال بلادكم، الا أنه يوجد ثمانون ألفا من جنود الاحتلال على أرضكم، يعملون فيكم سلبا وقتلا ويستبيحون اعراضكم..))، وقد ضاعف هذا النداء من ثقة الشعب العراقي بالنصر وزاد من تصميمه على المضي من أجل تحرير بلاده. *
واليوم نحن بأمس الحاجة إلى استلهام الدروس والعبر من ثورة العشرين في توحيد صفوفنا ونبذ الخلافات من اجل دحر داعش وتحرير كل الاراضي المحتلة من قبله واعادة النازحين الى ديارهم واستلهام المآثر البطولية للفلاحين وسكان المدن أثناء الثورة للاستمرار في النضال من اجل تحقيق التقدم الاقتصادي - الاجتماعي.
•عن كتاب ثورة العشرين لمؤلفه كوتلوف... ترجمة د.عبد الواحد كرم
شهربان "المقدادية" وثورة العشرين
عبد الكريم جعفر الكشفي
تحتل شهربان مكانة تجارية كبيرة كونها واقعة على طريق الحرير الرابط بين العراق وبلاد فارس والصين.. وتحتل مكانة تاريخية كبيرة كونها تحتضن قصرا كبيرا لاحدى محظيات اباطرة الفرس هي شهربانو وقد سميت المنطقة شهربان نسبة الى هذه المحظية في رواية.. وبها سجن تاريخي كبير يسمى الزندان لا تزال اثاره باقية وقد استخدم العرب لفظة زنزانة نسبة لقصر الزندان.. وعندما احتل العثمانيون العراق بعد الاحتلال الفارسي بنى احد الولاة الاتراك قصرا لاحدى محظياته تسمى ساطي ولا تزال احدى القرى تسمى بهذا الاسم نسبة للمحظية ايضا، لقد بدأت ثورة في ديالى يوم 1/اب/ 1920 عندما سيطر الشقي الوطني ابن عبدكه على سراي بعقوبة ورفع علم الثورة فوق البريد كما يقول ذلك سامي عبدالله خنده في شهادته الواردة في كتاب (من احداث بغداد وديالى اثناء ثورة العشرين) تحقيق وتعليق حسان علي ال بازركان ص110.. وبعد سيطرته شكل حكومة برئاسته وقتل كل المتعاونين مع البريطانيين.. وبعد يومين دخلت عشائر الكرخية وتميم والعزة لغرض الفرهود او ما يسمي بالجهجهون.. وبعد بضعة ايام وعند وصول نجدة للحامية البريطانية المتواجدة في العثمانية قرب جسر بعقوبة الحديدي.. استطاعوا السيطرة على بعقوبة وقتلوا عددا من اهاليها ومن ابرزهم الشخصية الوطنية المرحوم السيد حسين القاضي البهرزي امام جامع الشاهبندر فقد قتلوه في باب الجامع، وهذا المناضل كان من اقوى رجال الثورة والمحرضين عليها.. استطاع ابن عبدكه الافلات من قبضة البريطانيين والتوجه الى خرنابات ومنها الى شهربان وانضم الى العشائر المنتفضة والتي جمعها شاكر محمود وتضم كلا من عشائر الجبور وبني تميم والكرخية وغيرها من عشائر المنطقة... يقول الكاتب الكبير علي الوردي، كانت في شهربان حامية صغيرة من الشبانة يبلغ افرادها خمسة يسكنون في بنايه تركية تسمى السراي على طرف البلدة الشمالي، اما الجهاز الاداري فمتكون من ستة بريطانيين وعشرة هنود ومصري واحد اسمه اسكندر افندي.. لقد بدأ الهجوم على سراي شهربان يوم 14/اب/1920 بقيادة حميد الحسن التميمي ومجيد البكري العزاوي وابن عبدكه وقد هب اهل شهربان جميعا للمشاركة في الهجوم على القشلة مقر الحامية البريطانية واخذوا يطلقون النار عليها من كل جانب.. لم يستسلم البريطانيون بل صمدوا واخذوا يطلقون النار على الثوار.. اما الشبانة فقد تعاونوا مع البريطانيين في القتال اول الامر لكنهم لم يستطيعوا الصمود طويلا وهربوا الواحد تلو الآخر الى البساتين القريبة من القشلة، بعد بضع ساعات وعند الغسق استولى الثوار على القشلة ونهب الاهالي ما فيها واضرموا النار فيها وقد قتل من البريطانيين في هذه المعركة خمسة اما السادس فقد اصيب وتم ايداعه في بيت الشيخ مجيد سلمان مصطفى البكري العزاوي والد الكاتب المبدع سليمان البكري، وهو من اشهر وجوه شهربان واقدمها.. وبعد ان صفا الامر استسلم الهنود العشرة للثوار واودع ثمانية منهم في بيت مجيد البكري واودع الاثنان الاخران في بيت حسن اغا زنكنة وهو من رؤساء الاكراد سكن وعائلته شهربان من عام 1880 وكان عمره عند حدوث الثورة 75 سنة وكان شجاعا مهابا، وبعدها قطع الثوار سكة الحديد ونهبوا القطار النازل من كركوك واعتقلوا إثنين من العرب الراكبين في القطار ظنوا انهم جواسيس وهما حمدي الاعظمي والشيخ نوري الشيرواني وكانا موظفين في الاوقاف.. وقد تدخل الشيخ موسى المندلاوي رئيس فخد العكابات من عشيرة تميم واطلق سراحهما. وقد حاول بعض النفر الضال نهب بعض البيوت وخاصة بيوت اليهود فوقف بعض الكيسين ومنعوا نهبها، كان من بين البريطانيين الذين قتلوا في الهجوم القشلة مهندس يعمل مديرا لدائرة الري في شهربان اسمه بوكان وكانت معه زوجته المسز زتون، لقد استطاعت هذه المرأة بعد سقوط القشلة، بيد الثوار الهروب الى احدى البساتين المجاورة واختفت في بعض الانهار الجافة واثناء اختفائها شاهدها فتى بدوي من القبائل كان شابا قديد القامة جميلا اسمر اللون اسمه ابن عبدكه الشقي المشهور كما يسميه الدكتور علي الوردي في كتابه اللمحات الاجتماعية، لقد جلب هذا الشاب نظر زتوت واطمأنت له ورأت علائم النبل والكرم بادية عليه، لقد منع ابن عبدكه الثوار من الاعتداء على زتون وقادها مع بعض اعوانه الى بيت مجيد البكري العزاوي لكي تكون في مأمن من غارات واعتداء القبائل، بقيت زتون في بيت مجيد البكري ردحا من الزمن وكان البيت كما تقول "زتون" في مذكراتها مقسم الى قسمين احدهما مخصص للرجال والآخر للنساء ويسمى بيت الحريم وقد اودعت زتون فيه بينما اودع الهنود في قسم الرجال، وفي احد الايام زارها حميد الحسن التميمي وابدى لها عطفا واوصى مجيد البكري بتلبية طلباتها وكذلك زارها الشيخ حبيب الخيزران ونقل لها رسالة من الكابتن لويد الذي زاره في دلي عباس، وفي اواخر اب قرر حميد الحسن التميمي نقل زتون من بيت مجيد البكري الى مدرسة خالية من التلاميذ ووضع معها بعض الاسرى وكان ذلك للترفيه عنها وفعلا شعرت زتون بشيء من الراحة في هذا المكان ونالت مزيدا من العناية، وفي 9 ايلول حدث هرج ومرج واصبح الناس في عجالة من امرهم وقد تبين ان القوات البريطانية تصحبها مدافع وطائرات وخيول وقطار مفخخ تتجه صوب شهربان، لقد دخلت هذه القوات المحتلة بعد معارك قوية في نفس اليوم 9/ايلول/1920 وفعلت مافعلت واعتقلت اعدادا كبيرة من اهل المنطقة في مقدمتهم حميد الحسن التميمي ومجيد البكري، كما اعتقل قائد الحملة على شهربان كوننغام رجلا ظن انه قاتل زوج زتون وعندما تفحصته زتون لترى هل هو قاتل زوجها؟ قالت هذا الرجل لم يكن من قتلة زوجي في معركة الهجوم على القشلة غير ان التهم التي وجهت اليه كثيرة وفي النهاية تم قتله واضافت زتون ان قاتل زوجي هو من قبيلة بني تميم وهو حي يرزق، اما ابن عبدكه فقد استطاع الافلات من قبضة البريطانيين والاختفاء في قرية ضباب وفي وقت لاحق وبعد وشاية من احد العملاء مسك ابن عبدكه في هذه المنطقة، وبعد ان صفا الامر للمحتلين واعيد احتلال شهربان بالكامل جمع المحتلون شيوخ العشائر ووجهاءها ووقعوهم على مذكره وبالقوة تنص في بعض بنودها بان لا يقوموا باي اعمال عدائية ضد البريطانيين وان لا يساعدوا اعداء الحكومة وان يدفعوا جميع الديون التي بذمتهم وان يعيدوا جميع الممتلكات والذخائر التي تم نهبها وان يسلموا اسلحتهم للحكومة، وغيرها من الشروط التي بها نوع من الاذلال، ختاما لقد استمرت معركة تحرير شهربان واحتلالها ثانية اكثر من 20 يوما سطر فيها اهالي شهربان ملاحم لا تنسى وابلوا بلاء حسنا وكافحوا كفاح الابطال ولولا نفاد الذخيرة لكان هناك قول اخر، لقد عامل المحتلون البريطانيون الشهربانيين معاملة قاسية ورذيلة حتى ان جريدة العراق ذكرت في عددها 82 في 6/ 9/ 1920: "لقد كانت معاملة السلطات العسكرية البريطانية لعشائر ديالى معاملة قاسية سواء بالعقاب أو الاعدام وذلك لاهمية ديالى العسكرية لانها تربط العراق ببلاد فارس ولم تعامل عشائر الفرات الاوسط بمثل ذلك".