لا تثقوا بالولايات المتحدة (20) / حسين سرمك حسن     

البنك الدولي : الذراع الاقتصادية الشيطانية للولايات المتحدة في تدمير الشعوب وإبادتها

--------------------------------------------------------------

إعداد : حسين سرمك حسن

بغداد المحروسة - 2015

# مدخل متشائم :

-----------------

الإقتصاد الكوني هو مصطلح أورويللي – نسبة إلى "جورج أورويل" في روايته الشهيرة "1984" – حديث ، فهو على السطح يتمثل في التجارة ذات التمويل الآني ، والهواتف النقالة ، وماكدونالدز ، وستاربكس ، والعطلات المحجوز لها على الإنترنت ، وأسفل هذه القشرة البراقة ، فهي تعني عالماً يعيش غالبية البشر فيه دون أن يجروا اتصالا هاتفيا واحدا ، ويعيشون على ما هو اقل من دولارين في اليوم ، ويموت فيه ستة آلاف شخص يوميا من الإسهال ، نظرا لأن معظمهم لا تصلهم المياه النقية.

هناك نظام متقدم للنهب أجبر أكثر من تسعين دولة على تنفيذ برامج "التعديل الهيكلي" منذ الثمانينات، لتوسيع الفجوة القائمة بين الغنى والفقر على نحو غير مسبوق على الإطلاق من قبل ثلاثي واشنطن : البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والخزانة الأميركية ، الذي يهيمن حتى على أكثر الجوانب ضآلة في السياسات الحكومية بالدول النامية . ويستمد هؤلاء نفوذهم من الديون غير المسدّدة والتي تُجبر أكثر الدول فقراً على دفع مائة مليون دولار يوميا للمُقرضين الغربيين ، والنتيجة هي عالم تتحكم فيه نخبة لا يتجاوز عددها المليون في ثمانين في المائة من ثروة البشرية بأسرها (غارودي : الولايات المتحدة طليعة الإنحطاط).

# تمهيد :

---------

من بين الأدوات الرهيبة التي استغلتها الولايات المتحدة الأمريكية لتحقيق هدفها الشيطاني في تدمير الشعوب واستنزاف مقدّراتها وإبادتها بشريّاً – وهذا أمر سيصدم ذهن القارىء – هي منظمات تعمل تحت أغطية إنسانية وأنشطة اقتصادية "محايدة" ظاهرها التنمية والتطوير والإستثمار ولكن باطنها - بسبب الدور الشيطاني الأميركي – هو عمل حثيث لا يُصدّق للتخريب والتعطيل وإشاعة التخلّف ومصّ دماء الشعوب الفقيرة ، وتقديم العون – وهذا أعجب وأغرب – للشركات عابرة القومية للإستيلاء على ثروات هذه الشعوب لغرض مضاعفة ثروات الأثرياء وتضييق فرص الحياة أمام الفقراء بروح سادية شنيعة تعبّر عنى البنية السيكولوجية الأمريكية الناقمة على الحياة والإنسان . في مقدّمة هذ الأدوات : البنك الدولي وصندوق النقد الدولي . لنراجع أوّلا نبذة عن الأهداف التنموية الجميلة "المعلنة" لهاتين المؤسستين .

# نبذة عن البنك الدولي وصندوق النقد الدولي :

---------------------------------------------    

البنك الدولي هو أحد الوكالات المتخصصة في الأمم المتحدة التي تعنى بالتنمية. اتفق على إنشائه مع صندوق النقد الدولي في المؤتمر الذي دعت إليه هيئة الأمم المتحدة في بريتون وودز بالولايات المتحدة الأميركية في يوليو/تموز 1944، وقد حضر المؤتمر 44 دولة. بدأ البنك أعماله في يونيو/حزيران 1946. مجموعة البنك الدولي هي مجموعة مؤلفة من خمس منظمات عالمية (البنك الدولي للإنشاء والتعمير ، مؤسسة التنمية الدولية ، مؤسسة التمويل الدولي ، هيئة ضمان الاستثمار المتعدد الأطراف ، المركز الدولي لتسوية نزاعات الاستثمار) مسؤولة عن تمويل البلدان بغرض التطوير وتقليل الفاقة، بالإضافة إلى تشجيع وحماية الاستثمار العالمي. ويعمل في مقر البنك الدولي في واشنطن ثمانية آلاف موظف وحوالي ألفين في العمل الميداني. ويأتي ما يزيد على نصف العاملين في البنك من الأميركيتين والبقية من جميع أنحاء العالم. الهدف العام من البنك هو تشجيع استثمار رؤوس الأموال بغرض تعمير وتنمية الدول المنضمة إليه والتي تحتاج لمساعدته في إنشاء مشروعات ضخمة تكلف كثيرا وتساعد في الأجل الطويل على تنمية اقتصاد الدولة وبذلك تستطيع أن تواجه العجز الدائم في ميزان مدفوعاتها. ومساعدة البنك تكون إما بإقراضه الدول من أمواله الخاصة، أو بإصدار سندات قروض للاكتتاب الدولي.

وبشكل عام يقوم البنك بإقراض الحكومات مباشرة أو بتقديم الضمانات التي تحتاجها للاقتراض من دولة أخرى أو من السوق الدولية. لكن ممارسة البنك لأعماله أظهرت أنه كان متحيزا في إقراضه بعض الدول وعدم إقراضه دولا أخرى (مشروع السد العالي في مصر الذي لم يقدم فيه قروضاً لمصر) . ولكن البنك اليوم زاد من تركيزه على تخفيف حدة الفقر كهدف موسع لجميع أعماله. ويركز جهوده على تحقيق الأهداف الإنمائية للألفية التي تمت الموافقة عليها من جانب أعضاء الأمم المتحدة عام 2000، والتي تستهدف تحقيق تخفيف مستدام لحدة الفقر.

أمّا صندوق النقد الدولي فهو وكالة متخصصة من منظومة بريتون وودز تابعة للأمم المتحدة، أنشئ بموجب معاهدة دولية في عام 1945 للعمل على تعزيز سلامة الاقتصاد العالمي. ويقع مقر الصندوق في واشنطن العاصمة، ويديره أعضاؤه الذين يشملون جميع بلدان العالم تقريباً بعددهم البالغ 188 بلدا.

أمّا أهداف صندوق النقد الدولي فتتمثل فيما يلي:

1.              تشجيع التعاون الدولي في الميدان النقدي بواسطة هيئة دائمة تهيئ سبل التشاور والتآزر فيما يتعلق بالمشكلات النقدية الدولية.

2.              تيسير التوسع والنمو المتوازن في التجارة الدولية، وبالتالي الإسهام في تحقيق مستويات مرتفعة من العمالة والدخل الحقيقي والمحافظة عليها، وفي تنمية الموارد الإنتاجية لجميع البلدان الأعضاء، على أن يكون ذلك من الأهداف الأساسية لسياستها الاقتصادية.

3.              العمل على تحقيق الاستقرار في أسعار الصرف والمحافظة على ترتيبات صرف منتظمة بين البلدان الأعضاء، وتجنب التخفيض التنافسي في قيم العملات.

4.              المساعدة على إقامة نظام مدفوعات متعدد الأطراف فيما يتعلق بالمعاملات الجارية بين البلدان الأعضاء، وعلى إلغاء القيود المفروضة على عمليات الصرف والمعرقلة نمو التجارة العالمية.

5.              تدعيم الثقة لدى البلدان الأعضاء، متيحاً لها استخدام موارده العامة مؤقتاً بضمانات كافية، كي تتمكن من تصحيح الاختلالات في موازين مدفوعاتها دون اللجوء إلى إجراءات مضرة بالرخاء الوطني أو الدولي.

والآن ، أليست أهداف هاتين المنظمّتين : البنك الدولي وصندوق النقد الدولي – كما هو معلن سابقاً – هي أهداف إنسانية نبيلة على المستوى الإقتصادي والتنموي ؟

والجواب : نعم في الظاهر ، لكن أنظر ما الذي فعلته الأيدي الأميركية الشيطانية حين امتدت لتسيطر على هاتين المنظمتين وكيف حوّلتهما إلى أداتين للتدمير بل للقتل الإقتصادي وحتى الإبادة البشرية للشعوب الفقيرة ! (ويكيبيديا الموسوعة الحرّة) .

# وشهد شاهدٌ من أهلها ؛ اعترافات قرصان اقتصادي :

------------------------------------------------------

"جون بيركنز" هو واحدٌ من قراصنة الإقتصاد المنفذّين لسياسات البنك الدولي الذين تخصّصوا في تدمير الشعوب النامية بالخطط الإقتصادية ومشاريع التنمية الخبيثة ، " تابَ " أخيراً وقدّم اعترافاته في كتابين أثارا ضجة كبيرة هما :

-الإغتيال الإقتصادي للأمم : اعترافات قرصان اقتصاد أو رجل اقتصاد مأجور.

-التاريخ السرّي للإمبراطورية الأميريكية (رجال اقتصاد ماجورون ، عملاء، والحقيقة حول الفساد العالمي) .

من هذه الإعترافات اقتطع هذه المقاطع الفاضحة التي تفضح عمل هاتين الأداتين الشيطانيتين التي يقول فيها جون بيركنز :

(أنشيء البنك الدولي عام 1944 في مدينة بريتون وودز في ولاية نيوهامشر ، الولاية التي نشأتُ فيها . كان البنك مسؤولا عن إعادة بناء دول دمّرتها الحروب . فجأة أصبحت مهمة البنك مُرادفة لإثبات بأن النظام الراسمالي كان متفوّقاً على ذلك النظام المُطبّق في الإتحاد السوفيتي . ولتوسيع دوره هذا سعى موظّفوه لإقامة علاقات حميمية مع مؤيدي الراسمالية الرئيسييين ، وهي الشركات العالمية عابرة القومية . فتح هذا الباب لي ولرجال اقتصاد مأجورين آخرين لوضع خطط لبرامج ومشاريع وهمية أو غير عملية تُقدّر بتريليونات الدولارات . وجّهنا أموالا من البنك والمنظمات المماثة الأخرى إلى خطط بدت أنها تخدم الفقراء ، بينما هي في الحقيقة تخدم بشكل رئيسي بضعة من الأثرياء ، وفقاً لهذه الخطط كنّا نحدّد بلداً نامياً يزخر بالموارد الطبيعية التي تشتهيها شركاتنا (مثل النفط) ، نعمل على ترتيب قروض ضخمة لهذا البلد ، ومن ثم نوجّه أكثر الأموال إلى شركاتنا العاملة في مجال الهندسة والبناء ، ونعطي حصصاً من هذه الأموال إلى بضعة متعاونين في البلد النامي . برزت إلى الوجود مشاريع بنيوية مثل محطات توليد الطاقة الكهربائية ، ومطارات ، وكمجمّعات صناعية ، مع ذلك قلّما خدمت هذه المشاريع الفقراء الذين لم يكونوا موصولين بالشبكات الكهربائية ، لم يستخدموا مطارات أبداً . وكانوا مفتقرين للمهارات التي يتطلبها العمل في المجمعات الصناعية . عند نقطة معينة عدنا نحن "رجال الاقتصاد المأجورون" إلى البلد المدين نطالبه بدفع الديون بأيّة طريقة وبأيّ ثمن ؛ مثل نفط رخيص ، التصويت في الأمم المتحدة على قضايا حيوية وهامة ، أو تقديم جنود لدعم جنودنا في بعض الأماكن من العالم ، مثل العراق) .

(عندما ألقي كلماتي كنتُ غالباً أجد أنه من الضروري أن أذكّر الحضور بنقطة هامة تبدو واضحة بالنسبة لي لكن يُساء فهمها من الكثيرين : ذلك أن البنك الدولي هو في الحقيقة ليس بنكا دوليّاً على الإطلاق ؛ بل إنه بنك أمريكي وكذلك النسيب الأقرب له ، صندوق النقد الدولي . ثمانية من مدراء البنك الدولي الأربعة والعشرين يمثلون بلداناً بحد ذاتها هي : الولايات المتحدة ، اليابان ، ألمانيا ، فرنسا ، بريطانيا ، السعودية ، الصين ، وروسيا. بقيت البلدان البالغ عددها 184 يمثلها بقية المدراء الستة عشر . تتحكّم الولايات المتحدة بـ 17% تقريبا من الأصوات في صندوق النقد الدولي و16% في البنك الدولي ، وتأتي اليابان في المرتبة الثانية بنسبة 6% في صندوق النقد الدولي و8% في البنك الدولي ، تليها ألمانيا ، بريطانيا ، فرنسا ؛ كل واحدة من هذه الدول تملك من الأصوات حوالي 5% ، تتمتّع الولايات المتحدة بحق النقض "الفيتو" على القرارات الكبيرة ورئيسها – أي رئيس الولايات المتحدة الأمريكية – هو الذي يُعيّن رئيس البنك الدولي) .

 

# البنك الدولي .. مراجعة الأصول الأيديولوجية :

-----------------------------------------------

(في الأصل كان يعرف باسم البنك العالمي لإعادة الاعمار والنمو (B.I.R.D) وقد أنشئ هو الآخر بواسطة اتفاقات بريتون وودز، السبب الأول في إنشاء البنك الدولي هو المساعدة على إعادة بناء الدول الأعضاء وتشجيع نموها الاقتصادي. يندرج نشاطه إذاً في أفق أبعد مدى من نشاط صندوق النقد الدولي. إلا أن دوره في الواقع هو ذات الدور أي العمل بصبر - ولكن بتصميم - على ضمان الانتقال من الاقتصاد الوطني إلى الاقتصاد العالمي لسوق التبادل الحر الواقع تحت هيمنة واشنطن. وكما الحال بالنسبة لصندوق النقد الدولي فالرأسمال الذي تسدده الدول الأعضاء يتناسب مع الوزن الاقتصادي وعدد الأصوات الذي تتمتع به، إذاً الولايات المتحدة تمسك منطقياً بالأغلبية، أما القروض فكانت تعطى حسب المردودية المالية للمشاريع تحت سلطة التمويل وكذلك ضمن نظامها الاقتصادي الصارم. ومن أجل جعل عمل البنك الدولي أكثر مرونة ثم إنشاء الجمعية الدولية للتنمية والشركة المالية الدولية عام 1960. هذه التسميات كانت تخفي وراءها ضبابية كثيفة الغموض من المقرضين الذين كانوا يصنعون القوانين في الدول التي تُقدّم لها الأموال في منأى من كل إشراف ديموقراطي.

وعمل كل من صندوق النقد الدولي F.M.I والبنك الدولي B.M على الصعيد الاقتصادي على وضع الأساس الأيديولوجي الثنائي القطب الذي يخفي وراءه الفلسفة السياسية الأمريكية. فمهمة الولايات المتحدة هي بسط الديمقراطية الليبرالية في أرجاء المعمورة، وأن تتربع على رأسها، لذا كان يتوجب على صندوق النقد الدولي والبنك الدولي إخضاع الأمم للنموذج الاقتصادي والسياسي الأمريكي. فالمقومتان الأساسيتان اللتان شكلتا الأيديولوجية الأمريكية أي الدين والاقتصاد وجدتا في أرثوذكسية هاتين المؤسستين. إن المدينة الفاضلة تحت لواء الولايات المتحدة سوف تكون التطبيق المادي للوصول إلى السيطرة على كل الكون لبرجوازية التجارة العالمية ذات الميل الليبرالي والتي وضعت مصيرها في يد الجمهورية الأمريكية . وفي الوقت ذاته هذه المدينة ستكون الدليل المادي على اكتمال الإرادة الإلهية التي أوكلت لهذه الجمهورية ، وعن طريق إزالة الآخرين ، مهمة إقامة الدولة الوحيدة الناتجة عن ترتيب إرادة الله. (كتاب : أمريكا المستبدة)

# العقيدة الذرائعية «الدوغماتية» والأرثوذكسية :

------------------------------------------------

(يظهر المفهوم الأيديولوجي لعمل صندوق النقد الدولي F.M.I والبنك الدولي B.M ونظام النقد العالمي برمته عبر ذرائعية الأنظمة العقائدية الليبرالية التي يستوحى منها عمله، والذي يُترجَم بشكل خارج كل الشروط بتحويل المبررات الكاملة إلى سلسلة من التأكيدات الأحادية المعنى دون برهان وبشكل مطلق وقابلة للتطبيق الدولي. أما غايته فتكمن في شكل من التبادل الحر بوصفه نظام لا يمكن الالتفاف عليه. فإن الشروط الضرورية لإنجاز الآثار المرتقبة من قبل نظرية التبادل الدولي لا يمكن أن نجدها في الواقع ، ولكنها تعود أكثر إلى الواقع التجريبي في المختبر أكثر من كونها موجودة في تطبيقات محسوسة. هذه الظاهرة إذاً هي مجهولة. أبداً لم يتم إنجاز الواقع حيث كان من المفروض أن يسير كل شيء في التجارة الدولية دون عقبات، بل إن هذا الواقع لم يدخل حيّز الممكن ، لأنه - وإن كان صحيحاً أن الدول الأوروبية تحاول أن تخضع لمتطلبات المعاهدات التجارية - إلا أن دولاً كاليابان وكوريا أو الولايات المتحدة مثلاً تستمر بممارسة سياسة وقائية خفيَّة بشكل أو آخر في حين تطالب الآخرين بالشفافية. إن ذرائعية صندوق النقد الدولي والبنك الدولي تظهران جلياً في نموذجين من التصرف يكشف عنهما بشكل فاضح الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد "موريس ألّيه -Maurice Allais" :

أولاً ، يبدو هذا في عدم واقعية النماذج المُقترحة كقواعد لكل أنظمة الاقتصاد الوطنية. إذ تُشكل المصوّرات والمعادلات الرياضية المُفترض أن تضمن المتانة العلمية للطرح في الحقيقة متانة وهمية لا يمكننا عند مناقشتها إلّا أن نستنتج عدم جدارتها. وتظهر الذرائعية ، ثانياً ، في تناقضات المنهج وعَرْضِه ، وتلغي الاستنتاجات والنتائج التي أُعدّت بواسطة التحليلات المختلفة غالباً نفسها أو تتناقض. إن إرادة تعميم النموذج الليبرالي على العالم كلّه يقود إلى شكل من أشكال الاختصار والتبسيط والى قبول إرشادات قائمة على استنتاجات نظرية صرفة أو مُصطنعة. وكما يشير برنار ماريس فإن اللغة التي تستخدمها هاتان المؤسستان الكبيرتان تنتمي إلى لغة مُبهمة والى لغة ذات رنين علمي هدفه الحصول على الاعتراف بمراسيمهم وإعطائها السلطة التي تُعطى تقليدياً إلى اللغة التكنولوجية العلمية. فالوسيلة الأيديولوجية التي عالجت هذه المسائل لم تكن مختلفة في العمق عن الأسلوب الذي يميّز الماركسية بالنتيجة. فالمطلق الذي هو الخطة - والذي يجب أن تكون كل المتوقعات متطابقة معها - له أثره في السوق الذي هو المنقذ الإلهي لكل نظام ليبرالي والذي يجب أن يخضع لمتطلباته الجميع. هذا الخضوع لقوانين السوق قادر على جعل جهاز المؤسستين والمتعاونين معها بطرح الفرضيات المُرعبة. لهذا كان البنك الدولي في تقريره عام 1991 الذي قدمه "لورانس سومرز" الاقتصادي الأمريكي الذي أصبح فيما بعد عضواً في إدارة الرئيس كلينتون، وهو خريج هارفرد ، قد تمنّى تغيير أمكنة المصانع التي تسبّب التلوث من الشمال باتجاه بلاد الجنوب ذات التلوث الأقل بسبب مساحة أراضيها وقلّة كثافة سكانها. من بين مبرّرات سومرز أن السرطانات التي يسبّبها التلوّث نتيجة المخلّفات السامّة الصناعية لن يكون لها إلا تأثيرٌ خفيفٌ في البلدان النامية ، لأن الأمل في الحياة لسكان العالم الثالث هو أقصر من المعدّل الموجود في الولايات المتحدة) (أمريكا المستبدة) .

# سياسة البنك الدولي الليبرالية ؛ ونظرية الثعلب الحر في بيت الدجاج الحرّ :

-----------------------------------------------------------

حسب الفيلسوف الراحل "روجيه غارودي" فإنّ سياسات البنك الدولي القائمة على معطيات الليبرالية المتوحّشة تسير وفق نظرية "الثعلب الحر في بيت الدجاج الحرّ" . ولن يكون باستطاعتنا فهم ليبرالية التبادل الحر دون التعامل معه كظاهرة إيمانية صافية غير قابلة للنقاش من قبل  أنصاره النتيجة التي يعطيها لأنه مثلاً حسب "بيتر مرتان" رئيس تحرير الطبعة الدولية للفاينانشال تايمز يُنتج رابحين أكثر من الخاسرين. لذا يعمل على نموّ اللّامساواة في كل مكان. وحسب تقرير صدر مؤخراً عن برنامج الأمم المتحدة للتنمية، فإن عدد الدول الفقيرة في تزايد. وفيما يخص الأُجَراء الذين لا تتوقف أجورهم عن الانخفاض برغم أنّهم يعملون أكثر فأكثر ، فقد اخترع علماء الاجتماع لهم تسمية «العاملين الفقراء». في مقال آخر تحت عنوان "الليبرالية تشجّع الديمقراطية" تبرهن التجربة العكس وبأن المسافة بين المراكز الحقيقة للقرار على المستوى الدولي (الاجتماعات التحضيرية للدول السبع الكبرى ولمنظمة التجارة الدولية ولقاءات دايفوس والبنوك المركزية والمجموعات المالية والصناعية الكبرى الوطنية والمتعددة الجنسيات والممولين من خلال البنك الدولي وصندوق النقد الدولي …إلخ) ، وأولئك الذين تطالهم هذه القرارات الخفيّة لم تكن أبداً بهذا الاتساع إلى درجة لم يعد أمام المنتخبين والحكومات إلا مهمة الموافقة على القرارات المُتخذة في مكان آخر بعيداً عن المجالس السياسية.

أمّا الأداة الذرائعية الثالثة فهي انعدام القواعد والحواجز والمخاوف السياسية والاجتماعية لصالح التبادل. وحدها هي الدول التي تخلّصت من تلك العقبات تستطيع أن تزدهر بشكل حقيقي. في الواقع لم تستطع كوريا الجنوبية وتايوان والصين وسنغافورة بناء قوتها الاقتصادية إلا بفضل نظام حماية لم تتأخر الولايات المتحدة واليابان، أيضاً عن الاعتماد عليه.

وبالاعتماد على قانون كهذا يهدف التأثير المُعمّق لصندوق النقد الدولي وللبنك الدولي إلى بسط وفرض نموذجه الاقتصادي الوحيد الذي تستخدمه الولايات المتحدة على كل العالم بذكاء. وكما يذكر «آلان كوته» فإن تفكك الاتحاد السوفيتي ودخول الصين بإرادتها في السوق الدولية سمحتا لهذا النموذج أن يصبح نموذجاً لا يمكن التراجع عنه فعلياً. وعلى المدى البعيد الهدف هو إذاً توحيد العالم وتخليصه من كل أثار للثقافة الأصلية المستندة إلى التاريخ ، وكذلك العمل على توحيد الأذواق والتقاليد واللباس والمواقف الفكرية وإبدالها بالتصرفات ذات الشكل الأمريكي.

لقد بدأ فعلاً العمل على تفتيت الكيانات القومية ، وكان دور البنك الدولي وصندوق النقد الدولي أساسياً في تكيّف العالم الثالث من خلال هدفه بسَوْقِها نحو اقتصاد السوق وبحَشْرِها في قالب التقسيم الدولي للعمل. ولم يثن هاتين المؤسستين عن قناعتهما ، الفشلُ المتكرّرُ لسياستهما ، والفساد والعجز الذي ميّز نشاطهما . الشيء نفسه لدى تنوُّع التنمية التي تتبع لهما والتي تجاوزتها بحجم أعمالها. وإذا كانت المساعدة المالية للقطاع العام محسوبة وخاضعة للتطبيق من قبل المستفيدين بأسلوب صارم ، فإنّ المساعدة للقطاع الخاص أخذت تحظى بالأفضلية خلال السنوات المتتابعة. فالربح الذي يشكّل المقياس القطعي لكل اقتصاد ليبرالي زال أثرُه بشكل جليّ تاركاً في الظل الهدف الرسمي ، وهو مساعدة الدول الطالبة لتحسين ظروف حياة أبناء شعبها. لقد بلغت الأرباح المحسومة من قبل المموّلين حوالي (150) مليار دولار بين 1983 - 1990 جُمعت من دول الجنوب باتجاه الشمال ، وأضمحل في الوقت ذاته استقلال الجنوب (أمريكا المستبدة) .

# آلية السلب، المجرّبة .. "مخطّطات القهر" :

--------------------------------------------

تتطابق الأساليب المُستخدمة بواسطة صندوق النقد الدولي والبنك الدولي بخطوطها العريضة مع الصورة التالية :

عندما تعمل دولة في طور النمو - لسبب أو آخر - على الحصول على مساعدة من المؤسسات الدولية ، وتجد نفسها مُضطرة لمساعدة مالية ، يتم إرسال خبراء لها يمثلون المصالح الضبابية للمُمولّين الذين ينحصر همّهم الأساسي بجعل التعاون المستقبلي مطابقاً للصرامة الأيديولوجية. ورغم أن المشاريع المُعدّة تختلف بتفاصيلها حسب بعض العوائق الخاصة إلّا أنها تقدّم هيكلية عامة مطابقة لشرط القبول. عندها تقوم «مخططات القهر» بفرض عدد من المراحل الضرورية قبل منح القرض :

1-   تحرير الأسعار.

2-   تخفيض العملة الوطنية.

3-   تجميد بل تخفيض الرواتب.

4-   قطع في المصروفات العامة من أجل تخفيض العجز الخارجي.

5-   خصخصة الشركات العامة الكبرى (مصارف – شركات النقل – المؤسسات الصناعية).

6-   فتح الحدود أمام المنافسة الدولية.

7-   التخصّص في عدد محدود في الإنتاج المعد للتصدير.

لهذه المتطلبات نتائج مشابهة في كل مكان :

-         فتحرير الأسعار يؤدي لصعودها جاعلة السلع الأكثر ضرورة (الغذاء والدواء مثلاً) صعبة المنال أمام جزء كبير من عامّة الشعب وتسمح بإثراء أقلية منه.

-         أمّا تخفيض العملة بهدف ضرب الصادرات فيؤدي إلى ارتفاع أسعار السلع المستوردة التي غالباً ما تكون ضرورية لحياة البلاد بتأثير بسيط على الصادرات لأنّ معدلها بالنسبة للمجموع العام يبقى متواضعاً .

-         تجميد أو تخفيض الرواتب يزيد في الإفلاس الناتج عن تحرير الأسعار ويؤدي إلى ارتفاع البؤس وتهميش الطبقات الاجتماعية الدنيا المُنهكة أساساً والضعيفة بسبب عدم كفاءتها أو بسبب فساد عدد من الحكومات المحلية.

-         أما النتائج الأكثر كارثية – نحو تنظيم اجتماعي ثنائي القطب - فهي تأتي من تخفيض الموازنة العامة. إذ تقوم الطبقات الميسورة بتعويض العجز المتنامي للنظام (تعليم ، صحة ، سكن) عن طريق توجّهها إلى القطاع الخاص : مدارس ومستشفيات مُجهّزة بشكل جيّد ، قصور فاخرة ، مخازن ضخمة . معظم فئات الشعب ترى نفسها مجبورة على التأقلم مع ما يقدم لها من مؤسسات عاجزة : أبنية مدرسية تالفة وغير صحية ، وخدمة طبّية سيّئة في المستشفيات التي ينقصها كل شيء. كما تصبح مراكز المدن خاوية في حين تكثر الملاجئ البالية بجانب الأماكن العمرانية على هامش التجمعات السكنية.

-         أما خصخصة شركات القطاع العام الكبرى فإنها تُجرّد الدول من وسائل السياسة الاقتصادية الحقيقية، تحرم خصخصةُ البنوك الحكوماتِ من السيطرة على سياستها النقدية. إذاً يحرمها من جزء مهم من سلطة القرار السياسي (وفي أوروبا إن استقلال البنوك المركزية المُقرّر في معاهدة ماسترخت ومن ثم المرحلة الحاسمة في عام 2002 – العملة المُوحّدة - سوف تضع حداً نهائياً لوجود دول القوميات بتذويب الهويات الوطنية في البوتقة الأمريكية الشكل) . ويؤمّن امتصاص الساحة الصناعية من قبل القطاع الخاص انصياع أرباب العمل وخضوع الحكومات لمصالح الرأسمالية العالمية. أما بالنسبة لخصخصة الشركات الكبرى لإنتاج المواد الأولية (معادن، بترول، منتجات زراعية) ، فهي تعمل على سقوط المجموعة الكاملة للثروة القومية في جعبة المجموعات الأجنبية حيث المجموعات الأمريكية هي المسيطرة (أصبحت الولايات المتحدة سيّدة الموقف في معظم قطاعات الإنتاج في مجالات مختلفة بهذه الطريقة كالموز والزيوت والذرة والقطن …إلخ . ونُذكّر هنا أن الاتفاق الأخير للغات GATT ذهب حد إعطائها مِلكِيّة البذور والحبوب التي كانت إلى هذا الحين ملكاً للفلاحين المحليين الذين ينتجونها وينجحون بتوفير قسم منها من عام إلى آخر).

-         وتُسهّل إزالة الحدود أمام دخول البضائع تدفُّق المنتجات اليدوية الكاسدة في الأسواق الأمريكية (حيث تتمتع المنتجات بمجموعة من المساعدات الخفية من أجل التصدير) الداخلية ، واليابانية ، والأوروبية إلى الأسواق المحلية حيث لا يمكن لعدد كبير من الناس الحصول عليها. في هذه الأثناء شجّعت الإجراءات المفروضة من قبل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي بروز فئة من حديثي النعمة تُسهِّل تصريفاً مقبولاً للمنتجات المستوردة.

-         وتعد الخصخصة إلى جانب "تحرير الاقتصاد" و "العولمة" ، الضلع الثالث للمثلث الذي يسير عليه البنك الدولي . وخلال الخمس وعشرين سنة الماضية باعت الكثير من البلدان النامية الشركات المملوكة للدولة إلى الشركات الخاصة وأهمها الشركات العابرة للقومية وذلك بأسعار هزيلة . ففي ظل برنامج حكومة البهاما للخصخصة على سبيل المثال بيعت سلسلة فنادق محلية بمبلغ 8 مليون دولار في حين تقدر المعارضة سعرها بـ 20 مليون دولار .

تؤدي الخصخصة في الاقتصاد المحلي في إطار التقسيم العالمي للعمل إلى وجود تأثيرات فاسدة منها : سلب الفلاحين المحليين لصالح المجموعات المُستَغلَّة التي هي بين أيدي الشركات المتعددة الجنسيات الأجنبية ، ودخول هذه المنتجات المُتخصصة في نظام دولي تحت إشراف تمويل دول الشمال التي تجعل منه تابعاً بشكل كامل للقرارات الخارجية دون أي سلطة عليها من الحكومات الوطنية، ومن بين هذه التأثيرات أيضاً ترك الزراعات الغذائية (مما يُجبر الحكومات على الاستيراد من الدول الغربية  - وبأسعار منخفضة - المواد التموينية التي يحتاجها الشعب والذي توقف عن إنتاجها ).

هذا يحملنا على الاستنتاج بأننا أمام سلب أراضي الدول التي وقعت تحت رحمة صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ، وبأن ذلك - في الوقت نفسه - هو انقضاض على القواعد الأيديولوجية ضد كيان الدولة. وزاد عدد هذه المجموعات خلال أقل من عشرين عاماً من (11000) مجموعة تشرف على (82000) ألف شركة في الخارج عام 1975 ، إلى (37500) مجموعة تشرف على 207000 آلاف شركة في عام 1992. هذه المجموعات تُمثل حوالي نصف الأملاك المنتجة في العالم. أما توزّعها على المعمورة فقد كان :

-         80% مركزها الرئيسي كان في دول «الثالوث» (الولايات المتحدة، الاتحاد الأوروبي ، اليابان والمنطقة الآسيوية)

-         50% في الولايات المتحدة وبنسبة أقل في اليابان أو في إنكلترا أو في فرنسا.

-         واحد بالمئة من هذه المجموعات تمتلك 50% من الممتلكات ، و50% منها تمثل في الخارج النفط والسيارات والكيمياء والمنتجات الصيدلانية.

المكسب الأيديولوجي للولايات المتحدة مُعبِّر جدّاً ، ففي حين رأى مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية في عام 1976 الدول النامية تدين التبادل الحر وتطالب بنظام الحماية، قام الاجتماع التاسع الذي عقد في جوهنسبرغ في حزيران 1996 بتقديم منبر لها حيث عمدت إلى قدح العولمة وانفتاح الأسواق وتحويل الرساميل الخاصة والمتعددة الجنسية. وينظر لهذه الأخيرة اليوم على أنها منبع متميز للأرباح لصالح العالم الثالث، وبين الليبراليتين العالميتين تخلت الليبرالية الأوروبية «الاقتصاد الاجتماعي للسوق» لصالح الليبرالية الأمريكية ومن قبل الأوروبيين أنفسهم ، وأعطت الليبرالية الأمريكية الأفضلية للاختلال الاقتصادي ولحرية التبادل الكاملة وللخصخصة ولإلغاء القطاع العام ولمرونة سوق العمل. ويبحث المجلس الأوروبي للإسراع بـ "الأمركة" رافعاً شعار الأفضلية لانفتاح السوق الأوروبية أولاً أمام الاتصالات والكهرباء.

يتفق الخبراء على الاعتقاد بأنّه إذا بذلت المنظمة العالمية للتجارة جهداً لإعادة الانسجام إلى الاقتصاد العالمي ، فإنّ الدور الرائد الذي تلعبه الولايات المتحدة يحتوي على مخاطر متوقعة فقط لأنّه يعود لها القدرة على شلّ أو إطلاق الآلية الكاملة لهذه المنظمة. إن محاولة الولايات المتحدة بتصدير تشريعاتها (قوانين هلمز بروتون وأماتو) لها طبيعة تدفع للقلق. فالتأثيرات الأساسية لـ "مخطّطات القهر" لصندوق النقد الدولي التي تندرج في التوسّع في أرجاء المعمورة هي للأيديولوجية الليبرالية على الطريقة الأمريكية.

إن الحرب الليبرالية ضد الدولة تقود إلى نزع أسس الدولة وجعلها غير قادرة على فرض إرادتها السياسية الخاصة والمتعلقة بالمصلحة العامة. وهكذا تجعل دورها مشابهاً للشرطي المسؤول عن حفظ النظام في كل الدول إلا في حالة أمريكا اللاتينية هي الأكثر ذهولاً.

يعتقد البعض أن دور الدولة قد تقلص في ظل العولمة ؛ بالعكس العولمة تعني – فقط - تخلّي الدولة عن القيام بوظائفها الاجتماعية لكي تتولى وظائف قمعية بديلة ولكي تتولى القضاء على الحريات الديمقراطية .   

 (كتب : أمريكا المستبدة ، ونهب الفقراء ، الولايات المتحدة طليعة الإنحطاط) .

# مخططات القهر تدمّر شعوب أمريكا اللاتينية :

---------------------------------------------

كان أثر أصولية البنك الدولي والصندوق النقدي الدولي والتي تُدار بحماسة مُتجددة الآن ، "كارثيا" في أمريكا الوسطى . ازداد التضخم ولم تتقلص العجوزات المالية كما كان متوقعا وأصاب الركود مُعدّلات نمو الناتج القومي الخام ثم بدأت بالإنحدار . تدهورت الأجور الحقيقية بشكل كبير في كل أنحاء أمريكا اللاتينية تقريبا . وصار الدخل أكثر إجحافا من ذي قيل . لقد اختفت كلمة "تنمية" من قاموس المفردات الاقتصادي في أمريكا اللاتينية برغم أن "الأرباح" صارت على كل لسان . أرباح للأجانب وللقلة المعزولة من ذوي الامتيازات (تشومسكي : الدول الفاشلة) .
لنلق نظرة الآن على ما فعلته مخططات القهر التي رسمها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي بشعوب أمريكا اللاتينية البائسة ، وسوف نتجنّب التفصيل عن الدول التي تناولنا تدميرها من قبل الولايات المتحدة في حلقات مستقلّة سابقة مثل غواتيمالا وشيلي والبرازيل وبنما والسلفادور وغيرها ، ونتمنى على السادة القرّاء أن يعودوا إلى تلك الحلقات إن أمكن :

# غواتيمالا :

لقد عاشت غواتيمالا في حرب أهلية مُقَّنعة رغم المفاوضات الجارية بين الحكومة والاتحاد الثوري الوطني الغواتيمالي، تعطلت هذه المفاوضات بسبب موقف الملّاكين الكبار للأراضي الذين كان من مصلحتهم المحافظة على حالة الفوضى. أعطى انتخاب "الفارو أرزو" في 9 كانون الثاني 1996 إلى سدة الرئاسة بصيصاً من الأمل للطبقات الشعبية التي أغرقتها الإجراءات الليبرالية المتطرفة في أعماق البؤس والخوف، عاد أقل من 40% من أولئك الذين كانوا في المنفى المكسيكي خلال الثمانينات إلى بلاد نازفة مُحطّمة دون هيكلية. وأبقت الحكومة التي سيطر عليها أرباب العمل على الفوضى المقصودة بواسطة حكم الأقلية التي لا تدفع عملياًّ أي ضريبة في حين أن 80% من السكان يكسبون راتباً لا يكفي لشراء الضروريات الأولية (كتاب أمريكا المستبدة) و(راجع الحلقة الخاصة بغواتيمالا).

# كولومبيا :

في الجزء الجنوبي من أمريكا اللاتينية تبدو حالة كولومبيا الأكثر تمثيلاً للنظام المميت الذي أقامته الولايات المتحدة والمؤسسات المالية فيما بعد. يقول البروفيسور الأمريكي "نعوم شومسكي" إن إدارة الرئيس الأمريكي أعطت عام 1962 لجيوش بلاد الجزء الأسفل من القارة دوراً جديداً. فلم يعد الأمر يتعلق بالنسبة لها بتأمين دفاعها الوطني ضد العدو الخارجي بل أصبح الموضوع يتعلّق بالأمن الداخلي. وقد اعترف شارل كيشلنغ المسؤول الأسبق عن برنامج الحرب ضد العصابات أيام رئاسة كيندي وجونسون بأنه لم يعد يكفي منذ ذلك الحين تحمُّل (جشع ووحشية العسكريين في أمريكا اللاتينية» ، ولكن انتقلنا معهم إلى "شراكة مباشرة". إن الأساليب التي استخدمها العسكريون المُدرّبون من قبل الأمريكيين لم تقل شراسة عن «أساليب فرق التصفية لـ "هنريش هملر" النازي). هذه المقارنة ليست بسبيل المصادفة لأن الولايات المتحدة استقبلت حينها القادة السابقين للنازية الذين ساعدوا في إعداد كراسات التدريب للجيش الأمريكي . وقد دأب معاونون في البيت الأبيض أمثال "روبرت مكنمارا" على تطبيق الأساليب المقترحة من أجل أبعاد "كل من يمكنه أن يهدد الأمن الداخلي" لدول أمريكا اللاتينية. في عام 1981 أعد الاقتصادي "إدوارد هرمن" من معهد واردن (جامعة بنسلفانيا) دراسة تحدّثت عن علاقة سببيّة بين الطَّغمة العسكرية وإيجاد «مناخ مناسب للأعمال» يتجلى أوتوماتيكياً بتصاعد القمع والتعذيب والاغتيالات وإرهاب الدولة وانتهاك حقوق الإنسان بأسوأ أشكاله الفاضحة. كولومبيا الحالية هي النتيجة المباشرة لهذا النظام، وباعتبارها موطناً لمنظمات مافيا المخدرات بالتواطؤ النشط مع الصناعة الكيميائية الأمريكية ومع البرجوازية المحلية (المصارف والمصانع التي تجنى منها أرباح ضخمة) ومع العنف والعصابات فهي اليوم من بين الدول حيث حقوق الإنسان الأكثر انعداماً. إلّا أنه جرت العادة بشكل عام أن يُذكر هذان البلدان كنموذجين لتطبيق العقيدة الليبرالية المتطرفة، فمن الجدير إذن أن تستحوذا الانتباه بشكل خاص (أمريكا المستبدة) و(راجع الحلقة الخاصة بكولومبيا).

# البيرو :

في بلد مثل البيرو Pérou العوز الاجتماعي كبير جداً. الرئيس "فوجيموري – Fujimori" الذي انتُخب في 28 تموز 1990 تحت شعارات «العمل، التكنولوجيا، الشرف» جذب التعاطف الشعبي وخاصة تعاطف الهنود نتيجة صدى المبادئ التي أعلن عنها (لا تسرق، لا تتقاعس عن العمل، ولا تكذب). طبّق فوجيموري بإيعاز من صندوق النقد الدولي خطة ليبرالية متطرفة كانت الأقسى على وجه الأرض ، وعُرفت باسم (صدمة فوجي - Fuji shock). لقد عُرف عنه بأنه متسلط وكتوم وعنيد ومبالغ في الذرائعية، مستشاره هو "فلاديميرو مونتسينتوس" وهو عميل بارز للـ C.I.A (وكالة المخابرات المركزية) ويمثّل ضمانة واشنطن ، ويبدو أيضاً أنه مُتورّط مع مافيا الكوكائين. إن الدعم الجماهيري الذي تمتع به فوجيموري أثناء انتخابه الأول استمر معه لبعض الوقت، برغم انقلابه الشخصي وضربته للمؤسسات عام 1992. وأدّت إجراءاته التي أتخذها من حلٍّ للبرلمان وتعليقٍ للضمانات الدستورية وانتخابات المجلس التأسيسي الذي ضمن انتصار حزبه إلى إيجاد دستور جديد عام 1993 يسمح بإعادة انتخاب الرئيس والذي أصبح فعلياً عام 1995 بفضل الضغوطات التي مارسها الجيش. وتفسّر الحصيلة الاقتصادية الثقة التي مازال يتمتع بها لدى أكثرية ضئيلة من الشعب. التضخم المالي الذي بلغ مداه أيام رئاسة "آلان غارسيا" (1773530%) هبط إلى (3.2%) ، والنمو الذي دعمه تدفّقُ الرساميل الأجنبية ودخول البلاد في النظام المالي الدولي والتدفق السياحي والنصر النسبي المدعوم من قبل الولايات المتحدة ضد حركات العصيان ، لم يتمكن من منع قيام الهوّة التي باعدت بين النخبة الاقتصادية وباقي فئات الشعب. عام 1992 كان لا يزال في البلاد 15 مليون فقير من أصل عدد السكان البالغ 22 مليون نسمة، وكان هناك تسعة أشخاص من أصل عشرة عاطلين عن العمل، كما كان يوجد 3 ملايين طفل يعملون من أجل كسب الرزق بينهم 200 يموتون كل يوم بسبب سوء التغذية (امريكا المستبدة).

الآن صارت الأفضلية المطلقة للرئيس هي الأمن فأجّل إلى وقت لاحق النضال من أجل القضاء على البؤس، وترتكز السياسة الاقتصادية بشكل أساسي على وفاء الديون (الأموال الضرورية تأتي من مصادر شتى منها تجارة الكوكايين حيث أن البيرو تشكل 60% من الإنتاج العالمي) . هذه السياسة هي المسؤولة عن نسبة البطالة المرتفعة (19%) وعن العوز الاجتماعي الكبير. فإذا كانت هذه السياسة التي تُطبّق المعايير الأساسية للتطرف الليبرالي قد سمحت لـ 15% من الشعب (مدراء المشاريع والأجراء والبرجوازية الكبيرة) جني الثروات إلا أنها جعلت 85% من الشعب في حالة اليأس ، من بينهم 45% فقراء أو في فقر شديد ، و20% ليس لديهم الحد الأدنى لأسباب العيش. وقد أثار فوجيموري غضب الجماهير عندما باع "مصفاة باميلا" فكانت الخطوة الأولى لخصخصة شركة البترول الوطنية "بيترو بيرو - Petro Peru" . ورغم جمع 100 ألف توقيع لإجراء استفتاء حسب بنود الدستور حول هذا البيع ، فإنه لم يتم تنظيم مثل هذا الاستفتاء لأن الرئيس قد أصدر قانوناً أخضع فيه قرار هذه الموافقة للبرلمان. في أيار 1996 - وبسبب نقص في العملة الصعبة الذي يعاني منه القطاع الصناعي - قامت الحكومة من جهة أخرى بالتنازل والتوقيع على اتفاق مع شركة "شل- موبيل" للسماح لها باستغلال بئر الغاز الطبيعي في "كامسا" .

# الأرجنتين : أكذوبة "معجزة منعم" :

"معجزة منعم" (كارلوس منعم رئيس الأرجنتين الذي أُعيد انتخابه عام 1993) حيث يلاحظ الخبراء الموضوعيون أن فيها الكثير من الفساد ، واختفت قطاعات واسعة من الطبقة الوسطى دونما أثر، بينما يقوم الأغنياء الجُدُد والقدامى بالتسوّق من المتاجر الفاخرة . صارت الثروة الفردية تعتمد على الخراب العام والتدهور الاقتصادي الذي أصاب 40% من السكان الناشطين اقتصاديا ، أو بطالتهم الجزئية ، وتزايد مدن الأكواخ ، وإقفال المصانع دون الاستعاضة عنها بمصانع جديدة . واستغلال الدولة كوسيلة للإثراء الفردي والنهب الخاص ، وانخفض الإنفاق على الصحة والتعليم والبرامج الاجتماعية بشكل لا سابق له . اليوم يعيش 60% من سكان بوينس آيرس البالغين 12 مليونا دون نظام صرف صحي ، وهذا أحد أسباب عودة الأمراض التي كان قد قُضِي عليها منذ عشرات السنين . إن "اقتصاد المضاربة" الذي تعزّز بفعل السياسة الاقتصادية الليبرالية الجديدة والذي يُفقِر معظم السكّان بينما يُدمّر سوق الأرجنتين الداخلية وقدراتها الإنتاجية ومواردها النادرة ، قد خلق عالم صراع وحشي من أجل البقاء . بينما تواصل النخبة أرباحها المفاجئة . تتضمن "معجزة منعم" "الخصخصة" أيضاً ، حيث باعت الحكومة احتكار الهاتف لشركات حكومية اسبانية وإيطالية ، كما باعت شركة الخطوط الجوية الوطنية لشركة الخطوط الجوية الإسبانية الحكومية "إيبيريا" . وهكذا تحوّلت الإدارة البيروقراطية الأرجنتينية إلى زميلاتها الإسبانية والإيطالية . لم يصلح حال الأرجنتين إلا بعد أن تخلّصت من البنك الدولي ورفضت خططه بعد أن دفعت له ديونه التي تحملت الجزء الأكبر منها فنزويلا "شافيز" المناضل . وفعلت البرازيل مثل ذلك ، وبوليفيا تحاول السير في نفس الإتجاه (تشومسكي : 501 الغزو مستمر).

# المكسيك ؛ تجويع الشعب هو نتاج 35 عاماً من اصلاحات البنك الدولي الهيكلية :

بلغت الأجور الحقيقية أدنى مستوياتها في تاريخ البلاد بعد أن تراجعت 60% في ظل السياسة الليبرالية الجديدة ، وتشير البحوث إلى أنّ نصف المواليد الجُدُد في مدينة مكسيكو يحملون معدلات من الرصاص في اجسامهم تكفي لتخريب نموهم العصبي والحركي ، وأنّ مستويات التغذية قد انخفضت بشدة ؛ حصل إفقار تدريجي لملايين المكسيكيين مع تمركز الثروة في أيدي رجال الأعمال . 60% من الأسر لم تعد تستطيع توفير احتياجاتها الأساسية من مأكل وملبس . صار القطاع الصناعي يستخدم عمالا أقل مما كان يستخدم قبل عشر سنوات ، انخفضت مساهمة العمال في الدخل الشخصي من 36% إلى 23% بينما كانت عوائد الأغنياء والمستثمرين الأجانب خرافية .

في محاولة لإغراء المستثمرين الأجانب شجّع وزير التجارة المكسيكي على الإنخفاض الحاد في أجور العمل من 1,38 دولار/ الساعة إلى 0,45 دولار في الساعة . في عام 1987 قامت شركة فورد بطرد كامل قوّة العمل لديها ، مُلغيةً العقد المُوقّع مع النقابة ، ثم عادت لتوظيف العمال أنفسهم برواتب أقل بكثير . وعندما حاول العمال الحصول على حق اجراء انتخابات نقابية ديمقراطية والكفاح من أجل مكاسبهم التي يكفلها القانون تعرضوا للضرب والاختطاف ، بل والقتل أحيانا . وكل ذلك نُفِّذ علناً عبر تحالف بين شركة فورد للمحركات ومسؤولي النقابة التي يديرها الحزب الحاكم . قليلا ما يتم التحدّث عن هذه الأمور ، لكنها سمات حاسمة لاتفاقيات التجارة الحرة لشمال أمريكا (NAFTA) المصنوعة على نحو يضمن أعلى الأرباح مهما تكن التكاليف البشرية . يزداد الدين الخارجي ، إلى جانب العجز التجاري وتزوير الانتخابات والقمع الحكومي لمنع تنظيم العمال . أما ممارسة التعذيب فصارت مسألة عادية كما تقول منظمة العفو الدولية . وبالطريقة التي صُمّمت بها اتفاقية النافتا "سيصبح معظم المكسيكيين لا أهمية لهم" . كل هذا هو ناتج خمسة وثلاثين سنة من خطة الإصلاح الهيكلي البنيوي التي قادها البنك الدولي . في أعقاب وصفات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي تحوّل الإنتاج الزراعي إلى التصدير وصناعة علف الحيوانات مما يعود بالفائدة على الشركات الزراعية والمستهلكين الأجانب والقطاعات الميسورة في المكسيك ، بينما أصبح سوء التغذية مشكلة صحّية هامة ، وانخفضت العمالة في الزراعة وهُجِرت الأراضي المُنتِجة ، وأخذت المكسيك تستورد كميات هائلة من الغذاء. (تشومسكي : الغزو مستمر ، الهيمنة أم البقاء ؟ ، الدول الفاشلة).

 

# تشيلي :

وفي التشيلي البلد الذي ترى فيه المؤسستان الماليتان الدّوليتان (البنك الدولي وصندوق النقد الدولي) نموذجاً يُحتذى به كونه مخبراً لليبرالية في أمريكا الجنوبية بإشراف الخبراء الاقتصاديين الأمريكيين ، ساهمت النجاحات بتعميق الهوة بين الأقلية المسيطرة وبين الآخرين. فمنذ قيام الانقلاب العسكري التشيلي المدعوم من الأقلية المحلية ووكالة المخابرات المركزية C.I.A في 11 أيلول 1973 ضد الرئيس الليندي تم تدمير مجالس النقابات. واستبدل تدريجياً القطاع الصناعي - الذي لم يكن موجّهاً نحو التصدير أي لم يكن جزءاً من نظام الحصص الدولي للعمل - بصناعات معتمدة من قبل صندوق النقد الدولي حسب متطلبات واشنطن. أدّت الدولة إذاً مهمتها فضمنت عن طريق التواجد البوليسي حرية العمل وامتيازات الأغنياء (يملك 20% من التشيليين 50% من الدخل القومي ويعيش 30-40% من الشعب في العوز والحاجة الماسّة) ، في حين أن القرارات السياسة المُفرغة من بعدها الاجتماعي كانت تُتّخذ خارج البلاد. كتب فيليب غرينييه الباحث في المركز الوطني للبحوث العلمية في فرنسا CNRS يقول: «الإنجاز البارز للتشيلي ذات الليبرالية الجديدة كان دون أي نقاش إقامة مجتمع ذي اتجاهين في بيئة مريضة». كان على البلاد أن تواجه عملياً مشكلة انسجام اجتماعي هشّ. وبالنظر لمعدل وجود المشاريع المتدني بعد بوليفيا (15%) ، فإن أكثر من 30% من الشعب يعيش تحت عتبة الفقر (4 ملايين فقير تحت عتبة الفقر من مجموع 12 مليوناً) . ولم يترافق نجاح النخبة الاقتصادية أبداً مع توزيع عادل للأرباح. وقد تمّت التضحية بقطاعات الخدمات العامة التي تشكل الهدف المفضل لصندوق النقد الدولي لصالح زيادة العائدات. لهذا السبب لم يعد القطاع الصِحّي يكلّف أكثر من 1.2% من الناتج المحلي الصافي في الوقت الذي كان يتمتع بـ 3.2% منه أيام اليندي وكانت تُحسم النسبة 1.2% من المشتركين في الضمان. رغم تبديل نظام الضمان الاجتماعي الذي أسس عام 1952 بنظام آخر عام 1981 وأصبح يعتمد على الاشتراكات الفردية الخاصة، لذا كان هناك نظام طبي له اتجاهان. ففي حين أن 23.7% من الشعب كانوا يتمتعون بالخدمات الطبية الخاصة (كانوا يعتبرون إذاً زبائن لا مرضى) ويتصرفون بـ 230 دولار سنوياً من العلاج للفرد كان هناك 63.4% يكتفون بالقطاع الصحي العام الذي لا ينفق أكثر من 130 دولار فكانت له خدمات طبية بالحدود الدنيا ومتواضعة. (تشومسكي : الغزو مستمر ، النظام الدولي الجديد والقديم).

# وقفة خاصة إضافيّة : البنك الدولي والولايات المتحدة والروح الساديّة في تدمير نيكاراغوا :

في نيكاراغوا - وبالرغم من السلام الداخلي الهشّ - كان النمو الاقتصادي سلبياً. الخصخصة الإجبارية للمصارف إضافة لتراجع المساعدات الدولية شجّعت البطالة والعنف الذي كان يُثار من قبل المنبوذين. وقد زادت مساوئ "مخططات القهر" لصندوق النقد الدولي في عام 1994 عند الحصول على قرض جديد الذي أكد خضوع البلد للقواعد الليبرالية وللمموّلين الأجانب. فتمّ بذلك تدعيم الفساد لأن جزءاً كبيراً من الأموال كان يختفي في جيوب البرجوازية. تراجعت استثمارات نيكاراغوا البلد الصناعي الهامشي من 22% عام 1984 إلى أقل من 14% عام 1992. وبصفته بلد زراعي بشكل أساسي يرتكز خاصة على زراعة التبغ التي تمثل 50% من الصادرات في حين أن السوق الدولية التي تقع تحت سيطرة الأمريكيين الشماليين لم تكن متحمّسةً كثيراً للتبغ ، فانخفضت أسعاره، فكان ثمن القنطار (100 كغم) 143 دولاراً في أول الثمانينيات ، فأصبح ثمنه 60 دولار تقريباً عام 1993. وقد وافقت البنوك على تقديم قروض بفوائد باهظة مما أدّى إلى خنق المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي سبق لها أن عوملت بشكل سيئ من قبل الليبرالية المتوحشة.

ضغط البنك الدولي والحكومة الأمريكية على الحكومة النيكاراغوية لتطبيق "الخصخصة" وقطع الدعم الموجّه للشعب . فلم تكن هذه البرامج ترضيهم في الحكومة المحلية في نيكاراغوا ، ومِنْ ثمّ كانوا يرغبون في "تدمير الساندينستيين حتى لو تطلب الأمر إعلان حرب". وعلى الرغم من نجاح واشنطن في جلب البؤس في نيكاراغوا إلى المستوى الذي بلغته هاييتي في ظل تطبيق القوانين "الاقتصادية الرشيدة" للبنك الدولي ، فإنها لم تشعر بالرضا التام . فالولايات المتحدة بحسب أحد خبراء الشؤون الخارجية ، كان لديها رغبة غريزية ساديّة في تدمير الساندينيستيين مرّة واحدة وإلى الأبد" .

وقد أدّت الخصخصة وإيقاف الدعم الشعبي الذي طالب به البنك الدولي وصندوق النقد الدولي إلى إصابة الاقتصاد النيكاراغوي في الصميم ، أو بالأدق الإجهاز على ما تبقى منه. فقد تمتعت البنوك الخاصة بحماية الدولة للنظام البنكي ، مما أدّى إلى هروب 60 مليون دولار عبر البنوك الخاصة خلال عام 1992 فقط ، في وقت انخفضت فيه السيولة المالية في أرصدة البنوك بنحو 28% في النصف الأول من عام 1993 ، وأدى العجز في السيولة المالية إلى إصابة حياة السكان الاقتصادية بشكل خطير.

ورغم النصر الذي حقّقوه ، لم يقتنع بعد صانعو السياسة الأميركية . فشعب نيكاراغوا يجب أن يلقى عقاباً أشدّ ، ليدفعوا ثمنا لما ارتكبوه من جرائم ضد الولايات المتحدة . وفي أكتوبر 1993 قدّم صندوق النقد والبنك الدولي – هل نحن في حاجة لأن نُذكّر أنها مؤسسات تديرها واشنطن ؟ - مطالب قاسية جديدة . وعلى خلاف غيرها من الدول لم تتلق نيكاراغوا تخفيفاً لديونها الثقيلة ، إذ وجب عليها أوّلاً تقليل الديون عن بنك الصناعة والتجارة ، وهو أحد البنوك الحكومية ، وإجراءء خصخصة في المشروعات الحكومية مثل الخدمات البريدية والطاقة الكهربائية والمياه حتى يضمن البنك الدولي وصندوق النقد أن الشعب يشعر فعلا بالألم الذي يحول دون توفير شِربة ماء للأطفال . ولم يكفهم أن 60% من الشعب عاطلون عن العمل . كما يجب على نيكاراغوا أن توقف الدعم العام بمقدار 60 مليون دولار ، وتُقلّص ما تبقى من الخدمات الصحية المجانية – هل لاحظنا أن الرقم السابق هو نفس الرقم الذي حوّلته البنوك الخاصة خارج البلاد قبل عام ؟

لقد ضمنت عمليات الخصخصة أن تتبع البنوك المبادىء الشهيرة عالميا ، وأن تلعب في بورصة نيويورك بدلا من أن تعطي قروضا للفلاحين الفقراء. ومع عدم إتاحة القروض فشل محصول الفاصولياء في عام 1993 برغم وفرة الأمطار الموسمية الجيّدة، مما أدّى إلى كارثة للسكان . وفي مناطق زراعة القطن الرئيسية لم يكن هناك هكتار واحد مغمور بالمياه في عام 1993 نتيجة نقص قروض الإعانة للفلاحين – على الرغم من أن كبار المنتجين وفي مقدمتهم وزير الزراعة والثروة الحيوانية ورئيس المجلس الأعلى للمشروعات الخاصة "روميرو جارديان" قد حصل وحده على 40 مليون دولار قرضا لمشروعاته في العام السابق . إنّ 70% من القروض الضئيلة في نيكاراغوا تذهب "لعدد محدود من المنتجين الذين يوجّهون إنتاجهم للتصدير" وهو ما يتفق مع سياسة الولايات المتحدة الساعية إلى إثراء الأغنياء في القطاع الزراعي . وبعد سنوات من استخدام المبيدات الزراعية فقدت أغلب الأراضي خصوبتها . وانهارت بالمثل صادرات الموز وغيرها من ثمار الإنتاج الزراعي . وأغلقت مصانع السُكّر ، وفي مقدمتها تلك التي كانت رابحة في عهد القطاع العام ، وذلك في حملة قادها ملاك المصانع القدامى لتدمير اتحادات العمال ولسلب مكاسب حققها العمال في الماضي .

وعلى ساحل نيكاراغوا الأطلسي تضوّر 100000 إنسان جوعا في أواخر عام 1993 ، وكان أغلب هؤلاء من السكان الأصليين من الهنود "المسكيتو" والذين أبادتهم الولايات المتحدة خلال حربها الإرهابية التي شنّتها على هذه البلاد . فاقت تلك الجرائم في حجمها المذابح الجماعية والتعذيب التي قَتَلَ فيها النازيون عشرات الآلاف من البشر . 

ستبقى نيكاراغوا حالة مفسّرة لكل ما يجري ، إذ تعود جذور التعذيب الأمريكي لهذه الدولة إلى عام 1854 عندما دمر سلاح البحرية الأميركية إحدى مدنها الساحلية انتقاما لهجوم مزعوم على مسؤولين اميركيين . ومنذ ذلك التاريخ والولايات المتحدة تجلد نيكاراغوا إلى  اليوم . ولم تفكر الولايات المتحدة في عواقب المذابح التي كان يقوم بها عميلها الديكتاتور "سوموزا" . لن نجد شيئا يشبع الرغبة الأميركية في معاقبة المارقين ، حتى لو أنزلتهم إلى منزلة هاييتي السفلى ، ولن يغمض للولايات المتحدة جفن حتى يصبح الجيش في تلك الدولة تحت سيطرتها ، وهو أسلوب مازالت تمارسه على مدى نصف القرن المنصرم . (تشومسكي : الغزو مستمر ، أشياء لن تسمع عنها أبداً ، الدول الفاشلة ، الدول المارقة) و (راجع الحلقة الخاصة بنيكاراغوا) .

 

# بالأرقام : البنك الدولي يدمّر العالم :

------------------------------------

بسبب برامج الإصلاح الهيكلي للبنك الدولي تناقص الحد الأدنى من الأجور في أمريكا اللاتينية عموماً فيما بين 1985 و1992 ، في وقت ارتفع فيه عدد الفقراء بنسبة 50% فيما بين 1986 و1990 ، تزايد الدين الخارجي في أمريكا اللاتينية لأكثر من 45 مليار دولار خلال الفترة من 1991 إلى 1993 ليصل إجماليه إلى 463 ملياراً .

وفي مراجعة لبيانات البنك الدولي المعنية ببرامج التعديلات الهيكلية في 76 دولة من دول العالم الثالث وأوروبا الشرقية خلال عقد الثمانينات من القرن العشرين ، ظهر أن أغلبية هذه الدول عانت من تدهور ملحوظ في مؤشرات هامة للتنمية . حيث لم يحصل أي تقدم يوقف معدّلات التضخم ، وكان النجاح من نصيب الدائنين والمنتفعين من عائدات التصدير.

وقد كانت الموارد التي نُقلت من دول الجنوب إلى دول الشمال بنحو 418 مليار دولار فيما بين 1982 و1990 وهو ما يعادل بأسعار اليوم 6 أضعاف ما قدّمته خطة مارشال لأوروبا . وهي أموال ذهبت إلى الدول الغنية من خلال خدمات الديون فقط . وفي نفس الفترة الزمنية زاد ثقل الديون بنسبة 61% ، بل زاد بنسبة 110% للدول الأقل تقدّماً . وإضافة إلى ذلك كانت البنوك التجارية محميّة بنقل ديونها السيّئة إلى القطاع العام ، مما يضمن أن يتحمّل الفقراء ثقل وكلفة الديون عن كلٍّ من الدول الدائنة والمدينة . وفي عام 1991 دفعت الدول المدينة 24 مليار دولار كفوائد إضافية ، وهو رقم يفوق كل ما تلقته من ديون جديدة . حتى أن صندوق النقد والبنك الدولي أصبحا "يجبيان أموال الفوائد ، ولا يقدّمان قروضاً" على نحو ما تلاحظ لجنة الجنوب .

# في عام 1960 كان خمس سكان العالم في الدول الثرية يحصلون على دخل يفوق ما يحصل عليه خمس سكان العالم في الدول الفقيرة بنسبة 30 : 1 ثم ازداد البون اتساعاً في عام 1995 حين وصلت نسبة الفارق بين الشريحيتين إلى 74 : 1 ، بينما لا يزال البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والوكالة الأميركية للتنمية الدولية تخبرنا بأنها تؤدي مهامها بصورة جيّدة وأن ثمة تقدّماً بارزاً قد حدث (غارودي : الولايات المتحدة طليعة الإنحطاط ، حفّارو القبور) .

 

# البنك الدولي في أفريقيا : الإبادة الجماعية الخرساء :

----------------------------------------------------

وتُعتبر دول أفريقيا جنوب الصحراء من بين الدول النامية التي صارت مصدراً لتمويل الدول الثرية ، وهي دول ينهش فيها الفقر والبؤس بفضل السياسات الأميركية التي يعود إليها الفضل أيضا في إشعال حروب أهلية أدّت إلى مقتل 1,5 مليون إنسان في أفريقيا الجنوبية وحدها ، فضلا عن خسائر تُقدّر بـ 60 مليار دولار في دول الجنوب الأفريقي . وإلى هذه الأرقام يمكن أن نضيف نصف مليون طفل يلقون حتفهم كل عام نتيجة عبء الديون على الدول التي يعيشون فيها ، على نحو ما تُظهر تقارير اليونيسيف . إضافة إلى 11 مليون طفل يموتون سنويّاً من أمراض يسهل علاجها ، وهو ما يمكن تسميته "إبادة جماعية خرساء" على حد نعبير المدير العام لمنظمة الصحة العالمية ، الذي يشير إلى أنّ هذا الوضع يمثل : (مأساة كان يمكن تداركها، لأنّه لدى العالم المتقدم موارد وتقنيات بمقدورها إنهاء المرض على مستوى العالم ، لكنها تفتقر "للإرادة" لمساعدة الدول النامية) (كتاب : نهب الفقراء).

# البنك الدولي .. قاتل الأطفال :

-------------------------------

كانت آثار "التنمية" التي قادها البنك الدولي على الأطفال في البلدان النامية مروّعة ومأساوية . ففي أميركا اللاتينية كانت كوبا هي الدولة الوحيدة التي أظهرت خفضاً رائعاً في معدّلات وفيات الأطفال الرُضّع في الثمانينات ، والمثال الآخر نجده في نيكاراغوا مطلع الثمانينات التي انقلب حالها اليوم فصارت تتحدّى هاييتي في الحصول على لقب أسوأ دول أمريكا اللاتينية . فنيكاراغوا التي كانت قد شهدت انخفاضا سريعا في معدل وفيات الأطفال الرُضّع تعاني الآن بلوغ هذه المعدلات أعلى المستويات في كلّ القارة . وبحسب الأمم المتحدة فإنّ 25% من أطفال نيكاراغوا يعانون سوء التغذية، وعادت الأمراض التي اختفت في ظل الساندنستيين إلى الظهور من جديد ، وتقوم النساء بإعداد مطابخ طهي الحساء لبيعه في زوايا الشوارع بهدف إنقاذ عشرات الأطفال من براثن المجاعة. هذا في وقت ينتشر فيه الأطفال الجوعى في الشوارع وينجرفون إلى مستنقع الدعارة والسرقة . وقد تفاخر وزير المالية الأمريكي بأن نيكاراغوا : "حقّقت أعلى معدل تضخم في الأميركيتين " لكن فاته أن أربعة ملايين إنسان يقرص بطونهم الجوع في تلك الدولة.

وقد فتحت عجائبُ السوق الحرّ البابَ أمام "إبداعات" أخرى للأطفال الجوعى في الشوارع حيث صار بيع "غراء الأحذية للأطفال تجارة رائجة" ، وأصبحت واردات الغراء من المورّدين متعددي الجنسيات تزدهر بشكل بديع ، وذلك "لأن حرّاس متاجر الأحذية في الأحياء الفقيرة يقومون بعمل مزدهر حين يقومون بملء زجاجات الأطفال أسبوعيا بالغراء ليقوم هؤلاء الأطفال بشمّ الغراء ، لأن استنشاق الغراء يُذهب عنهم الشعور بالجوع" . يا لها من معجزة اقتصادية حققت أهدافها ، لكن هذا ليس كل شيء ، ففي نيكاراغوا الكثير الذي يمكننا أن نتعلّم منه (تشومسكي : الغزو مستمر).

لقد كشفت لنا شركة أفلام كندية وثائقية عن الكثير من الخبايا في أمريكا اللاتينية في فيلم بعنوان "تجارة الأعضاء" . يعرض الفيلم علميات قتل الأطفال لاستخراج أحشائهم وانتزاع أعضائهم للبيع . كانتزاع العيون على يد قراصنة من المشتغلين بالطب مسلحين فقط بملاعق القهوة !!!! وقد وصلت هذه الإبداعات إلى روسيا أيضا . وقد قدمت الولايات المتحدة الثناء والتقدير لحكومة السلفادور التي تقوم برعاية هذه الأعمال ، مادام ذلك "يحافظ على قيمنا وطموحنا" . وقد أعرب مسؤول في منظمة الدفاع عن حقوق الأطفال بأن "السلفادور تشهد أكبر تجارة في الأطفال" ، ولا تتضمن هذه التجارة خطف الأطفال وبيعهم فحسب ، بل استخدامهم أيضا في تصوير أفلام داعرة ولتقطيع أوصالهم وبيع أعضائهم . ولم تعد سرّاً العملية التي قام بها الجيش السلفادوري في حزيران 1982 حين قامت قوات الجيش التي درّبها الأميركان بتحميل الطائرات المروحية بخمسين طفلا لم يرهم آباؤهم بعد ذلك. وقد ظهر هذا التقرير في صحيفة "الأوبزرفر" اللندنية في نفس اليوم الذي كانت فيه صحيفة "النيويورك تايمز" الأميركية تتحدث عن الإنجازات في نيكاراغوا والنجاح الذي تحقق في "مد رقعة" القيم الأميركية المشفوعة بالرحمة وأعمال الخير .

ويجب أن نلاحظ أن تجارة الأعضاء لم تكن تخفى على الأميركيين ، فالرئيس كلنتون صدق على توصية مجلس الأمن القومي بفرض حصار على الصادرات التايوانية لمعاقبة تايوان بزعم فشلها في إيقاف تهريب قرون وحيد القرن وأعضاء الفهود (مساكين يبكون على وحيد القرن !) . وجاء عنوان "وول ستريت جورنال" : "الولايات المتحدة ستعاقب تايوان للتجارة في أعضاء الحيوانات" . وحين نأتي إلى تجارة الأعضاء البشرية في البرازيل والسلفادور والمكسيك وغواتيمالا وغيرها من الدول المشتركة في هذه الجرائم لا نسمع أي نقد اميركي لها !! (تشومسكي : الدول المارقة).

عمالة الأطفال :

حسب منظمة العمل الدولية (2006) هناك أكثر من 200 مليون طفل ضمن قوة العمل . يمارسون أعمالا تؤثر سلبا على نموهم العقلي والجسماني والعاطفي ، ويعمل الأطفال من أجل البقاء ، ولأن أسرهم تعتمد على دخولهم .

وتعمل حوالي ثلاثة أرباع قوة عمل الطفال في أسوأ أشكال عمالة الأطفال ، مثل أعمال التهريب والنزاعات المسلحة وتجارة العبيد ويتعرضون للاستغلال الجنسي والأعمال الخطرة. ويعمل 70% من الأطفال العمال في الزراعة. وهناك أكثر من 132 مليون ولد وبنت تتراوح أعمارهم بين 5 – 14 سنة يعملون في إنتاج الطعام والشراب والألياف والمواد الزراعية الأولية. (نهب الفقراء).

 

# عودة إلى القتلة الإقتصاديين خبراء البنك الدولي :

 خلق العائلات الثرية لتروّج لأهداف النخبة الأميركية :

-----------------------------------------------------

يكشف "جون بيركنز" عن الجانب غير المرئي في خطة القروض والمشروعات ، وهو تكوين مجموعة من العائلات الثرية ذات النفوذ الاقتصادي والسياسي داخل الدولة المدنيّة تعتنق نفس أفكار وأهداف النخبة الأميركية وترتبط سعادة ورفاهية الأثرياء الجُدُد بالتبعية طويلة المدى للولايات المتحدة ، رغم أن عبء القروض سيحرم الفقراء من الخدمات الاجتماعية لعقود قادمة ، ويدلل بيركنز على ذلك بأن مديونية العالم الثالث وصلت إلى 2,5 مليار مليار (تريليون) دولار وأن خدمة هذه الديون بلغت 375 مليار دولار سنويا في عام 2004 ، وهو رقم يفوق ما تنفقه دول العالم الثالث على الصحة والتعليم ، ويمثل 20 ضعفا لما تقدمه الدول المتقدمة من مساعدات خارجية .

# اللغة الماكرة :

------------------
يقول "جون بيركنز" إنه مع الخبراء الاقتصاديين قاموا بتطويع اللغة لتغليف إستراتيجيتهم في النهب الاقتصادي، وذلك باستخدام مفاهيم مثل "الحكم الرشيد ، وتحرير التجارة ، وحقوق المستهلك" بحيث لا تصبح السياسات الاقتصادية جيّدة إلا من خلال مخططات الشركات الكبرى.

وعلى الدول التي تقبل هذه المفاهيم خصخصة الصحة والتعليم وخدمات المياه والكهرباء أي أن تبيعها للشركات الكبرى ، وهي مضطرة بعد ذلك إلى إلغاء الدعم وجميع القيود التجارية التي تحمي الأعمال الوطنية، بينما عليها القبول باستمرار أميركا وشركائها من الدول الصناعية الكبرى في تقديم الدعم لقطاعات أعمالها وفرض القيود لحماية صناعاتها!.

# القراصنة الإقتصاديون وتدمير الإكوادور :

-------------------------------------------

يعترف "جون بيركنز" - أنه وزملاءه - توصلوا إلى دفع الإكوادور نحو الإفلاس، ففي ثلاثة عقود ارتفع حد الفقر من 50% إلى 70% من السكان، وازدادت نسبة البطالة من 15% إلى 70%، وارتفع الدين العام من 240 مليون دولار إلى 16 مليار دولار، وتخصص الإكوادور اليوم قرابة 50% من ميزانيتها لسداد الديون.
لم يكن أمام الإكوادور لشراء ديونها سوى بيع غاباتها إلى شركات البترول الأميركية حيث يكشف المؤلف أن هذا الهدف كان السبب الرئيسي في التركيز على الإكوادور وإغراقها بالديون نظراً لكون مخزون غابات الأمازون من النفط يحتوي على احتياطي منافس لنفط الشرق الأوسط.

منذ عام 1970 ارتفعت نسبة الفقر في الأكوادور من 50 إلى 70 بالمائة ، والبطالة من 15 إلى 70% ، وزادت الديون العامة من 240 مليون دولار إلى 16 مليار دولار في الوقت نفسه تدنت حصة الطبقات الفقيرة من المصادر القومية من 20 إلى 6% .

وبسبب مشاريع قراصنة الإقتصاد غرقت الإكوادور في الديون الخارجية ، وأصبح عليها أن ترصد جزءا كبيرا من ميزانيتها لتدسيد هذه الديون ، والطريقة الوحيدة لتسديد الديون الخارجية التي تكبّلها هي أن تبيع غاباتها لشركات البترول . وهو أهم سبب جعل القراصنة يضعون أعينهم على الإكوادور هو بحر البترول الذي تسبح فوقه .

من بين كل 100 دولار من عائد المواد الخام المأخوذة من الغابات تحصل شركات البترول على 75 دولارا ، أما الـ 25 دولاراً الباقية فتذهب ثلاثة أرباعها لسداد الديون الخارجية ، ومعظم ما يتبقى يذهب لتغطية شؤون الجيش وغيره من النفقات الحكومية . ويتبقى دولاران ونصف الدولار لنفقات الصحة والتعليم والبرامج التي تهدف إلى مساعدة الفقراء .

"جيم رولدوس أكويليرا" المدرّس في الجامعة والمحامي والذي أصبح في عام 1979 أول رئيس مُنتخب ديمقراطيا للإكوادور بعد صف طويل من الديكتاتوريين المدعومين من حكم تحالف أثرياء المال والشركات، حالما بدأ عمله كرئيس للبلاد احترم عهوده وبدأ بالوفاء بوعوده الإنتخابية بكبح جماح أطماع شركات البترول واستخدام الموارد الطبيعية لمصلحة فقراء البلاد. لم يذعن لرغبات رجال الإقتصاد المأجورين وبالتالي ستأتي المرحلة الثانية من التآمر الأمريكي وهو دور الثعالب المرتزقة .

في 24 أيار 1981 مات رولدوس بحادث تحطّم طائرة .

تصدّرت الصفحات الأولى من الصحف اللاتينية أخبار تحت عناوين رئيسية مثل "أغتيال من الـ سي آي إيه" .

عندما أصبحت الإكوادور في المرتبة الثانية في تصدير النفط الى الولايات المتحدة (بعد فنزويلا) اتسعت الهوّة بين الأغنياء والفقراء، وزاد تخريب البيئة وإهمال الثقافة والتعليم ، وتدهـورت العناية الصحية والخدمات الاجتماعية الأخرى.

كان تركيز عمل شركات النفط هو في مدينة "شل" التي سُمّيت على اسمها شركة البترول الشهيرة.

شكّل الكولونيل اليساري "لوتشيو غوتيريز" تحالفا فريدا يشمل القوات المسلحة الإكوادورية وأقوى منظمات الشعوب الأصلية ، دعمته القوات المسلحة لأنه كان واحدا منهم ، كولونيل متقاعد من الجيش ودعمه السكان لأنه رفض إعطاء أوامر لجنوده في مهاجمة تظاهراتهم عندما اقتحموا القصر الرئاسي في عام 2000 مُجبرين الرئيس "جميل معهود"على التخلي عن رئاسته. بدلا من ذلك أقام الكولونيل مطابخ عسكرية لإطعام المحتجين ، ومن ثمّ سمح لهم باحتلال مقر الهيئة التشريعية. عدم اطاعة غوييتيريز لأوامر رئيسه ساعد على إسقاط ذلك الرجل الذي كان مكروها من الفقراء بسبب دعمه الصريح لسياسات صتندوق النقد الدولي والبنك الدولي ، ومن ضمن هذه السياسات "دولرت" العملة الوطنية الإكوادورية أي إحلال الدولار محل العملة الوطنية . كان لهذا العمل عواقب سلبية وخيمة على كل مواطن إكوادوري ما عدا الأغنياء منهم الذين كانوا يستثمرون أموالهم في حسابات في البنوك الأجنبية وفي الأسهم في وول ستريت والعقارات في الخارج.

كان تحويل العملة الإكوادورية "السوكر" إلى الدولار قضية سياسية . لم تكن فقط نسفاً للعزة الوطنية، بل أيضا كانت تعني بان كل من لديه من الإكوادوريين حسابات بنكية بالدولار قد حقق أرباحاً كبيرة بين يوم وليلة ، بينما شاهد بقية السكان كيف انهارت ودائع نقدية كانوا قد جمعوها . عندما تسلّم "جميل معهود" الرئاسة في 1998  كان الدولار يساوي 6500 سوكر . في عام 2000 كان سعر الصرف الرسمي للدولار يساوي 25000 سوكر . هذا يعني أن من يملك دولارا واحدا من السوكر منذ سنتين يملك الآن 26 سنتاً ، بينما الرجل الثري بما يكفي أن يكون لديه حسابات بنكية بالدولار في مصرف خارجي قد ازداد غنى نسبة إلى السكان المحليين بمقدار 400% . كان هذا تغييرا ثابتا بينما كان السوكر يُسحب من التداول ليحل محله الدولار.   أقامت الولايات المتحدة قاعدة عسكرية بآلاف الجنود وبأحدث أجهزة التنصّت لحماية مصالحها ، فكانوا يسمعون وهم في مدينة "شل" كل ما يتفوّه به الهنود في الغابات . وكثرت الإشاعات حول مجموعة من المبشرين الذين يقبلون ملايين الدولارات من المؤسسات الوقفية المّمولة من شركات النفط مقابل زرع ميكروفونات مخفية في سلال الطعام وفي صناديق الأدوات الطبية التي كانوا يوزّعونها بسخاء على الناس . وفي كل مرة كان مجلس القبيلة يقرر إرسال محاربين من أجل تعطيل مخيم للنفط ، كانت وحدات الجيش المعزّزة بالطائرات المروحية تخرج من مدينة شل لتصل أولا إلى هناك قبلهم .

إنتخب غوتييريز رئيسا للإكوادور في تشرين الثاني عام 2000 . دُهش السكان الأصليون بانتصار مرشحهم . لم يكونوا يتوقعون ذلك إنما توقّعوا مزيدا من الأوقات العصيبة . واعتبرت البي بي سي انتصار لوسيو غوتييرير امتدادا لانتصار البرازيلي لولا . والفنزويلي شافيز . كان البلد يرزح تحت ديون ثقيلة ، ومستوى الفقر 60% والنظام السياسي غير مستقر . بعد تسلمه السلطة زار الرئيس غوتييرير الولايات المتحدة والتقى بالرئيس بوش ثم استضاف موظفي البنك الدولي في كويتو ، وبدأ مفاوضات مع شركات البترول (اعترافات قرصان اقتصادي) .

في كانون الثاني عام 2002 سي جي سي (شركة أرجنتينية) اتهمت مجموعة من سكان الأمازون بأخذ فريق من عمّالها كرهائن ، وقالت أن محاربي الأدغال كانوا قد تلقوا تدريباتهم على أيدي القاعدة الإسلامية !! .

بعد ذلك ظهرت حقيقة مروّعة ؛ لم تكن شركة البترول قد استلمت إذناً حكومياً ببدء عمليات الحفر ومع ذلك ادّعت بأن لها الحق في التجاوز على أراضي السكان الأصليين . صار الكثير من الأكوادوريين مقتنعين بأن الرئيس "غوتتيريز" كان يعقد صفقات سرّية مع شركات البترول . وقد وافق على مجموعة "برامج التكييف الهيكلية" المطروحة من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي . انتشرت في المدينة صورة لغوتييريز ممسكاً يداً بيد مع الرئيس المدمن بوش .

استمرت الأوضاع بالتدهور خلال عام 2004 . وتكاثرت الإشاعات حول فساد الحكومة والأرباح الفاحشة التي تحققها شركات البترول . ووفقا لأسوشيتدبريس تلاشت نزعة الميل اليساري لدى غوتييريز في العمل لمصلحة جمهور الناخبين وذلك بعد أن بدأ بتطبيق إجراءات تقشفية متضمنة تخفيض الإعانات الحكومية في المواد الغذائية والمحروقات لإرضاء الدائنين الدوليين. وعندما هدّدت المحكمة العليا في الإكوادور بالتدخل في سياسات الرئيس ، أعطى غوتيريز أوامره بإعادة تشكيلها وفي الجوهر حلّها . واندفع الإكوادوريون إلى الشوارع مطالبين بتنحي الرئيس الذي فرّ إلى المطار لمقابلة زوجته وأبنائه في بنما ولكن المتظاهرين حاصروا المطار فاضطر إلى اللجوء إلى سفارة البرازيل ليطلب اللجوء فيها .

يقول جون بيركنس : (كان الناس يسألونني دائماً من هو الرجل الإقتصادي المأجور الذي أفسد غوتييريز. لم يكن لديهم أدنى شك بأن الرئيس الإكوادوري كان يستسلم إلى مجموعة من التهديدات والرشاوي. وقد اتصل بي أحد " أبناء آوى " خدّام شركات الإستغلال وزعم بأنه هو ذلك الرجل بعينه) .         

في 20 نيسان عام 2005 صوّت أعضاء الهيئة التشريعية في كوتيو لعزل غوتييريز . وحلفوا اليمين الدستورية لنائبه "ألفريدو بالاسيو" وهو طبيب أمراض قلبية، كرئيس مؤقت . ولم يأخذ الرئيس الجديد وقتا طويلا لتحديد الإنتهاكات التي ارتُكبت ، والتي نشأت عن استعداد سلفه لتقديم التنازلات لصندوق النقد الدولي ، وواشنطن وول ستريت . بعد عزل الرئيس الأسبق بيومين ، كتبت نيويورك تايمز بأنّ بالاسيو قد انتقد صلات الرئيس السابق بالمؤسسات المالية العالمية المانحة للقروض ووصفا ذلك بانه من غير الأخلاقي أن يستخدم بلد 40% من ميزانيته من أجل خدمة الدين فقط . قالت التايمز أن السيّد بالاسيو اشار إلى أنه "يريد أن يستخدم عائدات النفط المخصصة لأجل الدين العام لكي ينفقها على الخدمات الإجتماعية" (جون بيركنز : اعترافات قرصان اقتصادي ، والتاريخ السري للامبراطورية الأميركية) .

# لعبة القروض المميتة .. ودور التكنوقراط المحليين في تنفيذها :

----------------------------------------------------------------

يحدّد بيركنز دوره في استخدام المنظمات المالية الدولية لخلق ظروف تؤدي إلى خضوع الدول النامية لهيمنة النخبة الأميركية التي تدير الحكومة والشركات والبنوك. فالخبير يقوم بإعداد الدراسات التي بناءً عليها توافق المنظمات المالية على تقديم قروض للدول النامية المستهدفة بغرض تطوير البنية الأساسية وبناء محطات توليد الكهرباء والطرق والموانئ والمطارات والمدن الصناعية، بشرط قيام المكاتب الهندسية وشركات المقاولات الأميركية بتنفيذ هذه المشروعات.
وفي حقيقة الأمر فإن الأموال بهذه الطريقة لا تغادر الولايات المتحدة حيث تتحوّل ببساطة من حسابات بنوك واشنطن إلى حسابات شركات في نيويورك أو هيوستن أو سان فرانسيسكو، ورغم أن هذه الأموال تعود بشكل فوري إلى أعضاء في "الكوربورقراطية - Corporatocracy" فإنه يبقى على الدولة المتلقية سداد أصل القرض والفوائد.
أما المثير في اعترافات بيركنز فهو تأكيده بأن مقياس نجاح الخبير يتناسب طرديا مع حجم القرض الذي يوقِع الحطومة المعنية في وهم الحاجة إليه من خلال دراسات مفعمة بالإحصائيات عن الواقع الراهن وخصوصاً الحاجات المستقبلية والطلب المتوقّع المرتبط بالزيادة السكانية .. وهكذا ، وتدعم تلك الدراسات أحاديث تلفزيونية ومقالات ومقابلات صحفيّة وندوات وزيارات لخبراء ومقابلات (تتضمّن رشاوي) مع تكنوقراط البلد الضحية الذي سيفترسه البنك ودعوة هؤلاء التكنوقراط إلى مؤتمرات متخصصة في بلدان تُقدّم لهم فيها خدمات الخمس نجوم وأحيانا يتم مفاتحتهم بالعمل لحساب الشركات الأميركية الكبرى أو توريطهم .
وسبب مباركة البنك لحجم القرض هو أنه  يجبر البلد المدين على التعثر بعد بضع سنوات في دفعه ! وعندئذ تفرض شروط الدائن (الولايات المتحدة بشكل رئيسي) التي تتنوع مثل :الموافقة على دعم تصويتٍ ما في الأمم المتحدة ، أو السيطرة على موارد معينة في البلد المدين ، أو قبول إقامة قاعدة عسكرية على أراضيه ، أو المشاركة بقسم من جيشه في قوات دوليّة .
يحدّد المؤلف نماذج التنبؤ التي يستعين بها الخبير لدراسة تأثير استثمار مليارات الدولارات في بلد ما على النمو الاقتصادي المتوقع لسنوات قادمة ولتقويم المشروعات المقترحة، كاشفا عن خداع الأرقام، فنمو الناتج الإجمالي القومي - على سبيل المثال - قد يكون نتيجة استفادة أقلية من المواطنين النخبة على حساب الأغلبية بحيث يزداد الثري ثراءً ويزداد الفقير فقراً. ورغم ذلك فإنه من الناحية الإحصائية البحتة يعتبر تقدماً اقتصادياً. (اعترافات قرصان اقتصادي).

# البنك الدولي وتدمير اقتصاد إندونيسيا وإبادة شعبها :

-----------------------------------------------------

قال "ريشارد نيكسون" في عام 1967 يصف ظفر الولايات المتحدة بالسيطرة على مقدّرات إندونيسيا :

"بالمائة مليون من سكانها ، وبجزرها المتقوّسة على امتداد ثلثمائة ميل محتويةً على أغنى مخزون من الموارد الطبيعية ، فإن إندونيسيا هي الجائزة الكبرى لأميركا في جنوب شرق آسيا"  

# إندونيسيا هي التلميذ النموذج للعولمة :

وقد اعتبر البنك الدولي إندونيسا "التلميذ النموذج للعولمة" ، وخلال أربع سنوات هربت رؤوس الأموال وتهاوت سوق الأوراق المالية وقيمة العملة المحلية ، ووصل من يعيشون في فقر مدقع إلى 70 مليون . وفي 1998 أُجبر الديكتاتور السفّاح "سوهارتو" على التقاعد بعد 30 عاما مع 15 مليار كمكافأة تقاعد ، وهذا يعادل 13% من الديون الخارجية التي يعود معظمها إلى البنك الدولي . تقاعد السفّاح بعد أن أباد مابين 800000 إلى مليون مواطن إندونيسي و200000 مواطن من تيمور الشرقية !! كانت إبنة سوهارتو تملك طريقا تفرض فيه رسوما على العابرين ، كما قسّم سوهارتو مصادر الثروة بين أبنائه ، مثلما اختص الجنرالات والمقربين منه بنصيب من ملكية البنوك والفنادق وقطاعات من الغابات .

يعمل آلاف العمال في إندونيسيا ويكسبون 72 بنسا أو نحو دولار واحد في اليوم ، وهو يوفّر نصف تكاليف المعيشة أي أجر يسد الرمق ، العمال في مصانع "نيكي" يحصلون على 4% من سعر التجزئة للحذاء الذي يقومون بصنعه ، وهو مبلغ لا يكفي لشراء رباط الحذاء . ومع ذلك فهؤلاء العمال يُعتبرون محظوظين لأن لديهم وظائف فـ "النجاح الاقتصادي الديناميكي المزدهر" وهي عبارة ثناء أخرى من البنك الدولي قد ترك أكثر من 36 مليون من الإندونيسيين يعانون البطالة .

يقول البنك أن مهمته في أندونيسيا الإقلال من الفقر فقدم 86 مليون دولار لبناء فندق "شانجري" بدعوى أنه "سوف يسهم في توفير وظائف منتظمة" ، ولكن بعد فترة قصيرة قام الفندق بفصل الغالبية من العمال بعد اضراب احتجاجا على انخفاض الأجور . قبل عام 1997 كان هنا عدد من البنوك يفوق ما موجود في أي مدينة على وجه الأرض ولكن نصفها لحق به الإفلاس بسبب فساد لا يمكن تصوّره .

خلال السنوات الخمس والثلاثين من حكم سوهارتو الديكتاتوري قدم البنك أكثر من ثلاثين مليار . وفي أغسطس 1997 كشف تقرير سري داخلي للبنك كُتب في جاكرتا عن الفضيحة العظمى في تاريخ التنمية حيث تضمن أن "ما لا يقل عن نسبة تتراوح بين عشرين وثلاثين في المائة من قروض البنك قد حُولت من خلال الدفع بطرق غير رسمية إلى أعضاء الحكومة الإندونيسية والسياسيين" .

# السفّأح سوهارتو هو محبوب الولايات المتحدة وبريطانيا :

وخلال فترة حكمه الديكتاتوري لم يكن يمضي يوم دون أن يتلقى الجنرال سوهارتو التهاني من أحد الساسة الغربيين على ما حققه من "استقرار" لخامس دولة من حيث تعداد السكان في العالم ، وكان الساسة البريطانيون هم الأكثر تقديرا له "للسياسة الاقتصادية الرشيدة" ، وصفته تاتشر بأنّه : "واحد من افضل أصدقائنا وأكثرهم جدارة" . وأشاد وزير خارجية جون ميجر بمراعاة "القيم الآسيوية" وهو التعبير الثقافي الذي يعني في حقيقته الافتقار إلى الديمقراطية والتعدي على حقوق الإنسان . وفي عام 1997 كانت الرحلة الأولى لوزير الخارجية البريطاني "روبن كوك" تشمل أندونيسيا وهناك صافح سوهارتو بحرارة إلى حد أن الصورة التي التقطت لهما تم اختيارها – وهنا الغرابة – لتكون على صدر التقرير الذي تصدره وزارة الخارجية حول حقوق الإنسان في العالم . رئيس وزراء استراليا خاطب سوهارتو السفّاح بالقول : "نحن نعرف أن شعيك يكن لك الحب" ، ويعتبره أيضاً "كالوالد" بالنسبة له . وفي عام 1996 قال "تيم فيشر" أنه إذا أرادت الصحف أن تختار رجل العالم في النصف الثاني من هذا القرن فإن عليها ألّا تتطلع إلى ما هو أبعد من جاكرتا .

والكل يعلم أن تقارير أمنستي إنترناشيونا (العفو الدولية) عن انتهاكات سوهارتو لحقوق الإنسان تملأ غرفة كاملة . وروبن كوك يعلم بالإستقصاء الذي أجرته لجنة الشؤون الخارجية بالبرلمان الإسترالي والذي انتهى إلى أن قوات سوهارتو قد تسببت في وفاة ما لا يقل عن 200000 من سكان تيمور الشرقية أو ما يعادل ثلث السكان . وكان التبرير الوحيد هو أن تجارة السلاح هي واحدة من نجاحات سوهارتو حيث استورد من بريطانيا اسلحة بمليارات الدولارات مثل مقاتلات هوك التي استخدمها في إبادة شعب تيمور الشرقية .

البنك الدولي يدمّر زراعة إندونيسيا :

قدّم صندوق النقد قروضا تضمنت شروطا بإلغاء الرسوم الجمركية التي كانت مفروضة على المستورد من المواد الغذائية الأساسية . ونصّ خطاب صندوق النقد على أن تكون "التجارة في كل انواع الأرز مفتوحة لعامّة المستوردين والمصدرين" أما الأسمدة المخصبة والمبيدات فقد خسرت نسبة 70% من الدعم الذي كانت تقدمه الدولة لخفض ثمنها . وتعرض المزارعون للإفلاس واضطر أبناؤهم إلى الهجرة إلى المدن بحثا عن عمل ، وزيادة على ذلك فإنها تعطي الضوء الأخضر لشركات المواد الغذائية الأمريكية العملاقة للتقدم داخل أندونيسيا ، والمعايير المزدوجة تتمثل في هذه الشروط التي تخنق وطأتها الأنفاس ، فالأعمال الزراعية في الغرب خاصة في الولايات المتحدة وأوروبا لم تحقّق فوائضها التي ذاع صيتها كما لم تحقق قوتها التصديرية إلّا نتيجة فرض الرسوم الجمركية العالية على الواردات المماثلة ومنح الدعومات المالية الداخلية الهائلة لها . وكانت النتيجة هي الوصول إلى احتكار المواد الغذائية الأساسية التي يقتات بها البشر في العالم .

جنين العولمة في آسيا قد بدأ حياته في رحم حمّام الدم الإندونيسي :

الرئيس سوكارنو قام بطرد البنك الدولي ورفض قروضه وقال : "ليذهبوا هم وقروضهم إلى الجحيم" . كما كان مؤسس حركة عدم الإنحياز وشجّع الحركات النسوية والثقافية ونقابات العمال والفلاحين . وقد أقرّ حرّية تشكيل الأحزاب وكان الحزب الشيوعي في المقدمة حيث بلغ عدد منتسبيه أكثر من مليون بسبب دفاعه عن مصالح الفقراء .

كشفت وثيقة سرّية بين رئيس وزراء بريطانيا هارولد ماكميلان والرئيس الأمريكي جون كنيدي أن القرار قد أقر على "تصفية" سوكارنو ، ولكن لم يتم التحديد هل تتم التصفية بالقتل أو الإقصاء. 

سلّمت الولايات المتحدة قوائم بخمسة آلاف قيادي في الحزب الشيوعي ، وكان المسؤولون الأميركيون يقومون بحذف اسم من يقتله الجيش الإندونيسي . (أبلغنا سوهارتو ومستشاريه بأننا إذا أردنا الإبقاء عليهم أحياء ، فإنّ علينا أن نتولى إطعامهم !" . وزوّدت الجيش بشبكة من الإتصالات الميدانية ذات الترددات العالية التي كانت تتيح للرئيس جونسون ومستشاريه ووكالة المخابرات سماع كل شيء ومتابعته .

السفير الأمريكي كان هو "مارشال كرين" ويُلقب بـ "سيد الانقلابات – coup master" ووصل بعد شهور من الإطاحة بالزعيم الكوري "سيجمان زي" الذي كان الأمريكيون وراء إزاحته من السلطة وكان كرين عقله المدبر .

وزّعت السفارة كتيبات حول التنظيم الطلابي مكتوبة بالكورية والجنوبية على جبهة العمل الطلابي الإندونيسي التي كان قادتها يحظون برعاية وكالة المخابرات المركزية الأميركية . وكان يخبر سوهارتو في ذروة الأزمة : "إن الولايات المتحدة تتعاطف بوجه عام مع ما يفعله الجيش ، وتشعر بالإعجاب تجاهه" .

اعتبرت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية الديمقراطية ما حصل في إندونيسيا من مجازر رهيبة : "شعاع من الضوء في آسيا".

امتلأت الأنهار بالجثث التي تراكمت فيها مثل الكتل الخشبية ، فمن قرية إلى أخرى كان الشبان يُذبحون بلا سبب ، ويستدل على مصرعهم بتلك الصفوف من أعضاء ذكورتهم المُجتثة من أجسادهم .

ظهر بعد المؤامرة أن ولا ضابط من المعتقلين المتهمين له علاقة بالحزب الشيوعي

مجلة "الإسترالي" وصاحبها روبرت مردوخ ، وهي الوحيدة التي توزع على المستوى الوطني كانت تمدح سوهارتو وتنفي المجازر الدموية . ورئيس تحريرها كان يكتب عن سوهارتو بـ "لا يوجد بديل لسوهارتو" وذلك قبل وقت قليل من الإطاحة به ويصفه بالمعتدل. وسوهارتو وقت المؤامرة كان قائد منطقة جاكارتا واستولى على الحكم .

قتل مليون إنسان يعني علامة تحوّل إيجابي :

رئيس وزراء استراليا هارولد هولت قال : "عندما يتم التخلّص مما يتراوح بين خمسمائة ألف ومليون من المتعاطفين مع الشيوعيين ففي اعتقادي أنه يمكن القول بكل طمأنينة أنه قد حدث تحوّل في التوجّه" . وفي جزيرة بالي فقط كلّفت عملية إعادة توجه واحدة قتل 80 ألف شخص . الكثير من الضحايا دُفنوا في أرضيات مواقف السيارات

كانت أحداث إندونيسيا النموذج لأحداث تشيلي حيث دُبّرت مؤامرة يسارية لاغتيال القادة العسكريين التشيليين مثل ما حصل في إندونيسيا ، وهي النموذج لعملية العنقاء – operation phoenix في فيتنام والتي كلّفت 50 ألف قتيل (كتاب حكام العالم الجدد ، تشومسكي : الغزو مستمر).

مؤتمر الفرهود الدولي :

في نوفمبر 1967 عقد مؤتمر للفرهود الدولي حيث جع الشركات الكبرى (ديفيد روكفلر ، شركات نفط والمصارف الكبرى ، وجنرال موتورز وبريتش أمريكان توباكو ، وسيمنس ، وشركة الورق الدولية والشركة الأميركية للصلب) وأمامهم لجنة من ثلاثة مسؤولين يمثلون سوهارتو وتم توزيع ثروات البلاد على الشركات : النحاس والذهب والنفط وجوز الهند وكل شيء ..

وضعت الخطة بإيعاز من مؤسسة فورد التي كان لها تاريخ طويل في إندونيسيا وتعمل من خلال منظمات تشكل واجهة لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية مثل مركز الدراسات الدولية ومؤسسة ستانفورد للأبحاث وأرسلت فريقا إلى جاكرتا ،وأعدَّ الخطة دافي كولي الاقتصادي بجامعة هارفارد والذي استُدعي لهذه المهمة من قبل الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية ، وهي فرع من زارة الخارجية ، وكان كولي قد فرغ للتو من إعادة صياغة للقواعد المصرفية لكوريا الجنوبية وفقا لمتطلبات واشنطن . سُمّي وفد سوهارتو بـ "مافيا بيركلي" لأن أعضاءه حظوا سابقا بمنح دراسية من الحكومة الأميركية للدراسة في جامعة كاليفورنيا في بيركلي . الدكتور "أميل سالم" عضو الوفد برّر عدم الإشارة بكلمة إلى المجازر آنذاك بأنه لم يكن يملك تلفزيون آنذاك ، وأن "هاتفي لم يكن يعمل جيدا" . مع الفرهود إعفاء من الضرائب لمدة خمس سنوات . وانتقلت السيطرة الحقيقية والسرية على الاقتصاد الإندونيسي إلى المجموعة الدولية – الحكومية لإندونيسا IGGI  ، والتي يتألف أعضاؤها من الولايات المتحدة وكندا واستراليا وأوروبا والعضوين الأكثر اهمية : البنك الدولي وصندوق النقد الدولي . كتب الرئيس جونسون عن "القصة الرائعة التي تجسد الفرصة السانحة والوعد المنبعث" .

لم تكن البلاد مدينة وقت سوكارنو والآن غرقت في الديون . عام 1995 تولّى البنك "جيمس ولفنسون" الذي هاجم الصحفيين الذين كشفوا عن أن البنك قد سمح للملايين من الدولارات بأن تنفذ إلى جيوب رجال نظام سوهارتو . وقد "خسر" البنك الدولي ما يقرب عشرة مليارات دولار في إندونيسيا بالتستر والاختلاس والرشى والفساد .

إندونيسيا التي لم تكن مدينة صار إجمالي ديونها هو 262 مليار دولار وهو ما يعادل 170% من إجمالي ناتجها المحلي ، وليس هناك دين يماثل ذلك على مستوى العالم كله ، إنه دين غير قابل للسداد على وجه الإطلاق . إنه فجوة بلا قاع . والذين سوف يستمرون في سداد هذه الديون ويدفعون حياتهم مقابل ذلك في بعض الأحيان هم الناس العاديون . (كتاب نهب الفقراء) .

عودة إلى اعترافات القاتل الإقتصادي :

ينبغي إعادة التأكيد أوّلاً على أن (وظيفة بيركنز يمكن أن تتلخص في فتح أسواق خارج أمريكا لتحقق من خلالها الشركات الأمريكية مكاسب هائلة بطرق غير شرعية، إنشاء مشروعات ضخمة في دول العالم الثالث، تضع تلك المشروعات الدول النامية في دائرة ديون جهنمية لا فكاك منها، فتصير خاضعة لسياسات الولايات المتحدة، لنفهم بدقة معني كلمة قاتل إقتصادي، يمكننا أن نحكي دور بيركنز في إندونيسيا :

في أوائل السبعينات كان من الواضح أمريكا قد خسرت الحرب في فيتنام. في ذلك الوقت كانت هناك نظرية سياسية شائعة في الأوساط السياسية الأمريكية هي نظرية الدومينو، والتي تتلخص في أن الدولة التي تسقط في قبضة الشيوعية "تُعدي" الدولة المجاورة لها وتنقل لها "فيروس" الشيوعية، تماماً مثل ما يحدث عندما نرص قطع الدومينو بجوار بعضها البعض في وضع قائم. ما أن تسقط أول قطعة حتى تتسبب في سقوط باقي القطع تباعاً.

هي نظرية وُضعت كنوع من التبرير العلمي للبلطجة الأمريكية وإعطاء أمريكا الحق في التدخل العسكري والسياسي والإقتصادي في أي دولة بدعوى حماية نفسها من الزحف الشيوعي الذي قد يطول أمريكا تبعاً لهذه النظرية.

بسبب الهزيمة العسكرية في فيتنام و طبقا لنظرية الدومينو، كان من الضروري لأمريكا أن تدخل جنوب شرق آسيا وتفرض سيطرتها بطرق غير عسكرية. وقع الإختيار علي إندونيسيا لأن لديها الكثير من النفط والكثير من السكان وأكثرهم من المسلمين.

الفكرة هنا أن أندونيسيا تنال قرضاً من البنك الدولي. هذا القرض يذهب لإنشاء شبكات الكهرباء المحلية في إندونيسيا، والتي تقوم بإنشائها شركة أمريكية – هي الشركة التي يعمل بها بيركنز. القرض قيمته كبيرة وفوائده رهيبة بشكل يضمن أن تزحف أندونيسيا على بطنها تحت وطأته لفترة طويلة، إذ أن أمريكا والبنك الدولي سياخذون البترول في مقابل تقديم تسهيلات لإندونيسيا لسداد القرض حين تزداد وطأته عليها، أو يكون على إندونيسيا تقديم تنازلات سياسية للولايات المتحدة الأمريكية.

الوفد الذي ذهب مع بيركنز إلى إندونيسيا لم يكن يدري شيئاً عن هذه اللعبة. هم مجموعة من المهندسين و التقنيين الذين يقومون بما إعتادوا أن يفعلوه دوماً: تصميم شبكة كهرباء عملاقة. بيركنز كان يقوم بالتقييم الإقتصادي للقرض المطلوب والتنسيق مع مسئولي البنك الدولي، مع رشوة المسئولين في إندونيسيا ليوافقوا علي الصفقة. بالطبع لابد من أن يكون التقييم الإقتصادي للمشروع مبالغاً فيه إلي درجة رهيبة لكي تزيد قيمة القرض وبالتالي تحقق اللعبة هدفها.

الدور نفسه قام به بيركنز في الكثير من دول العالم، كولومبيا، الإكوادور، بنما، مصر، السعودية، الخ. (موقع حيتان البورصة الإلكتروني).

شبكة الفساد الرهيبة :

ذكر بيركنز أنه إلتقي بروبرت ماكميلان مدير البنك الدولي عدة مرات، وقد أثنى عليه ماكميلان أكثر من مرة. بالتأكيد ماكميلان كان على علم بالدور القذر الذي يلعبه بيركنز وأمثاله، فكما قال بيركنز فإن الكثير من خبراء البنك الدولي ليسوا سيئين أو فاسدين ، ولكن من يحتلون المناصب العليا هم الفاسدون وهم من يتعاون مع القتلة الإقتصاديين العاملين في الشركات الأمريكية. على حد تعبير بيركنز: "يمكنك أن تكون خبيراً من خبراء البنك الدولي وتحمل الدكتوراه في الإقتصاد. يمكنك أن تراجع تقديراتي الإقتصادية المبالغ فيها وترفضها وسأصر أنا علي رأيي وتقديراتي وعندها نصعد الأمر الي رئيسك الذي سيقر تقديراتي وتقاريري لأنه قاتل إقتصادي مثلي".

حتي في المؤسسات الأمريكية العملاقة فإن الفساد حكر على عدد قليل من القادة والخبراء الإقتصاديين، باقي الناس لا يعرفون اللعبة وحتي إن عرف أحدهم وحاول أن يعيق الأرباح المهولة فإن الشركة تزيحه.

في أثناء تقييمه للمشروعات في إندونيسيا كان بيركنز يقوم بالتقييم الإقتصادي للموقف وهو بالطبع تقييم مبالغ فيه كما قلنا من قبل. شخص آخر كان عليه أن يقيّم كمية الطاقة التي تحتاجها إندونيسيا والتي سيوفّرها هذا المشروع وقد قام هذا الشخص بتقييم سليم للموضوع. المشكلة أن التقييمين تعارضا، في حين أن التقييمين لا بُدّ أن يكونا مترابطين بشكل ما لأن كمية الطاقة المطلوبة تتناسب مع النمو الإقتصادي في البلاد ومع قيمة القرض الذي ستحصل عليه من البنك الدولي ، ويذهب إلى الشركة.

حاول بيركنز أن يناقش مع زميله تقييمه للطاقة التي يفترض من المشروع أن ينتجها وأصرّ زميله على رأيه لأنه لم يكن يعرف اللعبة التي يلعبها بيركنز. حين عادا إلى مقر الشركة في أمريكا تم طرد زميله وإعطاء صلاحياته ومسئولياته لبيركنز وتّم المشروع.

# البنك الدولي وتدمير الشعوب بالديون الخارجية :

------------------------------------------------

بعد أن كانت البلدان النامية تقترض الأموال في السبعينات بمعدل فائدة حوالي 10% من أحل مشروعات كبيرة حمقاء غالبا ، وجدت أن عليها في الثمانينات من القرن أن ترد القروض بمعدل فائدة يصل إلى 20% . وفي نفس الوقت انخفضت اسعار السلع بشدة بينما واصلت البلاد الغربية حماية أسواقها بقوة في وجه السلع المُصنعة في البلاد النامية . ومع تراجع حجم المعونات كان على البلاد النامية أن تدبّر المزيد من النقد الأجنبي في وقت تتلقى فيه مبالغ أقل من هذه العملات . وبدأت تظهر مشكلات عجز الميزانيات فأصبح الباب مفتوحا أمام البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومعه برامج التكييف الهيكلي . فعرضت على البلدان النامية القروض .

وقد ثبت أن الديون الأجنبية من أكبر العوامل التي تبقي الناس على فقرهم . وصارت البلدان النامية تحوّل الأموال بعيدا عن الصحة والتعليم لتتمكن من تسديد الديون . وقد ارتفع إجمالي ديون البلدان النامية من 90 مليار دولار في عام 1955 إلى 572 مليار عام 1980 ليصل إلى 2000 مليار عام 1996 . . في عام 2005 بلغت حصّة البلدان الـ 149 الأكثر فقرا من الديون 2700 مليار دولار . . وخلال عام 2005 دفعت البدان النامية للعالم الغني 513 مليار دولار كخدمة للدين (الفوائد إلى جانب الأقساط التي حلّ موعدها). بمعدل مليار ونصف المليار دولار يوميا تقريبا ، ودفع أفقر 53 بلداً حوالي 43 مليار دولار بما يعادل 118 مليون يوميا .

وفي 2005 بلغ إجمالي المساعدات التي قدمتها البلاد الغربية للبلاد النامية 106,8 مليار دولار كما تشير منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي في مقابل هذا دفعت البلاد النامية لبلاد الغرب 513 مليار دولار ، اي ما يوازي خمسة أضعاف المبلغ ، وهذا يطرح سؤالاً مهماً : مَنْ يساعد مَنْ ؟

ويرى تقرير التنمية البشرية لعام 1997 أنه إذا تخفّفت البلاد النامية المثقلة بالديون من الأقساط السنوية للديون ، فبإمكانها استخدام الأموال في استثمارات يمكنها أن تنقذ حياة حوالي 21 مليون طفل بحلول عام 2000 بمعدل 7 ملايين طفل سنوياً في أفريقيا وحدها وتوفير التعليم الاساسي لـ 90 مليون فتاة وامرأة (غارودي : الولايات المتحدة طليعة الانحطاط).

 

# البنك الدولي وتدمير الشعوب بإنشاء السدود :

----------------------------------------------

لقد طُرد ما بين 40 إلى 80 مليون شخص من أراضيهم لإفساح المجال أمام بناء السدود التي يموّلها البنك الدولي بالإتفاق مع الشركات عابرة القومية . والسدود تخزن كميات كبيرة من المياه فتغمر الأراضي والبيوت ، وينتقل الناس إلى الغابات فيقطعون اشجارها في محاولتهم للبقاء ، وتوفر السدود الكهرباء للمناطق الحضرية أمّا الأرياف فلا تستفيد كثيرا . وإذا كان المقصود من هذه المشروعات أيضا تسريع التنمية فقد تسبّبت بدلا من ذلك في مزيد من الإفقار والتدهور البيئي وانتهاك حقوق الإنسان .

وقد أصدرت لجنة السدود العالمية في نوفمبر 2000 تقريرا ينتقد السدود بشدة ويوضح أنها أسفرت عن طاقة أقل وروت أراض أقل ، ووفّرت  قدراً أقل من مياه الشرب عمّا كان مُخططاً له ، وبينما تستطيع السدود منع حدوث بعض الفيضانات وجدت اللجنة انها أيضا يمكن أن تفاقم الدمار الذي تُحدثه الفيضانات .

وتموّل معظم مشروعات السدود من قبل البنك الدولي معتمدا على الشركات العابرة للقوميات الخاصة بالإنشاءات والتي أَثْرَتْ ثراءً فاحشا من هذه المشاريع حيث تحصل على الأموال من قروض البنك الدولي . وتتجاوز كلفة السدود دائما التقديرات الأصلية الموضوعة لها ، ويُترك عبء الفواتير الإضافية لحكومات البلدان النامية .

فضيحة سد فيكتوريا في سريلانكا :

ويستنزف تمويل برامج السدود الضخمة قدراً كبيراً من أموال المعونة التي يقدمها البنك الدولي ، ويبدو الأمر مثيرا للشك إن لم يُعتبر فضيحة . ففي 1980 خُصّص 100 مليون جنيه استرليني من المعونة البريطانية لصالح سد فيكتوريا المُزمع إقامته في سريلانكا ، وكان هذا المبلغ أكبر حصّة من المعونة البريطانية تفرد من أجل مشروع واحد حينها. وكان من المتوقع أن يتكلف السد حوالي 127 مليون جنيه استرليني ، تتحمل الحكومة السريلانكية 37 مليون جنيه منها ، وعندما اكتمل بناء السد في عام 1984 ، قفزت الكلفة إلى 240 مليون جنيه . وزادت الحكومة البريطانية المعونة المقدّمة إلى سريلانكا قليلاً على سبيل تعويض الزيادة ، فدفعت حوالي 13 مليون جنيه . ولكن بدلا من أن تدفع 37 مليون جنيه ، كان على حكومة سريلانكا تدبير المبلغ المتبقي من التكلفة وقدره 127 مليون ، وفي النهاية كان على الشعب السريلانكي تدبير هذا الفرق .

وتلقت 15 شركة بريطانية ما يقرب من 200 مليون جنيه من أجل بناء السد (الذي يولّد الكهرباء المستخدمة في المناطق الصناعية والحضرية)، وحيث غمر السد منطقة واسعة كان لابد من انتزاع حوالي 50000 شخص من منازلهم مُنحوا أرضا في جزء آخر من البلاد ، غالبا في مناطق مُغطاة بالغابات ، كان عليهم إزالتها أوّلاً حتى يتمكنوا من زراعة محاصيلهم الغذائية.

ويمثل سدّ فيكتوريا واحدا من أربعة سدود ضخمة ضمن برنامج تنمية سريلانكا ، وكان من المتوقع أن يتكلف المشروع كله حوالي 700 مليون جنيه ، منها 400 مليون جنيه من المعونة الخارجية ، بينما على سريلانكا تدبير 300 مليون جنيه ، وفي 1984 قفزت التكلفة إلى ما يزيد على 2000 مليون كان على البلد المضيف تدبير 1600 ملبون جنيه منها – بما يزيد على خمسة أضعاف عمّا كان متوقعا في الأصل . وقد أسفر هذا المشروع عن تحويل ضخم للثروة من الشعب في أحد أفقر البلدان النامية إلى بعض أكبر الشركات عابرة القومية . وكان الفقراء هذه المرة ايضا الأكثر معاناة .

في ماليزيا .. معونة لإنشاء سدّ مقابل صفقة سلاح !

وهناك "لعبة" خطيرة في تمويل سد بيرجو شمال ماليزيا الذي عملت فيه 200 شركة بريطانية حيث وافقت بريطانيا على تقديم معونة لبناء السدّ لإغراء ماليزيا بإتمام صفقة اسلحة قيمتها 1,3 مليار جنيه إسترليني . ومرة أخرى قفزت تكلفة بناء السدّ ، وعبّرت لجنة الحسابات العامة في مجلس العموم عن "الدهشة" لأن اشتراك الشركات البريطانية في مشروع بيرجو رفع السعر من 316 مليون إلى 397 مليون إسترليني خلال أسبوعين من تصديق الحكومة البريطانية على المشروع . واتهم مسؤولون من ماليزيا الشركات البريطانية بمراوغة الحكومة الماليزية من خلال عقود ضخمة.

ولم يكد الخلاف حول مشروع سد بيرجو يخمد ، إلّا وكان هناك مشروع لإقامة سد أكبر في ماليزيا ، قوبل بانتقادات شديدة من جانب جماعات البيئة في البلاد ، فإنشاؤه يتطلب ترحيل 10000 شخص من السكان الأصليين .. كما أن السبيل الوحيد لإتمام بناء هذا السد هو أن ترفع الحكومة تعريفة الكهرباء . والفقراء هم الذين سيتكبدون مرة أخرى المزيد من المعاناة" . (كتاب نهب الفقراء) .

# البنك الدولي وتدمير الشعوب من خلال تمويل شركات النفط الإحتكارية :

------------------------------------------------------------

يُعد البنك الدولي الممول الرئيسي لاستخراج النفط في البلدان النامية . ففي عام 2007، قدّمت مؤسسة التمويل الدولية ذراع البنك الدولي في مجال إقراض القطاع الخاص ما يزيد على 645 مليون دولار إلى شركات النفط والغاز . ويمثل هذا زيادة بنسبة 40% على الأقل مقارنة بعام 2006 . وزاد البنك الدولي من التزاماته في قطاع الطاقة في 2006 من 2.8 مليار دولار إلى 4.4 مليار دولار ، وبلغت التزاماته تجاه قطاع الغاز والطاقة 77% من إجمالي برنامج قطاع الطاقة ، بينما بلغت "مصادر الطاقة المتجددة" – مثل الرياح والشمس والكهرومائية الصغيرة – 5% فقط.

كما أن منظمة التنمية الدولية التابعة للبنك الدولي التي من شأنها إقراض البلدان الفقيرة متورّطة في هذه المسألة. إذ تقدّم هذه المنظمة ووكالة ضمان الاستثمارات متعددة الأطراف ضمانات للقروض الى حكومة غانا ، وكذلك الى شركة خطوط أنابيب أفريقيا الوسطى . وهناك ضمانات على المخاطر المالية والسياسية ، قيمتها 600 مليون دولار خاصة بمشروع خطوط أنابيب الغاز في أفريقيا الوسطى تهدف إلى حماية استثمارات شركات شيفرون وتيكساكو وشل عابرة القومية .

وسينقل المشروع الغاز من نيجيريا عبر 680 كلم من الأنابيب إلى محطة نهائية في غانا ، وسيترك بصماته السلبية على مجتمعات نيجيريا ويدهور البيئة ، ويصرف الأنظار عن محنة الغاز المشتعل في نيجيريا حيث تطلق شركة شل 1100 قدم مكعب يوميا من الغاز في نيجيريا أي حوالي عشر الغاز الذي يتم إشعاله في كل العالم . ويسهم هذا الفاقد في الاحترار العالمي كما أنه يدمّر الأرض القريبة التي يتم فيها الإشعال . وقد كان "كين سارو ويوا" رئيسا لحركة مضادة لشركة شل اعتقلته الحكومة النيجيرية وأعدمته عام 1995 بضغط من الشركة .

ويبدو أن هناك إجماع عام على ضرورة وضع حد لهذا الإشتعال ، والغريب أن البنك الدولي موّل مشروعا سوف يعمل بشكل مكثّف على إشعال الغاز في هذه المجتمعات.

وبالتواطؤ مع شركات النفط عابرة القومية والمؤسسات المالية الدولية الأخرى ، يضع البنك الدولي الأساس الذي يقوم عليه مستقبل مشروعات الطاقة المتمركزة ، حيث تحكم قلّة مُختارة قبضتها بحزم على إمدادات الطاقة موفراً لها سيطرة غير محدودة على الطاقة في البلدان النامية.

وفي أواخر أكتوبر 2007 طلبت أكثر من 200 منظمة من 56 دولة من البنك الدولي أن يكف عن دعم صناعة النفط .

وبتمويله مشروعات النفط يقوّض البنك الدولي أهدافه لمحاربة فقر الطاقة وتقليص الانبعاثات الحرارية . كما أنه يؤيد مشكلات الصراع وانتهاكات حقوق الإنسان التي تصاحب دائما مشروعات الإستخراج كما في حالة خط أنابيب تشاد – الكاميرون . (نهب الفقراء)

 

# البنك الدولي وتدمير الشعوب بتمويل شركات التعدين العابرة للقوميات :

------------------------------------------------------------

يرعى البنك الدولي وصندوق النقد الدولي الشركات العابرة للقومية المختصة بتعدين المعادن من خلال توفير القروض الهائلة التي علمنا الآن – ومن خلال العرض السابق - أنّها تُدفع من دم فقراء شعوب البلدان النامية ، ومن خلال برامج الإصلاح الهيكلي التي تفرض "خصخصة" المناجم ومشاريع التعدين في تلك البلدان التي ستخسر ثروتها لتستولي عليها ديناصورات الشركات العابرة للقومية مثلما يخسر العاملون وظائفهم وتُدمّر صحتهم وتُحرق بيئتهم . ناهيك عن الإعفاءات الضريبة على الشركات التي يقترحها البنك الدولي لتشجيع الإستثمار وتحرير الاقتصاد كما يقول .

لقد اضطرت إحدى العاملات في وزارة البيئة البريطانية إلى القول :

"لم أرَ في عمري شيئا يتضمن هذا القدر من التدمير المنظم كبرنامج التعدين في الفلبين ، فالآثار البيئية تُنذر بكارثة على أرزاق الناس"  .

ولمن لا يعلم من السادة القرّاء فإن التعدين يعد خامس أكبر القطاعات الاقتصادية حجما في العالم . وهو يساعد في توفير الذهب والكهرباء والتلفزيون والناقلات والطائرات والمبرّدات والأسلحة والذخيرة ومعجون الأسنان . ولكن تترتب عليه أضرار اجتماعية وبيئية ضخمة مصدر معظمها ممارسات الشركات العابرة للقومية في البلدان النامية . فهناك تدمير البيئة بقطع الغابات والتضحية بالأراضي المخصصة لزراعة المحاصيل الزراعية ، هناك استنزاف المياه حيث يستهلك صنع خاتم ذهب 62 مليون طن من المياه تكفي لسد حاجة مياه الشرب لـ 6,5 مليون مواطن ، وهناك المخلفات حيث تُخلف صناعة خاتم من الذهب مثلاً 18 طنّاً من المخلفات وراءها !

ولكن هناك الأرباح الضخمة فهناك أكثر من 4000 شركة تعدين في العالم ، منها 149 من كبار اللاعبين تستحوذ على 60% من إنتاج العالم .

والمفروض أن تعود هذه الصناعة بالثروة والرفاه على البلدان المالكة للثروات ، ولكن الأمر الواقع على العكس من هذه الفرضية المنطقية ، فزامبيا مثلا تحتفظ باحتياطيات ضخمة من النحاس ، لكن البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ألحّ على خصخصة المناجم ، وتشهد أسعار النحاس التصاعد منذ عام 2005 ، لكن زامبيا لا تستفيد من هذه الزيادة ، وشهد التعليم والصحة تدهوراً كبيرا لميل الكفة إلى صالح الشركات . 

وما لا يلتفت إليه أحد هو التخريب الثقافي لشعوب تلك البلدان من خلال التهجير حيث تسبّب التعدين في تهجير 100 مليون مواطن في البلدان النامية . من المناطق التي شبّوا وترعرعوا فيها . سبّب التعدين انتشار مرض "الليشمانيا" الذي ينتقل بسبب ذباب الرمل ويظهر بسبب أنشطة مثل التعدين وشق الطرق وإقامة السدود .

وفي غانا ترتب على ترشيد المناجم الاستغناء عن نصف العمال (زيادة البطالة) ومن بقوا يستلمون أجورا أقل هي عشر أجور العمال البيض نظير عمل مماثل ، ويتعرضون لسوء المعاملة والأمراض الفتّاكة ومنها السرطان .

وهذه الشركات تسيطر على الحكومات وتُشعل الصراعات ، فشركة (ب . هـ . بي) التي تضم 39 ألف عامل وتتحكم بثلث مصادر اليورانيوم في العالم ، متورّطة في نزاعات عرقية في الفلبين ، وقد اصدرت حكومة غينيا الجديدة عام 2002 قانوناً يحرم على أي وكالة حكومية اتخاذ أي اجراء ضد هذه الشركة فيما يتعلق بالمنجم الذي تثور حوله مشاكل البيئة . هذا المنجم اكتشفته الشركة في أوائل الثمانينات كأكبر مستودع للذهب والنحاس في العالم . وقد بنت الشركة سدّاً لجمع مخلفات التعدين لكنه انهار عام 1984 وصارت 200 ألف طن من مخلفات النحاس المُنتج سنويا وبقايا السيانيد تُصرف إلى النهر الرئيسي فأصبح ساماً لا يصلح للشرب ، وارتفع قاعه ، وخربت الحياة النباتية ، ووصلت مساحة الغابات المتضررة إلى 2040 كيلومتر مربع . تناقصت كميات الأسماك بنسبة 80% . وتضرّر 50 ألف شخص يعيشون على مجرى النهر . وقد تضررت مساحة قدرها 1300 كيلومتر مربع كانت تزرع فيها محاصيل غذائية للسكان . وقد عرضت الشركة في عام 2001 التنازل عن حصتها مقابل إعفائها من المسؤولية عمّا أحدثته من تدمير للبيئة (أي أن الشركة هي التي تبتز الحكومة !) .

وفي منجم آخر حصلت حرب أهلية بسبب العمليات حصدت أرواح 10% من سكان جزيرة غينيا الجديدة (جزيرة بابوا) معظمهم من المدنيين الأبرياء ،

وفي إندونيسيا هناك منجم فريبورت ثاني أكبر منجم للنحاس في العالم ، ويحوي أكبر مستودع للذهب ، وتُقدّر قيمته بأكثر من 40 مليار دولار ، حُظرت المنطقة المحيطة على السكان وطُرد منها المزارعون التقليديون . مقر الشركة الأم في الولايات المتحدة وهي تملك أيضا 62% من مشروع النحاس والذهب في الفلبين . وسوف يهدّد منجم فريبورت الأمن الغذائي الإندونيسي ، وموقعه عبارة عن منطقة شلّالات مياه تغذي خمسة أنهار في أربع مناطق للمياه سوف يتم تلويثها بالسموم المميتة .

الفلبين :

بعد صدور القانون الخاص بالتعدين ، سجّلت شركات التعدين العابرة للقومية باسمها "مساحات من الأرض تعادل ربع مساحة الفلبين على أقل تقدير" ، وكثير من مناطق التعدين هي أراضٍ يتوارثها 8.5 مليون من السكان الأصليين الأمر الذي سيثير اضطرابات اجتماعية خطيرة. ويُقال أن برنامج الأمم المتحدة للتنمية وغيره يتولى تمويل جهود الحكومة لجذب المستثمرين الأجانب في مجال التعدين (يعنى حتى الأمم المتحدة متورطة !!) حتى لو ترتب على ذلك حرمان من هم أكثر فقرا من أراضيهم. حيث يهدّد قانون التعدين عام 1995 مصادر رزق 100 ألف من المواطنين المعدّنين الصغار الذين لم تعد تسمح لهم الشركات بالإقتراب من الأراضي .

افريقيا :

منذ بداية تسعينات القرن الماضي ، فتح أكثر من 30 بلدا في أفريقيا ابوابه أمام شركات التعدين العالمية ، وسارعت الحكومات ببيع المناجم المملوكة للدولة .

في ناميبيا وبعد عشرين عاما من العمل في منجم اليورانيوم صار العمال يعانون من السرطان بسبب ظروف العمل المروعة التي عملوا في ظلها .

ويعد منجم اليورانيوم في مدغشقر هو الأول في سلسلة من المشروعات التي تخطط لها شركات التعدين والبنك الدولي في مدغشقر لاستغلال مواردها المعدنية . ويزعم البنك الدولي أن هذه التنمية من شأنها تحقيق الازدهار لاقتصاد مدغشقر ، وهناك أكثر من ألف شخص تأثروا بشكل مؤقت بسبب المشروع ، بالإضافة إلى محدودية عوائد الحكومة .

وفي جمهورية الكونغو الديمقراطية هناك احتياطيات معدنية ضخمة منها الذهب والماس و10% من نحاس العالم وأكثر من ثلث معدن الكولتان الذي يستخدم في الهواتف النقالة ، وتموّل شركات التعدين لوردات الحرب الأهلية .

غانا غنية بالذهب والماس والمنغنيز والبوكسايت . ومنذ الثمانينات تمّت خصخصة كل المناجم المملوكة للدولة ، وتوجّهت إليها 200 شركة تعدين سلبت ثرواتها . وقد أصبحت أغلب مياه الأنهار في هذ البلاد غير صالحة للشرب .

أمريكا اللاتينية :

البيرو :

فيها أكبر منجم للذهب في أمريكا الجنوبية ، وقد تجاوزت نسبة تركيز المعادن في النهر القريب النسبة المسموح بها دوليا لمياه الشرب للحيوانات . وقد قلّل المنجم كمية مياه الشرب والمياه اللازمة للزراعة . وبين عامي 1993 – 2004 استهلك هذا المنجم 125 مليون متر مكعب من المياه ، وهذه الكمية تعادل احتياجات مدينة تضم 6.5 مليون نسمة لمدة سنة ، بمعدل 50 لتر لكل شخص .

الهندوراس :

ينتج منجم الذهب في وادي سيريا حوالي غرام من الذهب الخام من كل طن متري من الصخور المستخرجة ، ويتطلب إنجاز هذا تفجير نصف جبل وتحويله إلى كتل صغيرة ثم طحنها ثم صبّ محلول الماء والسيانيد على الأكوام الناتجة لفصل الذهب عن الصخر .

وقد بدأ المنجم إنتاجه عام 2000 ، ونُقلت قرى السكان الأصليين إلى أراض أخرى . ظهرت مشاكل صحية بسبب عمليات التفجير التي تنشر الغبار المُحمّل بالمعادن الثقيلة ، ويعاني السكان من الأمراض الجلدية والصدرية ، بينما زادت حالات الإجهاض وتشوهات الولادة ، وتساقط الشعر ، وأزمات تنفسية حادة ، وأمراض عقلية . أضف إلى ذلك جفاف الأنهار وقطع الأشجار وغيرها .

الذهب :

يحصل الذهب على طلبٍ عال جدا ، ولكن استخراجه يتطلب إزالة مليارات الأطنان من الخام ، وقطع الأشجار ، وإزالة التربة السطحية ، ويستخدم عادة السيانيد أو الزئبق في تنقيته . وهناك ثلاثة من كل أربع عمال في الفلبين ممن يستخدمون الزئبق تظهر عليهم علامات التسمم . وفي منتصف عام 1995 تصدّع ثاني أكبر مناجم الذهب في أمريكا الجنوبية في "غويانا" ، وتدفقت 3 ملايين طن متري من المياه الموثة بالسيانيد ، وقد أعلنت الحكومة المنطقة كمنطقة كوارث وتأثرت الأنهار تأثرا بالغا ، وعولج بعض الأشخاص من التسمّم بالسيانيد ، وشكا بعضهم من تقرّح أفواههم بعد شرب المياه ، وهناك احتمال لدخول المعادن السامة في بنية سلسلة الغذاء مع تغذّي الأسماك على الكائنات الدقيقة الملوّثة . وبعد ستة أشهر من التسرّب أعيد فتح المنجم كأن شيئا لم يحصل . (نهب الفقراء)

# البنك الدولي وتدمير البيئة من خلال تمويل شركات السياحة العابرة للقومية :

-----------------------------------------------------------

يقوم البنك الدولي أيضاً بتمويل شركات السياحة والفندقة العابرة للقومية لإنشاء مشاريع سياحية ضخمة في اليلدان النامية تجتذب السيّاح الغربيين ولكنها تستنزف إمكانات تلك البلدان وتدمّر بيئتها بلا أدنى حساب .

تقول منظمة "توريزم كونسيرن" المعنية بأمور السياحة إن إمدادات المياه محدودة في كثير من المناطق السياحية في البلاد النامية . فمناطق الكاريبي وهندوراس والشرق الأوسط وجنوب أفريقيا وتنزانيا والهند تعاني كلها من تناقص المياه بسبب السياحة .

ويحتاج السائحون إلى كميات كبيرة من المياه ويشكلون عبئاً إضافيا على موارده المحدودة . ويصل استهلاك نزيل الفندق من المياه إلى 500 لتر يومياً . وهو ما يزيد عشرة اضعاف على استهلاك المواطن العادي من أهل البلاد . واستخدام المياه في الحمامات وحمامات السباحة وري الحدائق يمكن أن يترك السكان المحليين بلا ماء .

وتشهد بلاد آسيا النامية توسّعاً سريعاً في إقامة ملاعب الغولف وبعضها لخدمة السائحين لتزيد بذلك الضغط على الموارد المائية . وكذلك على الأراضي والغابات . وفي أوائل الثمانينات زادت هذه الملاعب في تايلاند وماليزيا وإندونيسيا والفيلبين ، وتحتاج هذه الملاعب إلى رشّها دائماً بالمياه حتى تبقى خضراء وبحالة جيدة . فملعب الغولف القانوني (18 حفرة) يحتاج 525 ألف جالون من المياه يومياً . وهي كمية تكفي لتوفير احتياجات 60 ألف فلّاح من المياه . وإقامة الملاعب يتطلب إزالة الغابات ، وتسوية بعض المناطق الساحلية وتسوية قمم الجبال وغيرها . ويذهب أغلب السائحين إلى أماكن السياحة في البلدان النامية بالطائرات ، وطيرانهم يسهم في التغير المناخي وسيصبح من أهم عوامل سخونة الجو عام 2030 .

# البنك الدولي .. وإعصار تسونامي :

كان الدمار الذي أحدثه إعصار تسونامي الذي ضرب السواحل الآسيوية في أواخر ديسمبر 2004 أسوأ ما شهدته المنطقة ، بسبب إزالة آكام المانجروف (جنس من نبات الإيكة الساحلية تتغذّى على الماء المالح) وغيرها من الحواجز الطبيعية لإقامة منشآت سياحية كالفنادق التي شجّع على إقامة بعضها البنك الدولي . ومع إزالة الحواجز ، اجتاحت الأمواجُ الشواطيءَ وفقد كثير من الناس أرواحهم . لكن في السواحل القريبة التي لم تشهد تلك الإنشاءات حيث لاتزال أشجار المانجروف قائمة ، كان حجم الدمار محدوداً .

وفي جزيرة سيموليو الإندونيسية التي تبعد 25 ميلاً من مركز الإعصار ، على سبيل المثال ، لم يُقتل إلّا أربع أشخاص من إجمالي عدد السكان البالغ 76 ألفاً . فالمنطقة تضم مساحات شاسعة من المانجروف . وذكر شهود عيان أن الأمواج لم تنجح في اختراق حزام المانجروف . وكان دور المشروعات السياحية في كارثة تسونامي أكبر بكثير مما أوردته أجهزة الإعلام السائد في الغرب (نهب الفقراء ، وحكّام العالم الجدد).

 

# منظمة التجارة الدولية واتفاقية التجارة الحرّة – GATT :

----------------------------------------------------------

لا يمكن الحديث عن البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ودورهما في تدمير الشعوب وإبادتها ، دون الحديث أيضاً عن منظمة أخرى تتظافر جهودها في التدمير لصالح اثرياء الراسمالية مع جهود المؤسستين السابقتين وهي : "منظمة التجارة الدولية" . إن قواعد منظمة التجارة الدولية تخدم مصالح الشركات العابرة للقومية وشعوب البلدان الغربية ، وليس الشعوب في البلدان النامية . ومبدأ منظمة التجارة الدولية المتعلق بعدم التمييز في المعاملة هو في صالح الشركات بصورة كبيرة. ويعني المبدأ ضرورة أن تلقى الشركات الأجنبية المعاملة نفسها التي تلقاها الشركات المحلية ، وغير مسموح للحكومات التمييز لصالح الشركات المحلية . وهذا المبدأ له الأسبقية على المصالح الوطنية مثل الحاجات التنموية والآثار الاجتماعية الاقتصادية والظروف البيئية وحتى التشريعات . ويأتي تنظيم مصالح المواطنين في المرتبة الثانية بعد تحقيق نمو السوق الحر. ويؤكد هَوَس تحرير التجارة أن المجتمع مُنظم بأسلوبٍ يعزّز أرباح الشركات .

وتمتلك الشركات عابرة القومية القوّة الكافية لتحويل طلبات عضوية منظمة التجارة الدولية إلى ميزة خاصة بها حيث تدعو إلى عدم منح العضوية للبلدان النامية الراغبة في الإشتراك ما لم تبذل جهداً أكبر في تحرير اقتصادها . فعلى سبيل المثال ، يمكن للشركة التي مُنعت من بيع منتجاتها إلى أحد البلدان الطامحة إلى عضوية منظمة التجارة الدولية ، رفع الحظر أوّلاً قبل أن تتمكن من الانضمام . وقد أمّنت ضغوط الشركات عابرة القومية القواعد الجديدة للتجارة الدولية التي ترمي إلى خلق نظام عالمي في صورة عابرة القومية .

وفي ظل قواعد منظمة التجارة الدولية ، يُسمح للبلدان النامية أن تمنح فلّاحيها قدرا من الحماية في مواجهة الواردات الزراعية ، لكن برامج "التكيّف الهيكلي" التي وضعها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي تحول بينها وبين هذه الحرية .

لقد تراجعت الحكومات وتقلص دورها الاقتصادي والاجتماعي في السنوات الأخيرة . ولهذا نما دور الشركات عابرة القومية . ويدور التساؤل حول إذا ما كانت الشركات العابرة القومية ، بفضل نفوذها المُجرّد ، يُحسب حسابها أكثر من وجهات نظر الراي العام ، الذي لا يمتلك مثل هذه القنوات إلى صانعي السياسات . كما تحاول الشركات عابرة القومية تقديم نفسها باعتبارها فاعل خير اقتصادي ، قادر على تقديم المعونة للبلدان الفقيرة . وقد بدا ذلك واضحا ، على سبيل المثال ، عندما أخبر ممثل شركة إنرون ، شركة الطاقة سيّئة الصيت ومقرها في الولايات المتحدة لجنة تابعة للكونجرس الأميركي بأن الأطراف التابعة للقطاع الخاص ، "مثل شركتنا وغيرها ، قادرة الآن على تطوير وإنشاء وامتلاك وتشغيل مشروعات بنية أساسية تابعة للقطاع الخاص في تلك البلدان". وجاء في تقرير الحرب على الحاجة أن شركة "وول مارت" أيضا لعبت دوراً رائدا في الضغط على التجارة الدولية ، والتشجيع على خفض التعريفة الجمركية وتحرير التجارة (نهب الفقراء ، تشومسكي : الربح فوق الشعب، أمريكا المستبدة) .

# اتفاقية التجارة الحرّة – GATT:

تتضح فائدة التجارة الحرة كسلاح ضد الفقراء عبر دراسة للبنك الدولي في ارتفاع حرارة الأرض مُعدّة لتشكيل إجماع في الرأي بين الاقتصاديين (من نادي الأغنياء) . ويقترح الخبير الاقتصادي "لورانس سمرز" وهو اقتصادي رئيسي في البنك الدولي – كما قلنا سابقاً - أن مشاكل العالم البيئية هي من حيث الأساس "عواقب السياسات التي يُساء رسمها وفقا لأسس اقتصادية ضيقة" ، ويرى "أن خلق أسواق حُرّة في البلدان الفقيرة قد يؤدي إلى إبطاء ارتفاع حرارة الأرض أكثر مما تفعله أيُّ اجراءات أخرى تتبنّاها البلدان الغنية في التسعينات" .
وتحمل ذات الصفحة مادّةّ تتحدث عن وثيقة سرّية للبنك الدولي تسرّبت إلى صحيفة "الإيكونومست" وكاتبها هو "لورانس سمرز" نفسه ، ويرى أن نقل الصناعات القذرة إلى العالم الثالث حيث سيكون مثلا للعوامل المُسبّبة للسرطان آثارٌ كبيرة في بلد يعيش فيه الناس إلى العمر الذي يصابون فيه بسرطان البروستات منها في بلاد تصل فيها نسبة وفيات الأطفال دون الخامسة من العمر إلى أكثر من 200 بالألف" . ويقول : "إنّ البلاد الفقيرة ضعيفة التلوث ومن المنطقي تشجيع انتقال "الصناعات القذرة" إليها" .

ثمّ جاءت وثيقة سرّية لتكشف حقيقة مروّعة وهي أن خبراء البنك الدولي يقدّمون رشى إلى بعض اختصاصيي البيئة والباحثين لتدبيج البحوث والمقالات عن أنّ انبعاث الغازات لا صلة له بالإحترار العالمي . (تشومسكي : طموحات إمبريالية) . 

# البنك الذي يزعم معالجة الفقر يعترف بتفشّي الفقر :

يأتي التحدّي الذي لم يكن متوقّعاً على الأغلب مما نتج عن العولمة من اضطرابات اقتصادية ، وانقسامات بين الجانب الأكبر من الإنسانية . في عام 1991 كانت الأزمة التي تواجه الدول الأقل نموّاً موضوع برنامج عمل طموح انطلق من مؤتمر الدول الأقل نموّاً الذي عقد في باريس ، أو هكذا كانت تبدو الأمور.

وعقب ذلك بعشر سنوات ، كانت جميع الالتزامات التي قطعها مؤتمر باريس على نفسه قد تم نقضها ، وكانت الدول الأفقر في حال أكثر بؤساً مما كانت عليه في عام 1990، ولم يكن التأكيد على أن "تحرير الإقتصاد" و "الإقتصاد القائم على أساس من النمو التدريجي الثابت" يؤدي إلى خلق الثروة ، سوى مدعاة للسخرية . فعدد الدول الفقيرة قد زاد في واقع الأمر ، واصبح ما يقارب من نصف سكانها يعيشون على أقل من دولار واحد في اليوم . وتدهورت معدلات أعمارهم لتصبح أقل بخمسة وعشرين عاماً من معدلات أعمار سكان الدول النامية ، والقليل في أفغانستان هم الذين يعيشون حتى يتجاوزوا الأربعين من عمرهم.

ويقرّ البنك الدولي الآن بأن عدداً قليلاً من الدول الأكثر فقراً هي التي سيُتاح لها بلوغ "اهداف تخفيض الفقر" مع عام 2015؛ وبالأحرى فإن "برامج التقويم الهيكلي" القائمة على أساس الخصخصة والإستدانة وتدمير الخدمات العامة قد أدّت إلى المزيد من الافقار ، وكان لها الأثر السيّء على نسبة ضخمة من سكان العالم.

وفي العالم الفقير والأقل نموّاً يشعر الناس بأنه يجري الآن نوع من الفرز لتحديد ما إذا كانوا هم وأسرهم سيبقون على قيد الحياة أم سيُتركون ليلاقوا حتفهم ، وهم في ذلك اشبه بجرحى الحروب الذين يتم فرزهم لتحديد أيّهم يمكن أن يبقى على قيد الحياة فيتم علاجه ، وأيهم يُعتبر ميؤوسا منه فيُترك حتى يموت ، وعندما تم رفع الدعم من على الرسوم الجمركية والمواد الغذائية والوقود والمزارعين وغير الحائزين لأراض زراعية ، بناء على أوامر صندوق البنك الدولي أدرك صغار المزارعين وغير الحائزين على أراض زراعية أن هذا بمثابة إعلان بإقصائهم عن مزاولة عملهم . وانضم هؤلاء إلى 750 مليوناً من البشر الذين يعيشون في شبه بطالة أو يعانون البطالة.

وتقول مؤسسة المصادر العالمية إن حصيلة العولمة قد وصلت إلى وفاة ما يتراوح بين 13 و18 مليوناً من الأطفال في كل عام ، أو وفاة 12 مليون طفل تحت سن الخامسة ، وفقاً لتقرير التنمية الصادر عن الأمم المتحدة .

وقد كتب ميكائيل ماكنلي يقول : "إذا كان مائة مليون شخص قد قُتلوا خلال الحروب الرسمية التي شهدها القرن العشرون فلماذا يكون لهم فضل التميّز عن الحصيلة السنوية لوفيات الأطفال الناجمة عن برامج التقويم الهيكلي منذ عام 1912 ؟ " وهو ينقل عن ليستر ثيرو قوله : "إن المأساة التي حلت بالإنسانية ليست تشبيهاً بالحروب ، ولا استعارة عن الحرب ، ولكنها الحرب ذاتها" .

ومن هذا الوضع نشأت حركة مقاومة شعبية على نطاق غير مسبوق ، وابتداء من حركة الذين لا يحوزون أرضا في البرازيل ، إلى حملات مناهضة الخصخصة في آسيا وأفريقيا ، إلى المظاهرات العامة الضخمة التي شهدها الغرب ، مثل تلك التي نشبت في سياتل وجنوا . والشيء السائد في جميع تلك التظاهرات الجماهيرية هو الشعور بأن الناس العاديين واقعون تحت الإحتلال كما في حالة الحرب (غارودي : الولايات المتحدة طليعة الإنحطاط).

# بناء التجارة "الحرّة" من خلال التهديد ! :

قال رئيس وزراء أحدى البلدان النامية الأكثر فقرا بين دول العالم : "كنتُ ألحظ أن رجال البنك الدولي يصلون هنا يوم الإثنين ، ويغادرون يوم الأربعاء ، وكانوا يأتون وفي حقائب أيديهم كل ما يحتاجون إلى معرفته ؛ النماذج التي ينبغي أن يكون عليها اقتصادنا ، بغض النظر عن الحقيقة على أرض الواقع ، كانوا يمضون معظم وقتهم في فندق الإنتركونتننتال ، يعقدون اجتماعات مع هؤلاء الذين يقولون لهم ما يودّون الإستماع إليه . وكذلك كان الحال بالنسبة لرجال صندوق النقد الدولي . كانت الحكومة البريطانية تقول كلاماً ملطفاً حول إلغاء الديون ، ولكن الأمر كان ينتهي بشراء البضائع البريطانية ، وعقد الصفقات مع المصانع البريطانية . كان الربح هو الكلمة التي لم ينطق بها أحد ، ولكنها كانت مُحلّقة دوماً في الجو. وفي حالة قيامنا حتى بمجرد التلميح إلى الإعتراض على شيء من ذلك . فقد كنا نلقى التحذير ، أحياناً بخشونة ، بأنه ليس أمامنا طريق آخر ، ومع ذلك فقد كان أملنا الوحيد هو الخروج من هذا الطريق" .

ولقد كان ذلك واضحاً خلال انعقاد الاجتماع السنوي الرابع لمنظمة التجارة العالمية WTO في مدينة الدوحة بقطر في نوفمبر 2001 . ورغم أن منظمة التجارة العالمية تضم 143 عضوا ، فقد كانت إحدى وعشرون حكومة فقط من حكومات الدول الأكثر ثراءً هي التي سُمح لها بصياغة السياسات ، والتي كان قد سبق كتابة غالبيتها فعلا بواسطة رباعي : الولايات المتحدة وأوروبا وكندا واليابان، وقد طالبت الدول الغنية بجولة جديدة مما أطلقوا عليه اسم "تحرير التجارة" وهي السياسة التي تتيح سلطة التدخل في اقتصاديات الدول الفقيرة ، وفي طلب تنفيذ برامج الخصخصة والقضاء على الخدمات العامة. وقد سُمح لهم دون غيرهم بتوفير الحماية لصناعاتهم المحلية ولمحاصيلهم الزراعية ، وكانوا هم دون غيرهم الذين سُمح لهم بالحق في تقديم الدعم لصادراتهم من اللحوم والحبوب والسكّر ، وإغراق أسواق الدول الفقيرة بها بأسعار منخفضة بشكل مصطنع، وبما يؤدّي إلى تدمير حياة المزارعين في هذه الدول (في الهند كما يقول فاندانا شيفا المناصر لحماية البيئة تحوّل الإنتحار بين صغار المزارعين إلى حالة وبائية) .

لقد صدرت تهديدات إلى هاييتي والدومنيكان بسحب التفضيلات التجارية الخاصة الممنوحة لهما من الولايات المتحدة إذا ما أبدتا اعتراضاً على "الجولة" الجديدة من "التجارة الحرة" .

وفي المؤتمر أعلنت الحكومة البريطانية أنها سوف تقدم 20 مليون جنيه استرليني لمساعدة الدول االفقيرة "على صياغة سياساتها الاقتصادية والانخراط في منظمة التجارة العالمية" . وهذه ثالث مرة تعلن فيها الحكومة البريطانية عن هذه الـ 20 مليون جنيه ، ولكنها لم تصرفها ولا مرّة !! (نهب الفقراء) .

الولايات المتحدة تسحق حتى قواعد منظمة التجارة العالمية :

في عام 1997 رفضت واشنطن اتهام الاتحاد الأوروبي لها بالانتهاك الصارخ لقواعد منظمة التجارة العالمية . وهذا ليس غريبا فهي ترفض حكم الهيئات الدولية بصورة عامة . وكان السبب هو أن كوبا تهدّد الأمن القومي الأميركي . وبعد مدة ظهرت تصريحت أمريكية بأن كوبا لن تستطيع غزو الولايات المتحدة بسبب تدهوّر القوات العسكرية الكوبية المُخيفة بعد نهاية الحرب الباردة بعد أن توقف الاتحاد السوفييتي عن دعمها . بالّله عليكم من يصدّق هذا الكلام ؟

وقد يعتقد السادة القرّاء أنّ الإعلان الأخير الذي قدّمه الرئيس الأميركي "أوباما" عن نيّة الولايات المتحدة برفع الحصار عن كوبا هو مبادرة أمريكية رئاسيّة إنسانية . في الواقع هذا خطأ . هو محاولة للتكفير عن أبشع جريمة اقترفتها الولايات المتحدة الشيطانية . فقد فرضت الحصار على كوبا بالغذاء والدواء وكل المواد الضرورية للحياة منذ عام 1960 من دون أي سبب ، بل بتخويف الشعب الأمريكي من أن قوّات كاسترو سوف تغزو الولايات المتحدة وتحتلها !! وكمحاولة لإسقاط نظام اشتراكي قام بتوزيع الأراضي على الفلاحين واستعاد ثرواته الوطنية بقيادة المناضل العظيم "فيدل كاسترو" الذي رتبت له وكالة المخابرات الأميركية العديد من محاولات الإغتيال. ولأن هذه الدولة هي دولة الإبادة والسفالة والكذب فقد صدرت بعد إعلان أوباما عن نيّته الإنسانية في رفع الحصار عن كوبا (بعد أن قتل عشرات الألوف من شعب كوبا البريء خصوصا من الأطفال) صدرت إعلانات أخرى عن محاولة تسوية مشكلة الكوبيين الخمسة ، وهذه سفالة أخرى وتزوير قذر سنتحدّث عن ملابساتها مستقبلاً . (تشومسكي : الغزو مستمر ، الهيمنة أم البقاء؟). 

# التجارة العادلة هل هي خدعة جديدة ؟ :

"التجارة العادلة" هو توجّه اضطلع به اتحاد المؤسسات الدولية للتصديق على علامات التجارة العادلة منذ عام 1997 ، الذي وضع معايير التجارة العادلة للتصديق على الإنتاج ، ومراجعة حسابات التجارة وفقاً لهذه المعايير ، ومنح علامات اعتماد للمنتجات ، ويتألف الإتحاد من منظمات في عشرين دولة . وبمقتضى المعايير التي وضعها ، يحق للاتحاد استبعاد الشركات التجارية التي تخالف قواعد التجارة العادلة . لكن الجدل ثار عام 2005 عندما بدأت بعض الشركات العابرة القومية بالإنتباه إلى ضرورة اختراق هذه المنظمة مثل شركة نستله (أو نسله – Nestlé) التي قدّمت للأسواق نوعا من القهوة يلتزم بقواعد التجارة العادلة ، وقرر صندوق التجارة العادلة منح علامته لقهوة نستله ، ولدى نستله 8500 منتجاً ، ولكنها تواصل المتاجرة فيها كلها كعهدها السابق ، وهي أكثر الشركات البريطانية تعرّضا للمقاطعة ، واعتُبرت الشركة الأقل التزاماً بالمسؤولية في تصويت تمّ من خلال الإنترنت على المستوى العالمي . وقد اعتبرت خطوة التجارة العادلة في منحها العلامة غير صحيحة وأشارت إلى شراسة الشركة في تسويق أغذية الأطفال وما تقوم به من أنشطة قامعة للنشاطات العمالية النقابية ، وتورّطها في عمالة الأطفال ، وتدمير البيئة من خلال شركات تعبئة المياه التابعة لها ، واستخدام تكنولوجيا التعديل الوراثي ، ووفقا لأحد الباحثين فقدت 150000 أسرة كولومبية تعمل في زراعة البن مصدر رزقها نتيجة لسياسات نستله واعتبر منتجات التجارة العادلة "مجرد مزحة كبيرة" .

ويكفينا القول إنّ هيمنة الشركات عابرة القومية لم تؤدّ إلا إلى تفاقم الفقر . فهي تتمتع بقدر كبير من التأثير على أسعار الغذاء وحياة الفلاحين . وكثير من الشركات الزراعية أكثر ثراء من البلاد التي تمارس نشاطها فيها . وقد حققت نسله (أو نستله) على سبيل المثال أرباحا قياسية في 2002 تفوق إجمالي الناتج المحلي لدولة غانا في ذلك العام . كما فاقت أرباح يونيلفر الدخل القومي اموزمبيق بمقدرا الثلث ، وتفوق أرباح وول مارت اقتصاد البلدين مجتمعين .

ويترتب على مشاركة الشركات العابرة للقومية في التجارة العادلة شراء الناس لمنتجات تجارة عادلة تقدمها شركات متورطة في أنشطة تدمر مصادر رزق الفقراء . (نهب الفقراء).

# غارودي : البنك الدولي يقصف شعوب العالم الثالث بقنبلة نووية من نوع قنبلة هيروشيما يومياً ! :

---------------------------------------------------------------

يقول الفيلسوف الراحل "روجيه غارودي" :

(إن هيمنة الغرب ، منذ 5 قرون ، تكلّلت بإدارة مدمّرة للكرة الارضية ، فالحفاظ ، بعد إزالة الإستعمار ، على علاقات تبعية تفرض ، من خلال الاستعمار الجماعي المجسّد في صندوق النقد الدولي وبالمصرف العالمي ، اقتصادات مُشوّهة لا ترتكز على حاجات هذه الشعوب بل ترتكز على المنتوجات الأحديّة والزراعات الأحديّة المخصصة للتصدير لأجل تسديد فوائد الديون ، أدّى إلى هذه النتيجة : 50 مليوناً من الموتى جوعاً أو بسبب سوء التغذية سنويّاً ، أي أنّها تقصف شعوب العالم الثالث بقنبلة نووية من نوع قنبلة هيروشيما يومياً) .

ويواصل تحليله للدور التخريبي للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي بالقول :

(إنّ سياسة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي هي سياسة استعمار جماعي للبلدان الغنية ، التي حلّت محل الإستعمار القديم . فهي لم تعد تستوجب الإحتلال العسكري ، وسيطرة المتروبول مباشرة على الإدارة . إذ أن وسائل هيمنتها هي وسائل اقتصادية بالدرجة الأولى : فهي تشترط لتقديم قروضها ، فرض "سياسة تكيّفية غايتها ضمان دفع فوائد الدَّين" .

وإن برنامجا "تكييفياً" يستوجب : تخفيض قيمة العملة للحد من تشجيع الواردات ، ولزيادة تشجيع الصادرات ، إجراء تخفيضات تعسفية للنفقات العامة ، لاسيما على الصعيد الإجتماعي ، إلغاء المعونات والمساعدات للاستهلاك ، ومن ضمنه الاستهلاك الغذائي ؛ تحويل المنشآت العامة إلى منشآت خاصة ، و / أو زيادة تعرفتها (كهرباء ، ماء ، مواصلات ، إلخ) ؛ إلغاء الرقابة على الأسعار ؛ "إدارة الطلب" ، وبكلام آخر خفض الاستهلاك المحدود بسقف الأجور ، تقليص التسليف ، زيادة الضرائب ومعدلات الفوائد ، وكل هذا يرمي إلى خفض معدّل التضخم .

إن صندوق النقد الدولي ، إذ يشترط باستمرار ضغط الموازنات الاجتماعية ، لا يطالب أبداً ، في المقابل ، بخفض النفقات العسكرية . والحال لا يبقى سوى نظام عسكري لاستنزاف دماء الشعب .

فالبلدان التي وقعت في اضخم المديونيّات هي تلك التي عانت من الدكتاتوريات العسكرية : البرازيل ، الأرجنتين ، تشيلي – وهذه الأخيرة تسجّل رقماً قياسياً : 1540 دولاراً للنسمة الواحدة . إن صندوق النقد الدولي ، بعد الاستعمار التقليدي ، إذ يفرض هكذا على البلدان العالم الثالث الفقيرة نموذجاً إنمائياً يرمي إلى جعل اقتصادها ملحقاً لاقتصاد البلدان الغنيّة وملبيّاً لحاجات نموّها ، إنما يجعل من تخلّف ثلثي العالم نتيجة طبيعية لنماء الآخرين .

إنّ هناك حريقين مشتعلين :

1-   التبادل غير المتكافيء بين الشمال والجنوب ، بين اقتصاديات مدمّرة كليا بفعل قرون من النهب والإستعمار ، واقتصاديات مُشبَعة ومُتخمَة بما نهبته ، إن حرية السوق هي حرية الأقوياء في افتراس الأكثر ضعفاً . الدليل الأكثر سطوعا هو التدهور الدائم في التبادل التجاري.

في عام 1954 كان يكفي لمواطنٍ برازيلي أن يملك أربعة عشر كيسا من البُن لكي يشنري سيارة جيب من الولايات المتحدة الأمريكية ، وفي عام 1962 كان يلزم نفس المواطن تسعة وثلاثين كيسا ، وفي عام 1964 كان يمكن لمواطن من جامايكا أن يشتري جراراً أمريكياً في مقابل 680 طن سكّر . وفي عام 1968 كان يلزمه 3000 طن . إن الدول الفقيرة مستمرة في مساعدة الدول الثرية .

تمثّل فوائد الدين في كثير من الأحيان نفس قيمة أصل الدين. تساوي قيمة الفوائد مجمل الصادرات ، مما يجعل أي "تنمية" مستحيلة . إذن لا يعني ذلك أنها دول نامية . كما يطلقون عليها نفاقاً ، لكنها دول محكوم عليها بمأساة متنامية بفعل الخضوع المتنامي .

"المعونة" المزعومة لدول العالم الثالث هي أحد العوامل الأكثر فعالية لتقوية خضوع هذه الدول ولتأخرها .

حّدّدت "المعونة" العامة ، المتعددة الأطراف باقل من 1% (0,7%) من الناتج القومي الصافي للـ "المانحين" . في الحقيقة لا يتم صرف إلّا أقل من نصف هذا المبلغ الزهيد.

"المعونة" المزعومة ، المالية والتكنولوجية للدول "النامية" من خلال الاستثمارات ، لم تحقق أي تنمية اخرى غير تلك الخاصة بالشركات متعددة الجنسيات المغروسة في هذه الدول حيث الأيدي العاملة الرخيصة . سمحت هذه المعونة أيضاً للشركات الغربية بالحصول على مكاسب أعلى بكثير من التي تحصل عليها في بلادها . النتائج هنا هي : تنمية زراعة أحادية وإنتاج أحادي ، تراجع الزراعة القومية والحرفى الوطنية الاصلية ، خضوع ، استغلال متزايد للأيدي العاملة ، تفاقم للدين بفعل تزايد الواردات.

النتيجة النهائية حاسمة : انخفض دخل الفرد بنسبة 15% في أمريكا اللاتينية ، و20% في أفريقيا منذ بداية الثمانينات .

2- آلية تسخير العالم الثالث لمصالح الغرب . ويقوم بها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي . أنشأتهما وتسيطر عليهما الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون عن طريق تقديم قروض للدول التي تمر بصعوبات معينة تحت شروط سياسية واجتماعية واقتصادية ومالية تُسمّى بحياء "برامج الإصلاح" أو "خطط الإصلاح البنيوي أو الهيكلي" .

يتكون برنامج الإصلاح في الغالب من العناصر الآتية :

- خفض سعر العملة (بهدف تشجيع الصادرات وخفض الواردات) .

- تخفيضات هائلة للنفقات العامة وبصفة خاصة على المستوى الاجتماعي : خفض اعتمادات التعليم، الصحة، الإسكان، وإلغاء الدعم بما فيه الدعم الغذائي.

- خصخصة الشركات العامة أو رفع أسعارها (الكهرباء، الماء، المواصلات ..) .

- إلغاء التحكم في الأسعار .

- زيادة الضرائب ومعدلات الفائدة، كل ذلك بهدف خفض معدل التضخم .

تحكم هذه "الليبرالية" الدول النامية بشكل أفضل من الاحتلال العسكري أو الديكتاتوريات العسكرية. وليس أفضل من ذلك سوى ديكتاتورية عسكرية تجعل الدولة تنزف حتى النهاية . تحتفظ شيلي بالرقم القياسي : 1540 دولاراً ديوناً لكل مواطن .

دفعت الشعوب نيابة عن جنرالاتهم وكولونيلاتهم ثمن الأتعاب القاتلة التي تمكّنهم من الحفاظ على "النظام" في خدمة أسيادهم الأجانب . اليوم تخدم القروض الجديدة بصفة خاصة تسديد فوائد الديون القديمة .

تؤدي هذه السياسة "للإصلاح" إلى اندلاع مظاهرات للجوع ضد ارتفاع الأسعار : في المغرب 1981 و1984. في كراكاس 1985، ومارس 1989 . وفي الجزائر عام 1988 .

هناك أكثر من 800 مليون شخص يعانون من نقص دائم في الغذاء ، نصف البشرية تقريبا من الجياع الذين يعيشون على أقل من دولارين في اليوم . وهم لا يعرفون نظاما غذائيا .

ومن أجل دفع الدين بالدولار تنتج البلاد المُعانة كثيرا مما لا تستهلكه ، وتستهلك كثيرا مما لا تنتجه .

هكذا يخرّب البنك الدولي وصندوق النقد الدولي نصف الكرة الأرضية الجنوبي منذ عشرين عاما ، من الأرجنتين إلى تنزانيا ، من باكستان إلى الفلبين ، وبدءوا الآن في تطبيق نفس الأسلوب في دول الشرق .

وقد أسفرت حرّية السوق عن شهرة خاصة بها هي تهريب المخدرات (راجع الحلقة الخاصة بدور الولايات المتحدة في إنعاش تهريب المخدرات) . (غارودي : الولايات المتحدة طليعة الإنحطاط ، حفّارو القبور).

# ملاحظة عن هذه الحلقات :

----------------------------

هذه الحلقات تحمل بعض الآراء والتحليلات الشخصية ، لكن أغلب ما فيها من معلومات تاريخية واقتصادية وسياسية مُعدّ ومُقتبس ومُلخّص عن عشرات المصادر من مواقع إنترنت ومقالات ودراسات وموسوعات وصحف وكتب خصوصاً الكتب التالية : ثلاثة عشر كتاباً للمفكّر نعوم تشومسكي هي : (الربح فوق الشعب، الغزو مستمر 501، طموحات امبريالية، الهيمنة أو البقاء، ماذا يريد العم سام؟، النظام الدولي الجديد والقديم، السيطرة على الإعلام، الدول المارقة، الدول الفاشلة، ردع الديمقراطية، أشياء لن تسمع عنها ابداً،11/9) ، كتاب أمريكا المُستبدة لمايكل موردانت ، كتابا جان بركنس : التاريخ السري للامبراطورية الأمريكية ويوميات سفّاح اقتصادي ، أمريكا والعالم د. رأفت الشيخ، تاريخ الولايات المتحدة د. محمود النيرب، كتب : الولايات المتحدة طليعة الإنحطاط ، وحفّارو القبور ، والأصوليات المعاصرة لروجيه غارودي، نهب الفقراء جون ميدلي، حكّام العالم الجُدُد لجون بيلجر، أمريكا والإبادات الثقافية لمنير العكش ، شوكة في حلق المتحكّمين لآمي جودمان وديفيد جودمان ، كتابا : الإنسان والفلسفة المادية ، والفردوس الأرضي د. عبد الوهاب المسيري، وغيرها الكثير.