
"التحالف الرباعي": ما له وما عليه (7) / براهيم الحريري
مصالح المتحالفين
ما هي، اذن، مصالح المتحالفين (روسيا، ايران، سوريا وأخيراً العراق) كل على حدة، والمشتركة، من مشاركتهم في التحالف؟
يبدو من التصريحات، التي رافقت الإعلان عن التحالف، ان الهدف العام هو محاربة الإرهاب، اما الهدف العاجل فهو انقاذ النظام السوري من ان يسقط على ايدي الإرهاب.
معلوم ان لإيران علاقات قديمة ومتميزة مع سوريا ابان حكم الرئيس الراحل حافظ الأسد، خصوصا بعد انتصار الثورة الإيرانية. وقد تعززت هذه العلاقة خلال الحرب العراقية - الإيرانية، اذ رفض الأسد الأب ان يصطف الى جانب مغامرة صدام حسين ضد ايران، ومع انه كان للأسد اسبابه، التي تعود الى صراع القيادتين البعثيتين، السورية والعراقية على تزعم "البعث"، إلا انه كانت له تقديراته الصائبة، في حينها، التي تنطلق من الموقف الواضح للثورة الإيرانية، بخلاف نظام الشاه، من الصراع العربي الإسرائيلي وحقوق الشعب الفلسطيني.
ولقد استطاع الأسد، بحنكته ودهائه، (كان مناوراً من طراز خاص) وبإستفادته من الأوضاع الأقليمية والدولية الملائمة، وقتها، ان يحافظ على علاقات طيبة، مع الخصمين اللدوين، على الصعيد الإقليمي، ايران و السعودية، ومع القطبين الدوليين، اميركا و الإتحاد السوفييتي.
كان من المفترض، بعد سقوط نطام صدام حسين عام 2003 ان تشهد العلاقات السورية - العراقية تحسنا ملموسا، خصوصا ان للنظامين، السوري والعراقي علاقات طيبة، إن لم نقل متميزة، مع النظام الإيراني، يساعد على ذلك ان النخب الحاكمة، المتنفذة، في البلدين تحتسبان انفسهما على الإسلام الشيعي، (او تُحسبان من منظور الصراع المذهبي – حافظ الأسد لبس، بالأحرى اُلبس هذه العمامة متاخرا كشكل من اشكال التحشيد لدعم نظامه) إلا ان ما حصل كان مخالفا، ان لم يكن معاكسا، تماما. فقد تدفق الإرهابيون من كل انحاء الدنيا، من السعودية خصوصا، على العراق عبر الحدود السورية! بل ان المخابرات السورية اقامت معسكرات خاصة لتدريب الإرهابيين. وعندما كان المعنيون العراقيون رسميين وسياسيين، وغير عراقيين، يعرضون على الرئيس السوري، الأدلة الثابتة على تورط اجهزته في تدريب وتسريب الإرهابيين الى العراق، كان الرئيس السوري يدير اذنيه الكبيرتين، صفحا، إذن من طين وإذن من عجين!
(لكم ان تتصوروا هذه الخلطة العجيبة، اللي تموت من الضحك - لكنه ضحك كالبكاء، على حد وصف المتنبي: إرهابيون سعوديون، وهابيون، يتدربون ويتسربون من سوريا الى العراق، بدعم ايراني، يقودهم الأردني - الفلسطيني، ابو مصعب الزرقاوي، يقتلون عشرات، مئات آلاف العراقيين، الشيعة خصوصا ويخربون العراق، بدعوى محاربة الأميركان!)
...حتى وقعت الواقعة، وقع الأسد في الحفرة التي حفرها لأخيه، فانتابته، على حين غرة، "الحكة الشيعية"! فإذا النظام السوري، العلوي، الشيعي، يتعرض لهجوم ارهابي سني (مع ان القاعدة ووريثتها داعش، التي تربت في كنف النظام السوري واستفادت الى حد كبير من تساهل النظام السوري الذي كان يامل ان يستخدمها ضد المعارضة التي بدأت سلمية، ذات طابع مدني ديمقراطي، حتى قمعها النظام بوحشية بالغة، فحمل اقسام منها السلاح وحدثت التداخلات الإقليمية/ الدولية المعروفة) فألقت ايران بثقلها لدعم بشار الأسد، وحركت حلفاءها في لبنان، فهبو لنجدة النظام السوري. وتذكر اصدقاء ايران العراقيون، في الحكم و خارجه، او ذكّرتهم اوساط متنفذة في ايران، ان اخاهم، العلوي الشيعي! حليف الأخ الأكبر الإيراني، في ورطة، فمن للأخ غير اخيه، ونسي "الأخوة العراقيون"، ما تعرضوا له من مكائد اخيهم السوري، العلوي، الشيعي! وهبّوا، تلبية لنداء الأخ الأكبر، وعملا بالحديث الذي اختلف الفقهاء في تفسيره: "انصر اخاك ظالما او مظلوما"، لنصرة الأخ يشار. وتشكلت، ليس بدون علم ايران وأوساط نافذة في التحالف الحاكم في العراق ميليشيات لهذا الغرض. وتدفق "لحماية ضريح السيدة زينب" طيب الله ثراها، آلاف المتطوعين (بلغ عددهم، حسب تقديرات اخيرة، الخمسة آلاف) هذا عدا اكداس السلاح الإيراني (ربما الروسي ايضا، الأمر الذي اثار احتجاجات متكررة من واشنطن. ولعل هذا كان نواة غرفة العمليات - تبادل المعلومات الخ... التحالف الخ...- يا من يطلع راسه من هاللّخة!- التي اعلن عنها مؤخر او اشار اكثر من مصدر انها كانت قائمة، فعلا، منذ اكثر من سنة، ولعل الطرف الروسي التحق بها مؤخراً).
بالإعلان عن هذ "التحلف"، مؤخرا، اكتسبت هذ العلاقات المتشابكة طابعا رسميا. فروسيا حصلت على قواعد جوية وبحرية في سوريا، وبات على اميركا ان تحسب حساب روسيا في البحث عن حل للأزمة السورية، بعد ان وضع بوتين جزمته العسكرية على الطاولة. كما حصلت روسيا على قواعد جوية وبحرية في سوريا، وما كان بإمكان الاسد الأبن إلا ان يقدم هذه التسهيلات، للحفاظ على كرسيه، بعد ان اضعف المعارضة فأضعف نفسه، بينما كان بامكانه، في البداية، ان يقدم بعض التنازلات فيحافظ على سوريا، نظاما وشعبا وكيانا، قوية، معافاة، لو فتح الشبابيك لرياح الديمقراطية. ليس ثمة ضمانة لبشار الأسد، الآن، ان لا يجد نفسه خارج اية تسوية، إذا ضمنت الأطراف المعنية مصالحها.
كذلك الأمر بالنسبة لأيران، فبعد ان كان وجودها في سوريا غير قابل للنقاش، عززت مواقعها في العراق،عبر التحالف وليس ثمة ضمانة، قياسا على التطورات الأخيرة، ودورها ودور المليشيات المرتبطة بها، فيها ان لا يتيح لها التحالف دورا اكبر، وها هو بوتين يقرع البوابة العراقية بالحاح وقوة.
اما نصيب العراق فلا يتعدى، حتى الآن، سوى ان يصبح قاعدة عسكرية للتحالف، كحد ادنى. وهو كالنظام السوري، ليس في موقع يتيح له الحصول على شروط افضل في التحالف، ألا اذا اجاد المناورة بين التحالفين، الدولي والرباعي وهذا امر مشكوك فيه، بسبب ضعف جبهته الداخلية، وغياب الرؤية، والأهم الإرادة، الستراتيجية لدى القيادة.
صحيح انه ينبغي الإستفادة من اية قوة، داخلية او اقليمية او دولية لدحر الإرهاب، لكن كيف؟
تلك هي القضية!
22/10/2015