
نوري السعيد رجل المهمات البريطانية الكبرى (21)/ حامد الحمداني
24/10/2015
تدهور الأوضاع السياسة والاقتصادية في البلاد
مذكرات الأحزاب الوطنية المرفوعة للوصي عبد الاله:
تدهورت الأحوال السياسية والاقتصادية والاجتماعية في البلاد بسبب سوء سياسات الحكومات المتعاقبة على سدة الحكم، ولجوئها إلى انتهاك حقوق وحريات الشعب التي نص عليها الدستور، والاستهتار بمصالح الوطن، ووصول تلك الأحوال إلى مرحلة أصبح السكوت عنها أمراً مستحيلاً .
ونتيجة لتلك الأوضاع أصيبت الأحزاب السياسية الوطنية باليأس من تلك الحكومات وسياساتها الخطرة، فلم تجد بداً من مخاطبة الوصي على عرش العراق[عبد الإله] مباشرة، حيث رفعت إليه المذكرات شرحت فيها بإسهاب أحوال البلاد، وما وصلت إليه من تردي ينذر بتطورات خطيرة إذا لم يتم معالجتها بسرعة.
لقد جاءت المذكرات التي بعث بها زعماء حزب الاستقلال، والحزب الوطني الديمقراطي، وحزب الجبهة الشعبية، متشابهة في مضمونها من حيث شرحها لظروف البلاد المتردية، وانتشار الفساد، وسلب الحريات العامة وانتهاك الدستور، وتزييف الانتخابات، وغيرها من الأمور الأخرى.
كما جاءت بمطالب متشابهة أيضا، ولذلك فسوف اكتفي بمذكرة الحزب الوطني الديمقراطي التي رفعها السيد[ كامل الجادرجي] إلى الوصي عبد الإله، والتي اتسمت بالصراحة والجرأة في عرض التدهور الحاصل في كل مجالات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في البلاد وفيما يلي نصها :
صاحب السمو الملكي الأمير عبد الإله:
يا صاحب السمو:
ليست الغاية من تقديم هذه المذكرة إلى سموكم هي مجرد شكوى من الأوضاع السيئة القائمة في العراق واستنكارها، إذ طالما سمعنا أن سموكم يبدي شكواه أيضاً في مختلف المناسبات، ولذلك نتقدم بمطالب نأمل أن يساعد تحقيقها إلى حد كبير في إنقاذ البلاد من الوضع الخطير الذي وصلت إليه.
ونحن عندما نخاطبكم بصورة مباشرة بها الشأن، لم يغب عن بالنا أن القانون الأساسي العراقي، على ما فيه من مآخذ، قد اعتبر رئيس الدولة، أو من يقوم مقامه، غير مسؤول، وأنه حمل الوزارة جميع مسؤوليات الحكم في الدولة، وأنه فرق بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، لكن عدم التقيد بالقانون المشار إليه في ناحية حقوق الملك، وواجباته في الحدود المعينة لها كان سبباً مهماً لخرق سائر مواده من قبل السلطة التنفيذية، وجعله معطلاً من حيث الواقع، ولذلك لا يسعنا والحالة هذه أن نتجاهل واقع الحال الذي جعل سموكم مسؤولاً عن هذا الوضع الشاذ.
ونستطيع أن نؤكد أن التردي في الحالة بدأ يأخذ شكلاً واضحاً منذُ أن تم إخضاع البلاد للسلطات الإنكليزية عقب حركة 1941، إذ رافق الاحتلال البريطاني الثاني دور إرهابي رُكز فيه النفوذ البريطاني والحكم العرفي، والإدارة البوليسية، وظهرت فيه الروح الانتقامية بأجلى مظاهرها، سواء في الاعتقالات الإدارية، أو المحاكمات التي جرت على يد السلطات العسكرية العراقية.
وقد تحمل الشعب العراقي طيلة مدة الحرب ما عانته البلاد من عبث الإدارة العسكرية البريطانية، وتدخلاتها السافرة بشؤونها، وتوجيهها جميع موارد البلاد وإنتاجها لمصلحة المجهود الحربي البريطاني، كما عانى من نتائج التضخم النقدي ما لم يعانيه بلد آخر. فكانت أكثرية الشعب لا تسد رمقها بسبب الغلاء الفاحش، بينما تُرك الحبل على الغارب لفئة من الاستغلاليين والاحتكاريين، ورجال الحكم المستسلمين والموالين للسلطات البريطانية، والمدافعين عن ذلك الوضع السيئ لتثرى ثراءً فاحشاً على حساب تجويع الأكثرية الساحقة من الشعب.
لقد عانى الشعب كل هذه المصاعب، وضحى بحرياته العامة والخاصة وتحمل الجوع والذل، وصبر على مضض، على أمل أن يحيا في أعوام ما بعد الحرب حياة سعيدة، تستعيد فيها البلاد استقلالها، وتضمن حرية أفرادها، ويوفر لها قوتها، وتختار الأكثرية فيها الطريقة التي توافقها في الحكم، والهيئة التي تدير شؤونها إدارة وطنية ديمقراطية منبثقة عن مجالس نيابية منتخبة بمحض إرادتها.
ولكن الذي يؤسف له أن الوضع استمر على ما كان عليه بعد انتهاء الحرب، على الرغم من ازدياد الوعي الشعبي، بل أخذت تنمو بذور الفساد بمقياس واسع، فكوفحت الأحزاب الناشئة وصحافتها أشد المكافحة، واُتخذ من القضاء وسيلة لمحاربتها ومحاربة صحافتها، وفقد القضاء استقلاله وصيانته بنتيجة مداخلات السلطة التنفيذية المستمرة في أعماله، وأخذ أسلوب الحكم يتحول إلى نظام بوليسي أكثر فأكثر، يهدر الحريات العامة والخاصة، وخلق جو إرهابي أرادت به الفئة الحاكمة القضاء على كل مقاومة شعبية، وسارت الفئة الحاكمة على نفس أسلوبها القديم في الانتخابات العامة بالرغم من أنها تظاهرت بالإصلاح في هذا الشأن بسن قانون جديد للانتخابات، وقد شهدت انتخابات عامي 1947 و 1948 مداخلات سافرة من غير تحفظ، فقد حدث أن استُدعي المتصرفون إلى العاصمة لمقابلة رئيس الديوان الملكي، والمسؤولين من الوزراء، وعادوا إلى أماكن عملهم بعد أن زُودوا بتعليمات مشددة لتعيين النواب.
وقد نُفذت تلك التعليمات، فكان من الطبيعي أن تضيع مسؤولية الوزارات أمام تلك المجالس المزيفة، غير المنبثقة عن إرادة الأمة فتركزت السلطة، من دون اعتبار لمبدأ فصل السلطات، بيد الحكومة التي راحت تطلق لنفسها العنان في القيام بما تريد به من أعمال مخالفة للقانون الأساسي، والقوانين والأنظمة، ومخلة بالأسلوب الديمقراطي كل الإخلال، فأصبحت المجالس النيابية هي الخاضعة للسلطة التنفيذية وأصبحت الوزارات تعلق بقاءها في الحكم على إرادة البلاط ومشيئته، فاستسلمت له كل الاستسلام، وأصبح والحالة هذه مرجعاً حقيقياً في كل صغيرة وكبيرة، حتى تعين الموظفين، وإحالتهم على التقاعد، وما شابه ذلك من الأمور التي يجب أن تكون بعيدة عن هذه المداخلات.
ونحن إذ نوجه هذه المذكرة إلى سموكم لا نود أن يُفهم أننا نطالب بأن يتدخل سموكم في شؤون الدولة خلافاً للدستور، وإنما الذي نبغيه هو وضع حد لهذه المداخلات، وذلك لصيانة الدستور، وإزالة آثار تلك المداخلات، ونعتقد بأن الإصلاح الذي نطالب به لتغير الأوضاع السيئة القائمة التي بلغت حداً لا يطاق من الفساد، يجب أن يبدأ بتعديل القانون الأساسي الحالي الذي جرى تعديله في ظروف شاذة، يوم كانت البلاد من أقصاها إلى أقصاها محتلة بالجيوش البريطانية، وخاضعة للأحكام العرفية، والسجون والمعتقلات ملئ بالمواطنين لأسباب كيفية، وذلك على وجه الخصوص يضمن في نصوصه سيادة الشعب ضماناً تاما ًبحيث لا يدع أي مجال للانتقاص منها،عن طريق التأويل أو التفسير، ويقف بكل سلطة من سلطات الدولة عند الحد الذي يجب أن تقف عنده، وفق مبادئ حكومة دستورية نيابية ديمقراطية مقيدة بالقانون، كما جاء في البيعة التاريخية التي أقرها مجلس الوزراء العراقي بتاريخ 11 تموز 1921،وأعلنها للناس،على أن يشمل التعديل المطلوب النص الذي كان قد ادخل على القانون الأساسي عام 1942، والذي يقضي بمنح حقوقاً أكثر من ذي قبل، كحق إقالة الوزارة، وجعل قرارات مجلس الوزراء مرهونة بموافقته عليها، وما إلى ذلك من أمور منافية كل المنافاة للأسلوب الديمقراطي، وأن يتضمن التعديل منع رئيس الدولة، وكل ذي سلطة عامة في الدولة منعاً باتاً من كل عمل مالي أو اقتصادي يمكن أن يؤدي إلى استغلال النفوذ.
وفي اعتقادنا أن التعديل المطلوب يجب أن يكون تمهيداً لإعادة الحياة النيابية على أسس سليمة، وفي مقدمتها الأخذ بمبدأ الانتخاب المباشر عن طريق تعديل قانون الانتخاب الحالي على هذا الأساس، هذا القانون الذي ليس له في الأقطار الديمقراطية ما يماثله من حيث رجعيته، والذي أضيفت إليه أواخر عهد السيد نوري السعيد الأخيرة قيود جديدة على حرية الناخبين، مما يتطلب تبديله لتأمين حق المواطنين في الانتخاب المباشر، وإجراء الانتخابات المقبلة على أساس إحصاء رسمي على أن يُلغى منه كل قيد يعرقل وصول أي مواطن إلى المجلس مهما تكن حالته الاجتماعية أو المالية، وان تقوم بإجراء الانتخابات، بعد رفع تلك القيود من هذا القانون، وجعله ملائماً للأسس الديمقراطية، وزارة يطمئن إليها الشعب كل الاطمئنان، لتكون الوزارات التي تتولى الحكم بعد ذلك وزارات منبثقة من مجلس نيابي حقيقي يمثل إرادة الشعب أصدق تمثيل، وبذلك يمكن أن تكون الوزارات مسؤولة أمامه فقط فتتولى السير بالبلاد نحو عهد جديد من الحكم الديمقراطي الصحيح ليستعيد الشعب طمأنينته المفقودة، وتتوفر لديه الثقة بأسلوب الحكم الذي ينشده.
وبعد فإن الشعب يا صاحب السمو بحاجة إلى إزالة القوانين الرجعية التي حرمت عليه ممارسة حريته، وجعلته يعيش في ظل نظام بوليسي يحصي عليه حركاته وأنفاسه، ويأخذ أبناءه بالشبهات، ويزج بهم في المعتقلات والسجون لمجرد رأي أبدوه، وإن البلاد بحاجة ماسة إلى قوانين عامة تشمل جميع أبناء الشعب، فكما تكون الجرائم موحدة بين المدن والمناطق الريفية، يجب أن يكون العقاب كذلك واحداً .
كما أن البلاد بحاجة ماسة إلى تشريع يضمن استقلال القضاء الذي أصبح في وضع لا يستطيع معه المحافظة على كيانه وحرمته واستقلاله، وإلى مجلس دولة تُعطى له جميع الصلاحيات كاملة غير منقوصة لحماية حقوق المواطنين من عبث السلطة الإجرائية، وتصرفاتها الكيفية، إلى جانب إطلاق الحريات السياسية، ومنح العمال وغيرهم من أصحاب المهن حرية تأليف النقابات، بحيث لا تستطيع السلطات الإدارية والبوليسية عرقلة أعمال هذه النقابات، والقضاء عليها بحجج واهية، وإعلان العفو العام عن المحكومين السياسيين الذين هم في الواقع ضحايا المجالس العرفية العسكرية، أو المحاكمات غير الأصولية، وإلغاء جميع النصوص التي تتنافى ومبادئ الحكم الديمقراطي، حيثما وجدت في القوانين، واستبعاد فكرة تعديل قانون العقوبات الذي تلوّح به السلطات كسيف مسلط على كل حرية من حريات الرأي، والعمل السياسي، وتطهير جهاز الدولة من المرتشين والفاسدين، والضرب على أيدي المستغلين والمحتكرين، وذلك بتشريع خاص، بحيث لا يفلت من العقاب كل مجرم سابق أو لاحق.
والشعب العراقي الذي ضاق ذرعاً بحالته الاقتصادية السيئة، من حيث تفشي الفقر والبطالة، وقلة الأجور، يريدها إصلاحاً جذرياً لهذه الحالة بإلغاء الإقطاع، وإزالة كل قانون أو نظام من شأنه تثبيته، وتحديد الملكية الزراعية بحد أعلى، وتوزيع الأراضي المتملكة على الزراع الحقيقيين، وزيادة حصة الفلاح من الحاصل، وتخفيف عبء الضريبة عن المكلفين غير القادرين على دفعها، وفرض ضريبة تصاعدية على أصحاب الدخل الكبير، زراعياً كان أو غير زراعي، وتقليص الضرائب غير المباشرة على المستهلكين، وتحرير الاقتصاد الوطني من الاستغلال والسيطرة الأجنبية، وتأميم المشاريع التي تتصل بالخدمات العامة والقضاء على الاحتكار الأجنبي في العراق، وتشجيع استثمار رأس المال الوطني في الصناعة الحديثة، والمشاريع الاقتصادية، ومنع استغلال النفوذ الفردي على حساب الصالح العام .
والشعب العراقي الذي يريد جلاء كل قوة أجنبية عن بلاده، يريد التحرر من معاهدة 1930 الجائرة التي قيدت له استقلاله وسيادته الوطنية، وهو كذلك يرفض كل نوع من أنواع الدفاع المشترك، لأنه يرى في هذا المشروع الاستعماري الخطر كل الخطر على كيانه وسلامته.
والشعب العراقي الذي ينشد السلام، يريد أن يعلن حياده تجاه التكتلات الدولية التي لا منفعة له في التورط فيها، لأن كل ارتباط للعراق بالدول الإمبريالية لا يعود إليه بغير الكوارث الجسيمة، ويعرض حياة أبنائه للهلاك، ومرافقه للخراب والدمار.
ولنا الشرف يا صاحب السمو أن نكون قد عرضنا في هذه المذكرة خلاصة ما يشكو منه الشعب العراقي، وعبّرنا عن ما يرغب فيه من حلول لمشاكله، وما يتوق إلى تحقيقه من آمال، وتفضلوا يا صاحب السمو بقبول خاص احترامنا . (1)
بغداد في 8 صفر 1372 هجرية المصادف لليوم 28 تشرين الأول 1952 .
كامل الجادرجي
وهكذا جاءت المذكرة تعبيراً صادقاً ودقيقاً عن أوضاع الشعب العراقي ومعاناته، ووضعت اليد على الداء، وحددت له الدواء، من دون أي مجاملة لرئيس الدولة أو الحكومة، واستقبلها الشعب بالتأييد الحازم والفعال، فقد كانت قد عبرت حقاً وصدقاً عن ضميره وأحاسيسه، وآماله في الحياة الحرة الكريمة في ظل الاستقلال الحقيقي، وبعيداً عن الهيمنة الإمبريالية.
وبدلاً من أن يقوم الوصي عبد الإله بدراسة المذكرة المرفوعة له، والعمل على الاستجابة لمطالب الشعب التي تضمنتها المذكرات، ومعالجة شكاوى الشعب، استدعى على الفور السيدان [نوري السعيد] و[مصطفى العمري] وتباحث معهما في الرد الذي جاء سريعاً وانفعالياً دافع فيه عن نفسه، وعن حكوماته وسياساتها المعادية لمصالح الشعب والوطن، وجاء ذلك الرد الذي بعث به رئيس الديوان الملكي [ احمد مختار بابان ] ، بناء على توجيهات الوصي إلى قادة الأحزاب الوطنية الثلاث في 28 تشرين الأول 1952، والذي تميز بالانفعال.
لقد حاول الوصي تبرئة نفسه من التدخلات اللادستورية التي مارسها منذُ توليه الوصاية على العرش في انتخابات المجالس النيابية، وسياسات الوزارات المتعاقبة على الحكم، وتعديله للدستور بحيث خول نفسه حق إقالة الوزارة، والتدخل في كل صغيرة وكبيرة، إضافة إلى ارتمائه في أحضان المستعمرين البريطانيين، والرضوخ لمشيئة السفارة البريطانية في تشكيل الوزارات وتحديد سياساتها. (2)
لكن الوصي كان يشعر بقلق شديد من أسلوب المذكرات التي رفعتها الأحزاب السياسية، والتي كانت تنم عن وجود استياء شعبي عام في البلاد وكان قلق الوصي عبد الإله ناشئاَ أيضاً من خوفه من وقوع انقلاب عسكري في البلاد، كما حدث في سوريا ومصر، ولذلك فقد سارع إلى حل مجلس النواب في 27 تشرين الأول 1952، تمهيداً لإجراء انتخابات جديدة، من دون أن يلتفت إلى المطالب الشعبية، ومطالب الأحزاب السياسية المتمثلة بتعديل قانون الانتخاب وجعله مباشراً ـ أي على درجة واحدة ـ منعاً للتزوير و شراء ذمم المنتخبين الثانويين . (3)
الأحزاب السياسية تقاطع الانتخابات:
لم تقتنع أحزاب المعارضة الوطنية بالخطوة التي أقدم عليها الوصي لحله البرلمان تمهيدً لإجراء انتخابات جديدة، طالما أنها سوف تجرى بنفس الأسلوب السابق، وبموجب القانون المعمول به، ورأت أن لا فائدة ترجى من اشتراكها في الانتخابات التي بات معروفاً سلفاً من الذي سيفوز فيها من رجال السلطة والسفارة البريطانية، وأعلنت أنها سوف تقاطع الانتخابات. (4)
وجاء قرار الأحزاب الوطنية المعارضة ليزيد من قلق السلطة والبلاط في اندلاع وثبة شعبية جديدة لا أحد يعرف مداها إن هي حدثت، ولذلك فقد تراجعت الحكومة عن موقفها، وسارعت إلى إصدار بيان رسمي 16 تشرين الثاني 1952إلى الشعب، تعلن فيه أنها في صدد تشكيل لجنة من كبار القانونيين، وبمشاركة الأحزاب السياسية، لتعديل قانون الانتخاب وجعله [انتخاباً مباشراً ]،وأنها سوف تقدم مشروع القانون إلى مجلس الأمة الذي سيجري انتخابه، وأن الحكومة سوف تقف على الحياد في تلك الانتخابات !!.
كما أعلنت الحكومة في بيانها أنها تدرك ضرورة أجراء الإصلاحات في البلاد، وقامت الحكومة بإبلاغ الأحزاب السياسية بخطتها، ودعت ممثليها للمشاركة في اللجنة المزمع تأليفها لتعديل قانون الانتخاب. لكن الأحزاب الوطنية لم تنطلِ عليها أحابيل الحكومة لتمرير الانتخابات والمجيء بمجلس للنواب كما تريد، وعليه رفضت دعوة الحكومة وطالبتها بإصدار مرسوم بتعديل قانون الانتخاب قبل إجراؤها، إن هي جادة في مواقفها. وبسبب تأزم الوضع من جديد طلب رئيس الوزراء[مصطفى العمري] من الوصي عبد الإله أن يلتقي بقادة الأحزاب والشخصيات السياسية في البلاد للتداول في سبل الخروج من الأزمة الخطيرة. (5)
مانع الوصي في بادئ الأمر، لكنه عاد وتراجع عن موقفه بعد أن أوضح له رئيس الوزراء خطورة الوضع داخل البلاد، وما جرى ويجري من أحداث في إيران وسوريا ومصر.
وهكذا بادر الوصي في 28 تشرين الأول إلى دعوة قادة الأحزاب السادة [كامل الجادرجي ] و[محمد مهدي كبة] و[طه الهاشمي] و[نوري السعيد] و[صالح جبر] وشملت الدعوة إضافة إلى رئيس الوزراء [مصطفى العمري] كل من السادة [جميل المدفعي ] و[علي جودت الأيوبي] و[محمد الصدر] و[توفيق السويدي ] و[أرشد العمري ] و[حكمت سليمان ]. وجميعهم رؤساء وزارات سابقون.
(6)
بدأ الوصي حديثه مع الحاضرين منزهاً نفسه من أي استغلال لمركزه على قمة السلطة، مدعياً العفة والنزاهة، والحرص على العراق وشعبه!، مذكراً بأمجاد الملك حسين بن علي، ثم طلب بعد الانتهاء من كلمته أن يسمع أراء الحاضرين في الاجتماع، وخاصة قادة الأحزاب السياسية. لكن السيد [طه الهاشمي] أجابه بالنيابة عن [كامل الجادرجي] و[محمد مهدي كبه] على الفور أنهم قد قدموا كل ما عندهم في المذكرات التي رفعوها لسموه، وأنهم يودون سماع جواب سموه عليها. (7)
كما تحدث علي جودت الأيوبي حول الأوضاع المتدهورة في البلاد ومطالب الأحزاب السياسية الوطنية، وتطور الحديث إلى سجال بين الزمرة الحاكمة وقادة الأحزاب المعارضة.
أثارت صراحة السيد طه الهاشمي الوصي عبد الإله، وجعلته يفقد سيطرته على أعصابه، حيث تطاول على طه الهاشمي، واتهمه مرات عديدة [بالكذب ]!! .
انفعل الهاشمي من تصرف الوصي، وهمّ بالخروج من الاجتماع، لكن الوصي صرخ في وجهه قائلاً[ اجلس] ورد عليه الهاشمي قائلاً [أني شريف،إني شريف] ثم غادر قاعة الاجتماع، وأعقبه الأستاذ كامل الجادرجي وغادر الاجتماع احتجاجاً على إهانة الوصي لطه الهاشمي وتضامناً معه، وانتهى مؤتمر البلاط إلى الفشل الذريع، وغادر الجميع بعد ذلك قاعة الاجتماع .(8)
حاول رئيس الوزراء أن يهدئ الأجواء التي باتت تهدد بالانفجار، واتصل بالسيدين طه الهاشمي، وكامل الجادرجي، واعتذر لهم بالنيابة عن الحكومة، وأبدى أسفه إلى ما آل إليه مؤتمر البلاط. كما قام كل من رئيس الديوان الملكي [ احمد مختار بابان ] و رئيس التشريفات [تحسين قدري] بزيارة السيد طه الهاشمي في داره ليهونا عليه ألم الإهانة من قبل الوصي. (9)
أما رؤساء الأحزاب السياسية الوطنية فقد وقفوا إلى جانب السيد طه الهاشمي، أبدوا استعدادهم لعمل كل ما من شانه أن يرد الإهانة الصادرة من الوصي عبد الإله بحقه. (10)
ونتيجة لفشل مؤتمر البلاط ، وتصاعد الأزمة بين الوصي والأحزاب الوطنية، قدم وزير المالية السيد [موسى الشابندر] استقالته من الحكومة متنصلاً من المسؤولية. كما أبدى كل من الوزراء [جمال بابان ] و[نديم الباجه جي ] و[عبد الله الدملوجي] قلقهم من تطور الأوضاع، ورغبتهم في التفاهم مع المعارضة، مهددين بالاستقالة إذا لم تلبِ الحكومة طلبهم، مما جعل الوزارة مهددة بالسقوط .
لكن السفير البريطاني سارع للاتصال برئيس الوزراء العمري، حيث أرسل إليه مستشار وزارة الداخلية، طالباً منه الاستمرار في الحكم مهما جرى، وعدم التفكير بالاستقالة. (11)
وفي كانون الأول 1952، جرى اجتماع في دار السيد [جميل المدفعي] حضره كل من السادة [نوري السعيد ] و[علي جودت الأيوبي ] و[محمد الصدر] و[توفيق السويدي ] و[مصطفى العمري ]، وجرى البحث في الأوضاع السياسية في البلاد، وتطورات الأزمة، وقد أبدى توفيق السويدي رأيه في قطع المفاوضات مع الأحزاب وحلها، وأجراء الانتخابات النيابية بموجب القانون المعمول به .
وقد أيده في رأيه [علي جودت الأيوبي] و[نوري السعيد] الذي دعا إلى توجيه الضربة للشيوعيين !!، وعدم الرضوخ للمعارضة.
أما الشيخ محمد الصدر فقد طلب السعي لإقناع المعارضة أولاً، فإن رفضت فالحل في [ حل الأحزاب ] وإجراء الانتخابات. (12)
وهكذا تصاعدت الأزمة بين السلطة والمعارضة، وأصبح الانفجار الجديد متوقعاً في كل لحظة، بعد أن رفضت السلطة مطالب المعارضة وكانت الأوضاع الملتهبة تنتظر حادثاً، مهما كان بسيطاً ليشعل فتيل الانتفاضة الشعبية