المحكمة الجنائية الدولية... حكم ... / د. عمران الكبيسي

تأسست المحكمة الجنائية الدولية عام 2002 وهي من المنظمات الدولية الدائمة، وتعد الأولى من نوعها كونها هيئة قضائية مستقلة كما توصف، ولها ولاية عالمية تستطيع مقاضاة المتهمين بجرائم الإبادة الجماعية، القتل، والتعذيب، والاغتصاب، والتهجير، والأذى الجماعي للأعراق والطوائف المشمولة بنظام روما، وجرائم الحرب المنافية لحقوق الإنسان باتفاقية جنيف عام 1949، وقعت على قانون إنشائها أكثر من مائة وعشرين دولة، وهدفها " الحد من ثقافة الإفلات من العقوبة" ومن بين الدول التي امتنعت عن توقيع ميثاقها وانتقدتها الولايات المتحدة وروسيا وإسرائيل على الرغم من كونها هيئة أممية تتكلف الأمم المتحدة بتمويلها، ومقرها في هولندا.

وتختلف المحكمة الجنائية الدولية عن محكمة العدل الدولية المتخصصة بحل النزاعات بين الدول. وعلى الرغم من سمو هدفهاالإنساني لم تسلم من عيوب قاتلة ولدت معها كما يولد الأطفال الخدج، فأمريكا وإسرائيل بعد أن سحبتا اعترافهما بالمحكمة مثلا غير ملزمتان بما يترتب منها، كما لا يمكن للمحكمة النظر في الجرائم المرتكبة قبل تأسيسها، والأدهى من كل ذلك لا يحال عليها المجرمون. إلا بشروط لا تلبي الهدف أهدافها على الوجه الأكمل والصحيح فلا يحال إليها من المجرمين إلا من توافق على مقاضاته حكومة دولته، أو بقرار من مجلس الأمن. أو بشكوى أكثر من مائة ألف مدع بالحق، وخلاصة الموضوع " إنها محكمة الأقوياء على الضعفاء".

فأي حكومة توافق إلى إحالة أنصارها ومؤيديها إلى المحاكم الدولية لمقاضاتهم عما ارتكبوا من جرائم الحرب أو الإبادة وهم يدافعون عنها مثلا، وأي دولة عضو دائم في مجلس الأمن من حقها استخدام حق النقض(الفيتو) اتجاه إي محاولة لإحالتها أو إحالة طرف من حلفائها إلى المحكمة، بالنهاية لن تقاضي المحكمة الجنائية الدولية إلا الضعفاء ممن ليس لديهم من يحميهم, أو يدفع عنهم، مثل الدول الافريقية ومنها السودان، أما الأقوياء فلديهم حصانة مبطنة بشروط ولادة المحكمة ذاتها، فكم من جرائم حرب وإبادة ارتكبتها إسرائيل بحق الفلسطينيين في غزة ولبنان في مواقع ترعاها الأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة الدولية وسلمت من العقاب، لأنها غير ملزمة بقرارات المحكمة بعد سحب الاعتراف بها، ولأنها حليفة الولايات المتحدة الأمريكية التي استخدمت حق النقض مرات عدة في مجلس الأمن على قرارات تدين إسرائيل..

وبعد عام واحد من إعلان تشكيل المحكمة الجنائية الدولية احتلت أمريكا، العراق وكان آمنا مستقرا وارتكبت على أرضه كل أنواع جرائم الحرب والإبادة الجماعية بحق البشر والطير والحجر والشجر، ولم نشهد محاكمة مجرم أو مسئول عن هذه الجرائم، سواء من القوات الغازية أو من عراقيين وفدوا على دباباتها، وأصبحت بغداد دار السلام أسوأ مدن العالم للعيش أمنا وصحة وبيئة. وأصاب الشعب السوري ما أصابه من جرائم الحرب والإبادة والدمار على يد الأسد وزمرته وقصف الطائرات الروسية وثقته كل وسائل الرصد والإعلام والمنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان، ولم يستطع العالم إحالة أركان النظام إلى المحكمة بجرائمهم الموثقة لاستخدام روسيا حق النقض، والهجرة الجماعية شاهد على ما تعانية شعوب الأرض وبخاصة المسلمين فلسطين والعراق وسوريا وليبيا واليمن وأفغانستان ومالي ومينمار وغيرها من جرائم حرب وإبادة، وهل تنتظر المحكمة الدولية الجنائية جرائم أخرى أعنف وأشد لتتحرك ضد الفاعلين الأحياء وهم يسرحون ويمرحون؟ استضعفوك اكلوك، فهل استضعفوا شبل الأسد؟

عَنْ أُمَّ المؤمنين عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ وَايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَها" رواه البخاري، هذا هو دستور السماء وتلك هي دساتير الأرض وشتان ما بين هذا وذاك.