معاناة شعب مصر من تحالف العسكر.. / كاظم حبيب

لم يتحقق لشعب مصر ما كان يصبو إليه، عبر انتفاضته الشعبية المقدامة في 25 يناير/كانون الثاني 2011، بإقامة المجتمع المدني الديمقراطي والدولة المدنية الديمقراطية المستقلة، التي لا تخضع لمشايخ الأزهر ولا للعسكر، إذ عجز عن تحويلها إلى ثورة شعبية قادرة على تغيير موازين القوى وعلاقات الإنتاج القائمة والتخلص من القوى القومية اليمينية ومشايخ الأزهر والجماعات العسكرية المهيمنة على القوات المسلحة التي حكمت مصر أكثر من ستة عقود عجاف، إضافة إلى المعاناة من البطالة والفقر والحرمان والمزيد من التمايز الطبقي والارتداد علن كل المكاسب التي تحققت لشعب مصر طوال عقود القرن العشرين بنضال الفئات الاجتماعية الكادحة والفئة المثقفة والبرجوازية الصغيرة والمتوسطة.

لقد سرقت جماعة الإخوان المسلمين السلطة مباشرة وبدعم من قيادة القوات المسلحة، تماماً كما حصل بإيران، وأُهملت مصالح الشعب وإرادته كلية. ولكنها تجرأت بالسعي الحثيث للانفراد بالسلطة وفرض إرادتها على قيادة القوات المسلحة، فخانت تحالفها، مما دفع بقادة القوات المسلحة إلى الانتقام منهم، بتأييدهم الشعب المصري في رفضه لحكم الإخوان المسلمين ومحمد مرسي. فماذا حصل؟  

انطلقت الملايين من جماهير الشعب المصري، الرافضة لحكم الإخوان ومحمد مرسي، في الثلاثين من يونيو/حزيران 2013 في انتفاضة شعبية عمت مصر كلها، وخاصة بالقاهرة. فاعتلى قادة الجيش المصري الموجة وأخذوا زمام المبادرة وركبوا الانتفاضة بشخص عبد الفتاح السيسي وزير الدفاع وهيمنوا على السلطة مجدداً. فزج بمحمد مرسي في السجن ولوحق قادة الإخوان المسلمين. إلا إن العسكر زج أيضا،ً بالشخصيات المقدامة من الشبيبة المصرية التي قادت انتفاضة الشعب في الخامس والعشرين من يناير 2011 والثلاثين من يونيو 2013، في السجون، بسبب مشاركتهم في مظاهرات تطالب بالحريات العامة وتحقيق مطالب الشعب ومصالحه الأساسية.  

لقد عاد العسكر إلى السلطة، ولكن بتحالف جديد، تحالف بين قادة الجيش والجماعات الإسلامية السلفية، وبتأييد من مشايخ الأزهر. فبدأوا بممارسة سياسة استبدادية ظالمة هي الآن أشد وطأة على الشعب المصري مما كان عليه في زمن السادات ومبارك. إنه تحالف فكري وسياسي مصلحي بعيد عن مصالح الشعب المصري وحاجاته الأساسية. وإذا كانت الأصول الفكرية للسيسي مزيجاً من الفكر القومي اليميني والفكر الإخواني، فأنه اليوم، وكما يبدو، قد تحول ليصبح مزيجاً بين الفكر القومي اليميني المستبد والفكر الإسلامي السلفي الأكثر استبداداً. إن سيماء السيسي تبدو واضحة على جبينه من أثر السجود!!! ويحظى هذا التحالف الجديد بتأييد الولايات المتحدة الأمريكية، رغم تفضيلها تحالف الإخوان مع العسكر.

لقد دعا السيسي إلى تجديد الفكر الإسلامي بمصر. وكان يعني الالتزام بالفكر الإسلامي السلفي! وتجلى ذلك ليس بالقوانين المناهضة لحرية الصحافة والتظاهر والتجمع والتنظيم وحقوق الإنسان، وليس بالتحالف مع السعودية وحكم البشير في السودان فحسب، بل إطلاق الحرية للمحاكم بإصدار الأحكام القاسية بالسجن والغرامة ضد الشخصيات والكتاب والصحفيين المدنيين والعلمانيين بدعوى "خدش حياء" المسلمين أو "ازدراء الأديان". إن الفقه السلفي المصري المتحجر هو الفقه المهيمن على القضاء بمصر حالياً والمسنود من حكم العسكر. اليكم بعض الأمثلة:

** قُدم الكاتب المصري، إسلام بحيري، إلى القضاء بتهمة ازدراء الأديان، لأنه شكك بأحاديث صحيح البخاري، باعتبارها ليست من ثوابت الدين. حكم عليه بالسجن خمس سنوات، ثم خفف إلى سنة. علماً بأن هناك اتفاقاً بين كبار الفقهاء المسلمين على إن أحاديث البخاري ليست من ثوابت الدين.         

** اصدرت محكمة مصرية حكما بالسجن لمدة عامين على الروائي المصري أحمد ناجي بتهمة "خدش الحياء العام" بسبب ما جاء في رواية كتبها ونشرت صحيفة "أخبار الأدب" الحكومية فصلا منها.

** وحكمت المحكمة بتغريم طارق الطاهر رئيس تحرير أخبار الأدب مبلغ 10 الاف جنيه مصري (1275 دولارا، 1150 يورو)، بسبب سماحه بنشر هذا الفصل من رواية ناجي "استخدام الحياة" في الصحيفة. وقدمت الدعوى ضد الكاتب بعد تلقي شكوى من قارئ.

** قضت محكمة مصرية الخميس 25 فبراير/ شباط 2016 بالسجن 5 سنوات على ثلاثة شبّان مسيحيين قبطيين أُدينوا بـ"ازدراء الإسلام" بعد ظهورهم في مقطع فيديو اعُتبر مهيناً للصلاة الإسلامية، حسب ما أفاد مسؤولٌ في النيابة لوكالة الصحافة الفرنسية. وقررت المحكمة الكائنة في محافظة المنيا (جنوب القاهرة 200 كم) إيداع متهمٍ رابع عمره 15 عاماً في مصلحة الأحداث. واثنان من المتهمين المحكومين بالسجن 5 سنوات أعمارهم 16 عاماً فيما ثالثهم عمره 17 عاماً.  إلا أن محاميهم ماهر نجيب قال إن موكليه كانوا يقلدون بتمثيلة "إعدامات جهاديي داعش" ولم يقصدوا أي إهانة للإسلام. (هوفينتغتون بوست عربي، 3/3/2016).

يواجه شعب مصر إرهابين، إرهاب يمارسه تحالف الإخوان المسلمين مع تنظيم داعش، وإرهاب تمارسه السلطة العسكرية المتحالفة مع التنظيم الإسلامي السلفي ومشايخ الأزهر. وهذا الواقع الناشئ يضع الشعب بين نيران العسكر ونيران الفقه الإسلامي السلفي في الحكم، مما يزيد من تعقيد نضاله الوطني لبناء الدولة الوطنية المدنية الديمقراطية، ويذكرنا هذا، كما قال صديق مصري، بتحالف السلطة مع اللاهوت بمصر الفرعونية القديمة، لفرض مصالح المتحالفين على حساب مصالح وإرادة الشعب المصري. فمتى يستطيع الشعب المصري فرض إرادته والتحكم بمستقبله. الشعب المصري يمهل ولا يهمل أهداف انتفاضاته المقدامة!